أسعار الذهب بالسوق المحلية في منتصف تعاملات السبت 14 مارس2026    محافظ الفيوم يشهد احتفالية "الفرحة فرحتين" لتسليم أجهزة عرائس وملابس للأسر الأولى بالرعاية    عبدالرحيم علي: ترامب يُقدم نفسه كمنقذ للعالم من «التهديد النووي الإيراني» ويحشد الدعم رغم الخسائر    بعد استهداف خرج «خارك».. تعرف على أبرز الجزر التي تشكل قوة اقتصادية واستراتيجية لإيران‬    دوي انفجارات في القدس عقب رصد صواريخ باليستية أُطلقت من إيران    الليلة.. منتخب الناشئين يواجه تنزانيا ودياً    رياح قوية تضرب القاهرة والصعيد وسيناء.. والأرصاد تحذر من مخاطر الأتربة    إصابة 5 أشخاص إثر انقلاب كبوت داخل ترعة بقنا    السيطرة على حريق في مصنع عقل بطلخا    الدباغ ينقذ الأبيض، شوط أول مثير بين الزمالك وأوتوهو في الكونفدرالية    استراحة الكونفدرالية - أوتوهو (1)-(1) الزمالك.. نهاية الشوط الأول    السيسي يشارك اليوم في حفل إفطار الأسرة المصرية    منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي تدين مواصلة الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى    توقيع برتوكول تعاون بين "قناة السويس للاستزراع المائي" وجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية    المؤبد لكوافير حريمي أنهى حياة طفل داخل سوبر ماركت بالمهندسين    ثقافة الأقصر.. أنشطة وفعاليات رمضانية في الطود وبهاء طاهر والرزيقات والكيمان    زيارة مفاجئة لوكيل صحة بأسيوط للادارة العامة للصيدلة بالمديرية اليوم    «الصحة» تطلق حملة توعوية حول الاستخدام الآمن للأدوية خلال شهر رمضان    رسالة مفاجئة من محمد كارتر لمحمد سامي بعد عودته لشيماء سيف    محمد رمضان يفجر مفاجأة لجمهوره عن رمضان 2027    محافظ الإسكندرية يستقبل وفد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية    وزير الاتصالات يشارك في الاجتماع التنسيقي لمتابعة قضايا المصريين بالخارج    نقيب المحامين يقرر صرف 500 جنيه منحة استثنائية لأصحاب المعاشات بمناسبة عيد الفطر المبارك    بشهادة الجماهير على السوشيال ميديا: "أب ولكن" يجسد معاناتنا كآباء بعد الطلاق    تكريم 270 طالبا وطالبة من حفظة القرآن في احتفالية كبرى بالإسكندرية    أسعار النفط تشعل قلق الأسواق العالمية.. و«برنت» يتجاوز 100 دولار للبرميل    الصحف العالمية اليوم: وزير حرب ترامب يهاجم الإعلام الأمريكي لعدم عرضه الهجوم على إيران بشكل إيجابي.. حلفاء ستارمر يُشيدون بموقفه الرافض للخضوع لترامب فى إيران.. خبراء: فوضى عارمة بسبب غياب خطة حرب أمريكية واضحة    1121 مواطن يستفيدون من قافلة طبية مجانية بدمياط الجديدة    محافظ أسوان: مبادرة شبابية للنظافة ضمن رؤية "أسوان 2040" بمشاركة واسعة من الأهالي    ضبط كيان تعليمى بدون ترخيص بالقاهرة متهم بالنصب على المواطنين    وزير التخطيط يبحث مع وفد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعزيز التعاون المؤسسي ودعم تنفيذ رؤية مصر 2030    أكرم القصاص: مصر تقف سدا منيعا ضد انزلاق المنطقة لحرب شاملة    دعاء الرياح.. "اللهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها"    عمرو السيسي: الدوري الحالي أصعب وليس أقوى.. وإمام عاشور هو الأفضل حاليا    جامعة قناة السويس تنظم مؤتمر الدراسات العليا السابع    وزير الصناعة: إنشاء أول مصنع لإنتاج سيانيد الصوديوم في مصر والشرق الأوسط باستثمارات 200 مليون دولار    إحالة سائق بتهمة الاعتداء بالضرب على موظف في عين شمس للمحاكمة    أيمن محسب: اتصال الرئيس السيسي ونظيره الإيراني يؤكد دخول مصر الوساطة الإقليمية    خلال 24 ساعة.. ضبط 425 قضية مخدرات و208 قطع سلاح وتنفيذ أكثر من 82 ألف حكم قضائي    اليوم.. الأهلي يختتم استعداداته لمواجهة الترجي في دوري أبطال أفريقيا    سفير تركيا بالقاهرة: مصر بلد لا تموت أبدًا وتعرف كيف تنهض من جديد    مدير مستشفيات جامعة القاهرة يتفقد الاستقبال والطوارئ وبنك الدم    لتطوير خدمات السكتة الدماغية، تدريب دولي لمراجعي الجودة الإكلينيكية في مصر    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام نيوكاسل يونايتد في البريميرليج    باكستان تتهم أفغانستان ب«تجاوز الخط الأحمر» من خلال إطلاق مسيّرات نحوها    رسميا.. سيد معوض مدربا عاما لنادي غزل المحلة    تخفيض سرعة القطارات بسبب حالة الطقس    تشكيل الزمالك المتوقع أمام أوتوهو بالكونفدرالية    حفل قرآني مهيب بمركز سنهور القبلية بالفيوم لتكريم 2000 حافظ وحافظة للقرآن الكريم    شهيد الغربة.. والدة الشاب البورسعيدي محمد ريان تروي تفاصيل مقتله في أمريكا: كان بيسقي طفلة ماء فقتلوه بخمس رصاصات    عمليات إجلاء في المنطقة المركزية بالدوحة    محمد أنور يتصدر المشهد بعد ظهوره في "حبر سري".. اعترافات صريحة تكشف كواليس النجاح وخوفه من السوشيال ميديا    حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا| دار الإفتاء توضح الرأي الشرعي وتستند إلى أقوال الصحابة    حبس سائق 24 ساعة على ذمة التحقيق في واقعة دهس طالب أزهري من الفيوم عقب خروجه من صلاة التهجد بالعبور    بعد توجيهات الرئيس السيسي| خبراء يؤكدون: إلغاء بعض التخصصات الجامعية يخدم سوق العمل    وكيل الأزهر يعزي والد الطالب الأزهري "محمد عجمي "الذي وافته المنية عقب إمامته للمصلين    (رسوم تخزين المطار ) يتفاعل على إكس .. وناشطون: السيسي بيزنس الحرب على أي شعارات    الفنان السوري أركان فؤاد يفتح النار على السوشيال ميديا: أضرت بالفن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورة والدولة... تحولات عربية
نشر في الشعب يوم 20 - 01 - 2007


بقلم : د. حسن حنفي

هي أزمة جيلنا الذي عاش مرحلتين متتاليتين, مرحلة التحرر من الاستعمار ومرحلة ما بعد الاستعمار, مرحلة الثورة ومرحلة الدولة, مرحلة النضال الوطني ومرحلة التنمية الشاملة. وهو يشاهد نصب عينيه ضياع المكتسبيْن الرئيسيين، الثورة والدولة. فقد تحولت الثورة إلى ثورة مضادة, من مقاومة الاستعمار إلى التحالف معه, ومن مناهضة الصهيونية إلى الاعتراف بها. وانقلب اقتصادها من الاشتراكية إلى الرأسمالية, وتغير اقتصادها من الاعتماد على الذات إلى المعونات الأجنبية. ونعى المثقفون الوطنيون حظهم. وعابوا زمانهم. ورأوا مسار تاريخهم الحديث بين النهضة والسقوط, بين شرعية الثورة وعقل الدولة, لا فرق بين قومي وماركسي وليبرالي وإسلامي. الكل يبكي حظه, وينعي زمانه.

فهل الثورة والدولة نقيضان أم متكاملان؟ وهي نفس القضية المطروحة الآن في القضية الفلسطينية بين "حماس" و"فتح". ف"حماس" هي الثورة و"فتح" هي الدولة. ويكاد يقع التناقض بينهما إلى درجة الصراع المسلح, وإراقة الدم الفلسطيني مرتين، مرة بيد العدو الصهيوني، ومرة بيد المناضل الفلسطيني. ما هي طبيعة العلاقة بين الثورة والدولة؟

هناك أربعة أنماط للعلاقة بين الثورة والدولة أفرزها التاريخ, وتحققت في الواقع الثوري في الوطن العربي وخارجه. الأول "ثورة بلا دولة". وتمثلها التجارب الثورية قبل مرحلة التحرر الوطني مثل الثورة الجزائرية بكل فصائلها المتمثلة في "جبهة التحرير الوطني"، والثورة الفلسطينية, "حماس" و"فتح" معاً، والممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية, وجميع ثورات العالم مثل الثورة الفيتنامية, والثورة الصينية، والثورة الكوبية. فلا توجد سلطة إلا سلطة الثورة لأن الدولة كانت بين المحتل الأجنبي أو العميل الوطني. وبعد النصر تتحول بطبيعتها إلى دولة. وهكذا نشأت الدولة الوطنية الحديثة. فالثورة بعد أن تحقق أهدافها لا تستمر. تخبو وتبرد بطبيعة الأشياء. وتصبح جزءاً من السياق الوطني والإقليمي والدولي. ويتحول الخيال الثوري إلى ترشيد عقلي. ويتحقق المثال في الواقع. ولكل منطقه، ما ينبغي أن يكون للثورة وما هو كائن للدولة. وقد يقع الشقاق بين فرقاء الأمس, وينتصر فريق الواقعية السياسية على فريق النقاء الثوري، "فتح" دون "حماس".

حينئذ ينشأ النمط الثاني "دولة بلا ثورة"، واقعية سياسية بلا روح ثورية، مما يؤدي إلى سلسلة من التنازلات السياسية من الدولة بحجة التعايش مع النظام الدولي في الخارج والاستقرار السياسي في الداخل, وتوفير لقمة العيش للمواطنين ضد شعار "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها". وتقمع المعارضة السياسية التي تمثل روح الثورة والبدائل السياسية. وقد ينتهي الأمر إلى شق الصف الوطني، والوقوع في حرب أهلية بين رفقاء الأمس, بين الدولة والثورة. تسفك الدماء, وتُتبادل الاتهامات بالعمالة والخيانة, وهو ما يحدث بين "فتح" و"حماس" اليوم.

حينئذ ينشأ النمط الثالث "لا ثورة ولا دولة". فتضيع مكتسبات مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار والصهيونية, وهي الثورة, وتضيع مكتسبات مرحلة ما بعد الاستعمار, وهي الدولة. لم يتعود الشعب على الثورة بعد احتكارها من الدولة, فاهتم بلقمة العيش داخل البلاد أو هاجر لمزيد من الرزق شرقاً إلى بلاد النفط أو غرباً إلى سوق العمل أو شمالاً للبلاد المتقدمة كي ينعم بالخبز والحرية في آن واحد خارج البلاد. ولم يتبق من الثورة إلا أحزاب معارضة تقليدية قومية أو ليبرالية أو يسارية ضعيفة أمام الدولة الأمنية والحزب الحاكم أو إسلامية غير شرعية, جماعة محظورة يمارس بعض أجنحتها العنف في العمل السري بالعقلية الانقلابية, ثورة على الثورة أو دولة داخل الدولة. ولا يبقى أمام بعض المثقفين الوطنيين إلا الهم والغم أو التفريج عن الكرب بالعمل الأدبي أو الفني أو الثقافي. يسبحون ضد التيار ولم يغرقوا بعد. جزر منعزلة لم يغمرها الطوفان.
وتتحول الدولة إلى دولة قاهرة لخصومها السياسيين في الداخل, وتجد تعويضاً عنها في أحلافها الجديدة في الخارج, وهي التي طالما قاومت الأحلاف والمحاور في عصر الثورة. وتمتلئ السجون بالمعتقلين السياسيين طبقاً لقانون الطوارئ, أو قانون الإرهاب أو قانون حماية الوحدة الوطنية أو قانون الاشتباه أو قانون العيب, وإنكار ما علم من الدين بالضرورة وهو طاعة أولي الأمر درءاً للفتنة بين الناس ومنع وقوع الفساد في الأرض. ويتوقف الخيال السياسي. وتغيب البدائل. فليس في الإمكان أبدع مما كان. وتلتصق الدولة بالدول الكبرى تجد سنداً فيها. تتفكك الدولة من الداخل. وتتحول من حامل لمشروع وطني يجمع بين الناس إلى مجموعة من الشلل المتناحرة. فللخاص الأولوية على العام. ولرجال الأعمال الأسبقية على رجال السياسة. توضع المعارضة في السجون، وتتفكك الدولة وتتحول إلى جماعات ضغط, وشلل سياسية، ومجموعات مصالح متضاربة. فالوطن فقد روحه باستئصال الثورة, وفقد جسده بتفكك الدولة. تخرج الدولة من حركة التاريخ ومسار الزمن. فتحدث الانقلابات العسكرية من بقايا الجيوش الوطنية وأجيال جديدة من "الضباط الأحرار"، بالرغم من استئناس الجيوش وتحويلها إلى مؤسسات اقتصادية، وجعلها درعاً حامياً للسلام, الخيار الاستراتيجي الأوحد، بعد أن أصبحت حرب أكتوبر آخر الحروب، والأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان وفي أم الرشراش في مصر ما زالت محتلة. وقد تحدث هبات شعبية عارمة من جماهير الفقراء ضد الأغنياء كما حدث في الهبة الشعبية في يناير 1977، وفي هبة قوات الأمن المركزي في 1986.

ربما يحدث النمط الرابع "ثورة ودولة" عوداً على بدء إلى عصر النضال الوطني من أجل القيام بحركة تحرر وطني ثانية لتصحيح حركة النضال الوطني الأولى واسترجاع مكتسباتها, الدولة الوطنية المستقلة, والتنمية البشرية المستدامة. هكذا استقلت فيتنام بعد حروب تحرير طويلة ضد الاحتلال الياباني أولاً، والاستعمار الفرنسي ثانياً، والعدوان الأميركي ثالثاً. واستمرت المفاوضات خمس سنوات في باريس، والقتال على أشده في فيتنام. ثورة في الداخل, ودولة في الخارج. ثورة تقاوم، ودولة تفاوض. وهناك تجارب أخرى عديدة للثورة والدولة في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي الصين والهند وكوبا. ومر الوطن العربي بها في مصر والجزائر تحت شعار "يد تبني، ويد تحمل السلاح".

والحقيقة هناك نمط خامس هو التكامل بين الثورة والدولة, بين الهجوم والدفاع, بين الرمح والدرع, بين المقاومة والمفاوضة, بين "حماس" و"فتح", بناء على تقسيم العمل بين الداخل والخارج. الثورة قلب، والدولة عقل. الثورة روح، والدولة بدن. الثورة ما ينبغي أن يكون، والدولة ما هو كائن. الثورة مثال وخيال وشهادة, والدولة واقع وسياسة وبقاء. ولا تعارض بين الوظيفتين. كلتاهما سلطة, سلطة الشعب وسلطة النظام, سلطة من أدنى وسلطة من أعلى, سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية. هذا ليس توفيقاً أو تلفيقاً بين متعارضين، أو انتهازية سياسية لاحتواء الاثنين بل هو حرص على مبدأ سابق على الثورة والدولة وهو الوطن, وهدف تالٍ للثورة والدولة وهو الوحدة الوطنية.

ما يعوق هذا النمط المتكامل بين الثورة والدولة هو بعض جوانب الموروث الثقافي الحديث والقديم, مثل المدخل الأيديولوجي للواقع العربي الراهن, وإعطاء الأولوية للعقيدة على الشريعة، وللنص على الواقع, وللقول على الفعل, وللفرقة الناجية على الفرقة الهالكة. وهو تعبير عن العجز عن مواجهة الواقع، الاحتلال في الداخل، والحصار في الخارج.

ليست حكومة الوحدة الوطنية بصعبة المنال, دولة من "فتح", وثورة من "حماس", دولة في القصر, وثورة في الشعب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.