كان شريف إسماعيل رئيس الوزراء محقاً تماماً عندما اختتم حديثه عن بيان الحكومة أمام مجلس النواب بعبارته الشهيرة "هذا ما يجب ان يتحقق وليس ما يمكن ان يتحقق". ورغم ان البيان كان يحمل عنوان "نعم نستطيع" وهو ما يتناقض تماماً مع عبارة الختام. الا ان رئيس الوزراء كان واقعياً. وعبر أفضل تعبير عن امكانيات حكومته القاصرة عن تقديم أبسط أشكال الحماية للمواطنين ضد موجات متتالية من ارتفاعات الأسعار والتي ضربت الأسواق خلال الشهور القليلة الماضية وزادت حدتها خلال الأسابيع الأخيرة. دون ان تمتد يد الدولة بالرقابة والتنظيم للأسواق مكتفية بما تقدمه من منافذ توزيع وسيارات الجيش من مواد غذائية بأسعار منخفضة. وعلي الرغم من اهمية هذه الآلية الا انها تظل قاصرة عن تغطية احتياجات غالبية المواطنين من طبقة محدودي ومتوسطي الدخل. بعد ان امتدت زيادة الأسعار إلي سلع أساسية لا يستغني عنها المواطن المصري مثل الأرز والسكر والزيت. والتي سجلت زيادات كبيرة خلال فترة قصيرة. الأسباب يعود بعضها إلي خروج الدولار عن سيطرة الدولة وفشلها في كبح جماحه. ويعود بعضها الآخر إلي احتكار السوق ووجود ممارسات غير مشروعة مثل تخزين الأرز لدي التجار. إلي جانب أداء الحكومة السييء. متمثلاً في وزير التموين الذي لم يقم بتكوين مخزون استراتيجي من الأرز في بداية الموسم فترك المزارعين فريسة للتجار الذين اشتروا المحصول بأسعار زهيدة ثم قاموا بتخزينه متوقعين ارتفاع أسعاره علي خلفية تخلي وزارة التموين عن المحصول في بداية الموسم. وهو ما حدث بالفعل حيث سجلت الزيادة ما يتجاوز ال 50% خلال نحو شهرين أو أقل. وذلك تحت سمع وبصر الحكومة التي لم تجد حلاً سوي اللجوء لاستيراد الأرز والضغط علي سوق النقد الأجنبي. لا لشيء سوي عجزها عن مواجهة هذه الممارسات بدعوي حرية الأسواق. وبعيداً عن "الأكل والشرب" تكرر الوضع ذاته في الكثير من الأسواق الهامة. ففي سوق البناء سجلت أسعار حديد التسليح زيادة كبيرة في أسعار البيع للمستهلك علي الرغم من قيام الدولة بتخفيض سعر الغاز الطبيعي لمصانع الحديد بنحو 40%. والحجة الجاهزة للمصانع هي الدولار. وفي سوق السيارات وعلي الرغم من وجود اتفاقيات تعفي واردات السيارات كلياً أو جزئياً من الرسوم الجمركية الا ان هذه الاعفاءات لم تترك أدني أثر علي أسعارها. فعلي سبيل المثال تدخل السيارة المغربية "لوجان" بموجب اتفاقية اغادير معفاة تماماً من الجمارك. كما تدخل السيارات الأوروبية معفاة من نحو 50% من الرسوم بموجب اتفاقية المشاركة الأوروبية. ورغم ذلك سجلت أسعار هذه السيارات ارتفاعات كبيرة ومتتالية. لتذهب قيمة الرسوم الجمركية التي خسرتها الدولة إلي جيوب وكلاء وتجار السيارات. دون أدني استفادة للمستهلك. قس علي هذا جميع أسواق السلع الأخري كهربائية ومنسوجات وملابس وغيرها من أسواق السلع والخدمات وهي مرشحة لزيادات جديدة عند تطبيق ضريبة القيمة المضافة. ومما يثير حفيظة الناس ان الحكومة تؤكد انها تحمي المستهلك. وفقاً للدكتور أشرف العربي وزير التخطيط الذي قال أمام اللجنة الاقتصادية لمجلس النواب: ان الحكومة تعمل علي حماية المستهلك حتي يشعر بالنمو وذلك من خلال ضبط السوق ومنع الاحتكارات. مشيراً إلي ان عملية ضبط السوق تتم من خلال أدوات الدولة!! ولم يقل لنا وزير التخطيط ما هي أدوات الدولة تلك التي تستخدمها لضبط الأسواق؟!! وإذا كانت حماية المستهلك هي وسيلة الحكومة ليشعر المواطن بالنمو "فقل علي المستهلك يا رحمن يا رحيم" لأن مثل هذه الحماية غائبة تماماً ولا يشعر بها المواطنون الذين يتحملون كل يوم أعباء معيشية جديدة تضاف إلي أعباء زيادة فواتير الغاز والمياه والكهرباء. نعم كان رئيس الحكومة حكيماً عندما شكك في امكانية تطبيق برنامجها الطموح. فالحكومة التي تفشل في ضبط الأسواق. لن تستطيع تحقيق تنمية مستدامة أو معدلات نمو مرتفعة. اللهم إلا إذا كانت تلك التنمية وهذا النمو لصالح طبقة وحيدةكانت دوماً هي المستفيدة من النمو. أما باقي شرائح الشعب فسوف تنتظر من جديد وإلي ما لا نهاية "تساقط ثمار النمو"!!