من الذي أطلق "الغربان" من خراباتها. والذئاب الجائعة من جحورها؟!! هذا السؤال أصبح شغلاً شاغلاً لكل الأوساط الثقافية بعد الثورة.. فلا يجتمع اثنان منهم إلا وعبروا عن انزعاجهم لوتيرة العنف التي اجتاحت المجتمع المصري مؤخراً: هدم وإحراق للأضرحة والكنائس. وإزهاق للأرواح. وتحريم للغناء والموسيقي والأدب والثقافة بصفة عامة!! وكأن الحضارة العربية كانت خلواً من كل مظاهر الفكر والإبداع والفلسفة. وهي التي احتضنت كل فنون البشر. وحملت عبء إحياء الفلسفة اليونانية. ونقلت علوم الإغريق والهند والفرس إلي العربية. وأضافت إليها.. ولو كانت ادعاءات هؤلاء "الخوارج" الجدد قائمة علي اجتهاداتهم الخاصة ورؤيتهم للحياة. لهان الأمر. لكن الخطر أن هؤلاء المخربين يسندون كل أفاعيلهم إلي الإسلام ويتحدثون باسم الدين الحنيف. الدين التقدمي. دين الحرية والعدالة والجمال والمودة والسلام. إذا اجتمعت أي فئة من المثقفين استغرقتهم هذه القضية.. وكان هذا شأن الندوة التي عقدتها الجمعية المصرية الكندية والتي ترأسها د.كمال اسكندر. وأدارها هشام العربي. بحضور عدد كبير من المثقفين بالمعني الواسع: أدباء وفنانين وقراء للأدب وأطباء وأساتذة جامعيين ومحامين. وكان منهم: محمد عبدالدايم ورمسيس نجيب وأماني الوشاحي واللواء سمير كامل ومحسن عبدالمسيح واللواء محمد نعمان وأحمد المصري وسعاد عبدالله واللواء محمد مرسي والقس أمير وحنان سرور ود. ممدوح منصور وخليل عبدالعال. وهدي فؤاد وسعيد إمام عبدالعال وهند الشريف وهدي عويضة وسلوي سامي.. وغيرهم.. وقد رأي بعض المتحدثين أن فكرة الحرية والتزامها وتطبيقها هي التي صنعت الحضارة العربية. وجعلتها عباءة واسعة لكل الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والأدبية. ولم تقم حضارة العرب -بعد الإسلام- أي قطيعة مع الحضارات السابقة ولا الديانات الشائعة كالمسيحية واليهودية. بل تعاونت معها جميعا. فامتلأت دواوين الخلافة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي بالسريان والمسيحيين واليهود. بل وبعض التيارات الفارسية القديمة. بالإضافة إلي مفكري الإسلام وفلاسفته وأدبائه.. ولم تشهد هذه الحضارة أي ظواهر للحجر علي الحريات العامة والتدخل في مذاهب الفكر والفلسفة. بل أتاحت حرية في التعبير لم يشهدها العصر الحديث.. إلي درجة وجود شعراء وكتاب مشهورين من الملاحدة والزنادقة يمثلهم من كان يطلق عليهم "عصبة المجان" في العصر العباسي. أمثال بشار بن برد وديك الجن ووالبة بن الحباب ومسلم بن الوليد وأبوي نواس .. ولم ينقطع هذا التيار أبداً وجسده فيما بعد -في القرن الرابع الهجري- أبوالعلاء المعري.. كما أن شاعراً كبيراً كان مسيحياً هو "الأخطل" ظل يهجو بني هاشم هجاءً مقزعاً ولم يتعرض له أحد في العصر الأموي!! هذه الحياة الحرة المنطلقة في كل المناحي عادت لتتجسد -كما أشار المتحدثون بالندوة- في ميدان التحرير. الذي ذابت فيه كل الانتماءات السياسية والدينية. ولم يطف علي السطح سوي الانتماء للوطن. والدعوة للحرية والمساواة. حتي نجح الثوار الممثلون لكل الشعب في إقصاء الحاكم الفاسد وعصابته من لصوص الوطن. وفجأة ظهرت أقلية ضئيلة لتفسد هذا التوحد. وتقسم الناس. وتمنحهم "صكوك" الالتحاق بالجنة إذا قالوا: نعم للتعديلات الدستورية. أو الذهاب إلي الجحيم إذا قالوا: لا!! وحينما لم يجد هؤلاء من يردعهم بالقانون تجاوزوا إلي حد اشعال فتنة بين فئات الشعب وعنصره الواحد. والاعتداء علي بيوت العبادة والتصادم مع الغالبية العظمي من الشعب الوسطي المعتدل. * ذكر د. كمال اسكندر أن شعبنا كيان متجانس علي مدي تاريخه. ولا يصح أن تظهر من بينه تيارات تعكر صفوه العام. وتدفعه للتراجع بدلاً من التقدم.. ولي أن اتساءل: إذا كانت الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة هي دوافع الثورة ومنطلقاتها. فلماذا لا تستمر الثورة ورجالها وشبابها في الدفاع عنها حتي تستقر في مجتمعنا؟ * يري هشام العربي أن جو العنف والتطرف يقتل ضمن ما يقتل من عناصر التطور والتقدم في المجتمع فكرة الإبداع ونموه الطبيعي.. بل يعد العنف والفكر علي طرفي نقيض. * محمد عبدالدايم: هناك مؤشرات أثارت القلق ابتداء من توظيف الدين في التصويت علي التعديلات الدستورية ثم مصير مجلس الشعب القادم في ظل فراغ سياسي راهن. لا تتاح فيه الفرصة إلا لتيارات بعينها مما يشكك في امكانية أن يمثل المجلس القادم الشعب فعلاً. كما أن بعض التيارات قد ركبت الثورة وتريد أن تجني ثمارها وحدها. * رمسيس نجيب: اعتبر العصر الذهبي للمسيحيين في مصر هو عصر عبدالناصر. الذي لم يستطع أحد خلاله أن يتلاعب بوحدة الشعب.. أما النظام الذي تلا عبدالناصر فكان يفرق بيننا حتي انخفض عدد من يلتحقون بكلية الشرطة من المسيحيين إلي 1% فقط.. وحينما أتذكر واقعة وأنا طالب بالمدرسة الابتدائية تتمثل في قيام مدرس اللغة العربية المسلم بتدريس مادة الدين المسيحي لنا- لعدم وجود مدرس- أتأسف لما آل إليه حالنا الآن. * أماني الوشاحي: مع تنامي العنف واستخدامه ضد الفكر والإبداع والعقيدة ودور العبادة قد لا يجد الناس مفراً من اللجوء للحكم العسكري!! ويبدو لي أن أنصار الدولة المدنية في موقف صعب ويحاربون في المكان الخطأ.. ما الذي يمكن أن يقودنا إليه هذا التطرف؟! ** اللواء سمير كامل: الساحة الآن مهيأة للجماعات الدينية. وهي التي ستستفيد من الفراغ السياسي الذي نعانيه الآن. في ظل عجز الثوار الشباب عن تكون أحزابهم الثورية الجديدة مع عدم وجود أي تيسيرات لهم.. وأتصور أن الحل يكمن في حكومة تكنوقراط تتشكل من خلال النقابات. حتي تتمكن الأحزاب الجديدة من الوقوف علي قدميها. * محسن عبدالمسيح: نعاني الآن من حالة الضباب المسيطرة علي الواقع السياسي.. وينبغي ألا يترك الحكم للمتطرفين. وما نراه الآن من سيولة سياسية. ومن حركات عنف نتيجة كبت استمر 40 عاماً. * اللواء محمد نعمان: نحتاج إلي دولة مدنية لا لبس فيها. كحل للقضاء علي عناصر التطرف وإقصاء الآخر. وكضمانة لمشاركة الجميع في العمل الوطني. ولا أظن الجماعات المتطرفة ستسيطر علينا. لخوف الشعب منهم. بعد سلسلة الهجمات والعنف التي شنوها ضد الامنين. * اللواء محمد مرسي: للأسف ما كنا نشهده في السنوات الأخيرة أن كل حياتنا لم يكن لنا يد فيها. ولا نصوغها بأنفسنا. بل تقوم دائماً علي الجبر لا الاختيار. * القس أمير: المسيحيون لا يشاركون في العمل السياسي لأهداف دنيوية. ولا خطة لنا في هذا. وما يحدث من مشاركات تعود إلي الاختيار الفردي لا المنظم. والثورة أدت إلي تقارب بين المذاهب المختلفة. * د. ممدوح منصور: ينبغي أن توجه كل القوي في الاتجاه الوطني والدولة المدنية. لا الخلافات الصغيرة والفردية.. فماذا يفيد الإسلام من أن تسلم امرأة. وماذا يضره أن يتنصر رجل؟! إننا الآن أمام خطر التطرف الذي سيضر الجميع. * خليل عبدالعال: هذه الثورة العظيمة لا مثيل لها إلا ثورة 19. وهي النهاية لعصر من فساد مبارك ونظامه. وما مارسه من قتل وتشريد ونهب طوال فترة حكمه. * هدي فؤاد: السؤال الذي يحتاج إلي إجابة: كيف نقضي علي كل أشكال التطرف والعنف. والتي وصلت إلي حد حرق الكنائس وهدمها. والهدامون يصيحون: الله أكبر!! * سعيد إمام عبدالعال: تاريخنا العربي يشهد نقاطاً مضيئة في العدل والحرية والمساواة. وقد أرسي بعض هذه المفاهيم عملياً عمر بن الخطاب. ومازلنا نتعامل بها وندين لها حتي الآن. * هند الشريف: الظلم كان عنصراً مشتركاً يعاني منه الشعب بكل فئاته.. ومازالت أمامنا صعوبات تتمثل في الجوع والبطالة والتشرد. * هدي عويضة: لا بد من القصاص ممن ظلموا الشعب ونهبوه. حتي لو أغضب هذا الحكام العرب الذين يخشون هذا المصير!!