اسمها وحده يكفى لمنح أى عمل تقدمه ثقة كبيرة لدى المشاهدين، لعبت دورًا فى السينما العربية لا يمكن تجاوزه، عززت أعمالها منظومة القيم الأخلاقية، ودأبت على خوض غمار قضايا مجتمعية شائكة، للنهوض بالإنسان والأخذ بيده، ولترسيخ مفردات حب الوطن والخير والجمال وحماية الأعراف المصرية، حازت لقب "سيدة الشاشة العربية" وحصلت على عشرات الأوسمة فى مصر وخارجها، ولم تكف عن القراءة والبحث لتقديم الجديد الذى يؤكد جدارتها بالفوز بلقب "نجمة القرن" واختيار نحو عشرة أعمال من أفلامها ضمن قائمة أفضل مئة فيلم فى تاريخ السينما المصرية، ويشهد المخرجون بدقتها المتناهية فى مراحل الإعداد لأعمالها، حد الوقوف على كل التفاصيل، حتى تكاد لا تُحتمل، بينما تكون فى مرحلة التصوير هادئة سلسة طيعة، لتساهم بانضباطها فى تطور صناعة السينما ولتضرب مثلًا يُحتذى فى الالتزام بمواعيد العمل حضورًا وانصرافًا. ولدورها فى إثراء الوجدان وتشكيل الوعى فى مجابهة التطرف والتشدد، حرص الرئيس "السيسي" على توجيه الشكر لها خلال كلمته إلى جموع الفنانين، ونزل من على المنصة ليصافحها، وفى عام 2014 وأثناء تعرضها لوعكة صحية ألزمتها الفراش، أرسل إليها باقة من الزهور، وتحدث إليها عبر الهاتف، وأبدى سعادته بتحسن حالتها، وحين أعربت لسيادته عن قلقها على مصر، طمأنها قائلًا: "ما تخافيش.. البلد أمان ومصر ستظل بخير"، ومنذ ولادتها فى 27 مايو 1931 لأسرة تنتمى إلى مدينة "السنبلاوين" بمحافظة الدقهلية، وانتقالها إلى حى "عابدين" بالقاهرة، بدت على "فاتن أحمد أحمد حمامة" إمارات التمثيل، بجرأتها النادرة وعشقها التقليد، وحين أعلن المخرج "محمد كريم" عن رغبته فى الاستعانة بطفلة صغيرة لأداء شخصية "أنيسة" بفيلم "يوم سعيد" 1940 مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، شاهد صورتها على غلاف مجلة "الاثنين" فسارع بالاتصال بالمجلة لمعرفة عنوانها، وتفاوض مع والدها وكان يعمل إداريًا بوزارة المعارف، وفى مكتب عبد الوهاب بشارع توفيق بالقاهرة، تم التعاقد معه، وكانت أمها تنشر صورها بالمجلات على أمل الفوز فى مسابقات ملكات جمال الأطفال الرائجة فى ذلك الوقت، وعكف محمد كريم على تعديل السيناريو ليناسب الطفلة الموهوبة، ونجح الفيلم ونجحت فاتن، والتحقت بمعهد التمثيل عام 1944، وكررت التجربة مع نفس المخرج بفيلم عبد الوهاب "رصاصة فى القلب"، وتوالت أعمالها "أول الشهر" 1945، "دنيا، الهانم، ملائكة فى جهنم" 1946، ودشنت حضورها وانتشارها بأفلام: "ملاك الرحمة، الملاك الأبيض، اليتيمتين، كرسى الاعتراف، ست البيت، بيومى أفندى، ظلمونى الناس، أنا بنت ناس". تعلمت قيادة السيارات فى وقت مبكر، وعرفت بالتزامها الصارم بقواعد المرور، لدرجة أنها لا تستطيع قيادة سيارتها تحت ضغط عصبى أو فى الزحام الشديد، ولا تقود سيارتها فى الأجواء الممطرة، مما حدا بها إلى الاستعانة بسائق يقود سيارتها لاحقًا، ولا تنسى سيارتها الأولى "دودج" التى اشترتها بمبلغ 850 جنيهًا، هى وزوجها المخرج عز الدين ذو الفقار، فى مطلع الخمسينات، وفى الليلة الثانية من زواجها بالفنان عمر الشريف وبعد تلقيهما دعوة على العشاء بأحد الملاهى تم القبض عليهما بمعرفة "شاويش بالمرور" للاشتباه فى أن السيارة مسروقة، وفى قسم الشرطة تم التحقق من عدم صحة الاشتباه، وفى مسلسل "ضمير أبلة حكمت" أجبرتها المخرجة "أنعام محمد علي" على قيادة سيارة موديل 1945 لدواع درامية، ووجدت صعوبة بالغة فى هذا الأمر، لكنها نجحت فى خاتمة المطاف. أثبتت جدارتها فى أداء الشخصيات المتباينة فى أفلام: "ابن النيل، لحن الخلود، المهرج الكبير، المنزل رقم 13، الأستاذة فاطمة، حب فى الظلام، دايمًا معاك، ارحم دموعى، آثار فى الرمال، أيامنا الحلوة، موعد غرام" وترى أن الإنتاج الضخم من شأنه الوصول بأفلامنا إلى العالمية، وكذلك الاستعانة بخبراء صناعة السينما فى العالم، وتقول: أنها مثلت فى إيطاليا بحثًا عن الجديد، وأنها طوفت فى مهرجانات عالمية كثيرة، وأن فيلم "صراع فى الوادي" نجح بمهرجان "كان" نجاحًا كبيرًا، وأن فيلم "دعاء الكروان" يعد من أهم أفلامنا بالمهرجانات فى تلك الحقبة، وأنه من أقرب أعمالها إلى قلبها. مثلت للإذاعة أعمالًا كثيرة أشهرها: "الرحلة، أفواه وأرانب، كفر نعمت، ليلة القبض على فاطمة، البرارى والحامول" وللتليفزيون: "ضمير أبلة حكمت، وجه القمر" والفيلم الوثائقى "الفاتنة" وعن رأيها فى أدوار الأغراء تقول: استطيع أن أودى هذه النوعية المكتوبة بشكل جيد، على أن يتم ذلك بالإيحاء والإشارة وليس بالتجرد أو العرى، وعن دورها بفيلم "بين الأطلال" تقول: دور جيد وناجح، لكنه أتعبنى فقد كنت أذهب إلى التصوير مهمومة وحزينة، وأعود أكثر حزنًا وألمًا، وترى أن التمثيل فى المسرح ليس أصعب من السينما، فالخوف من المسرح يزول سريعًا بعد تعود مقابلة الجمهور، المسرح فن، والسينما فن وصنعة، يتطلب تركيز أكبر، لعدم تصوير المشاهد بالتسلسل أو الترتيب، كيف أحافظ على انفعالاتى فى نهاية مشهد، سيتم استكماله بعد أسابيع أو أشهر، كيف يقبض الممثل على تلك الأحاسيس والانفعالات التى كان عليها"، ولا تنسى نجاح أفلامها: "صراع فى الميناء، القلب له أحكام، لا أنام، سيدة القصر، الطريق المسدود، نهر الحب، لن أعترف، لا تطفئ الشمس، لا وقت للحب، الليلة الأخيرة، الباب المفتوح، الخيط الرفيع، إمبراطورية ميم، أريد حلًا، أفواه وأرانب، ولا عزاء للسيدات، حكاية وراء كل باب، ليلة القبض على فاطمة". وعن عالم الصحافة تقول: "عن طريق السيدة خيرية زوجة "على أمين" عرفته وشقيقه مصطفى، و"علي" كان سريع الغضب سريع الصفاء، فيما كان مصطفى أشد حزمًا، وكانا يدعمانى بشدة، وكنت أعتبر هذه الأسرة عائلتى، وأعتبر مقال "فكرة" لمصطفى أمين المعبر عما فى نفسى وما كنت أرغب فى قوله، وتضيف: كنا نتناول الغداء يوم الأربعاء عند "علي" فى ندوة تجمع رجال السياسة ومعظم الصحفيين الكبار، وكنت لا أتكلم بل أنصت وأستمتع بما يدور، ويوم السبت العشاء عند مصطفى فى ندوة ثقافية أدبية فنية بحضور الموسيقار عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وكامل الشناوى، وكوكبة متنوعة، نستمع إلى الموسيقى والغناء والشعر وغير ذلك، وتعترف فاتن حمامة بأن صورة المجتمع تم تشويهها فى العالم العربى بسبب الدراما الرديئة وما يقدم عبر الشاشات، وتعترف بأنها تحب الحياة بعيدًا عن الأضواء وتراها أكثر راحة واتساقًا مع شخصيتها، ولعل زواجها من الطبيب النابغ محمد عبد الوهاب عام 1975 يكشف تلك الخصوصية وكيف استطاعا العيش معًا لنحو 40 عامًا، فى هدوء وسعادة وطمأنينة، وظل ذلك الرجل حبها الكبير إلى آخر لحظة من حياتها، قبل رحيلها عن عالمنا فى 17 يناير 2015.