فى شهر رمضان تفتح «روزاليوسف» صفحاتها لإثراء العقل بفهم دينى صحيح.. ونتعرّف على أمور مهمة فى الشهر الكريم.. وفى «روضة رمضان» هذا العام نقدم مادة صحفية متنوعة فى كل ما يهم القارئ.. كما نقدم جرعة رمضانية تشبع رغبة القارئ فى معرفة صحيح الدين.. تُعين الصائم على فهم كثير من أمور الصوم. فى شهر رمضان المبارك، تتضاعف مظاهر العطاء والخير، وتزداد صور العمل الخيرى، إلا أن بعض الأفراد والجمعيات تستغل شعار العمل الخيرى لجمع الأموال وتغيير ملامح حياتهم الشخصية، عبر انتحال صفة "الناشط الإنساني" أو "القائم على خدمة المحتاجين"، بينما يُصرف جزءٌ يسير من تلك التبرعات فى أوجه الخير الحقيقية، ويذهب الجزء الأكبر إلى جيوب القائمين عليها.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تتوقف عند حدود الجمعيات أو المتطوعين، بل امتدت لتوظيف بعض الدعاة والعلماء ووجوهٍ تحمل العمامة الأزهرية فى حملات جمع التبرعات والإعلانات الدعائية، ما يهدد مكانة الخطاب الدينى وهيبته، ويخلط بين رسالة الدعوة الربانية وممارسات مالية لا تليق برسالة من يُفترض أنهم ورثة الأنبياء. وهكذا، وبين النية الصالحة والعائد الشخصى، ضاعت بوصلة العمل الخيرى، وتحوّل بعضه إلى وسيلة للكسب والنفوذ، لا وسيلة للتقوى والإحسان، الأمر الذى يستدعى وقفة جادة من مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها وزارة الأوقاف، لمراجعة هذه الظاهرة وضبط مسارها قبل أن تفقد الدعوة ثقة الناس فى صدقها ونقائها. كما رصد المركز الإعلامى للأزهر، تصدر بعض الأفراد بالزى الأزهرى للترويج لجمع التبرعات لبعض المؤسسات الخيرية فى القنوات التليفزيونية، وهو الأمر الذى حذر المركز الإعلامى منه، مشددًا على أن هؤلاء الأفراد لا يمثلون إلا أنفسهم أو الجمعيات والمؤسسات التى يروجون للتبرع لها، وأن ممثلى الأزهر لا يشاركون فى جمع التبرعات لأى جمعية خيرية أو جهة من الجهات. وهم يباع للمتبرعين ولم يقف الاستغلال عند حدود جمع التبرعات فحسب، بل تطوّر إلى سوق تنافسية غير أخلاقية بين بعض الجهات التى تقدم نفسها كجمعيات خيرية، إذ بدأت تُعلن عن تنفيذ مشروعات بسعر أقل من التكلفة الحقيقية، لجذب أكبر عدد من المتبرعين. فباتت مشروعات مثل توصيل وصلات المياه، أو إعادة تأهيل منازل الفقراء، تُطرح بأسعار متدنية بشكل يثير الشك، ثم يتبين لاحقًا أن هذه الأعمال إمّا لا تُنفذ أصلًا على أرض الواقع، أو تُنفذ بشكل صورى. وتلجأ بعض الجهات إلى إعادة تصوير الوصلة نفسها أو المشروع نفسه عدة مرات، ثم تروّج هذه اللقطات لكل متبرع على أنها «مشروعه الخاص» الذى تم إنجازه! وهكذا يجد المتبرع نفسه قد موّل مشروعًا تمّ تصويره عشرات المرات، بينما لا يستفيد المحتاجون شيئًا تقريبًا. مبادرات الآبار ووقف النخيل كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة موجة من الترويج المفرط لمشروعات حفر الآبار؛ تقوم بعض الجهات من خلالها بجمع مبالغ ضخمة تحت شعار "سقيا الماء"، ثم تعتمد فقط على صور أو لقطات قديمة لا علاقة لها بالموقع الذى زعمت أنها حفرت فيه، أو تُعيد نشر صور لآبار نُفذت منذ سنوات على أنها مشاريع جديدة..وبغياب التتبع الميدانى، يتحول "العمل الخيرى" إلى منتج إعلامى بلا وجود حقيقى ولا أثر فعلى. ويمتد الخطر إلى مشروعات "الوقف" مثل وقف النخيل، حيث يُجمع المال على أساس أن عائد النخيل سيذهب للفقراء أو للأعمال الدعوية. لكن فى بعض الحالات، لا توجد أى شفافية حول أين تذهب العوائد الحقيقية، ولا يظهر ما يثبت أن الأشجار مثمرة أو أن ريعها وصل إلى مستحقيه..بل إن شكاوى عديدة تشير إلى أن جزءًا من العائد يتم تحويله إلى حسابات شخصية لبعض القائمين على جمع التبرعات، بما يجعل هذه المشروعات أقرب إلى «استثمار خاص» مغلف بغطاءٍ دينى وخيرى. ووفقًا لتقرير الإعلام الحكومى فى 2025 فإن حجم إنفاق المصريين عبر التبرّعات يصل إلى نحو 4.5 مليار دولار سنويًا (إذا تحوّل إلى العملة الأجنبية) بأنشطة التبرّع. موقف وزارة الأوقاف وعن موقف وزارة الأوقاف من قيام بعض الدعاة أو غيرهم ممن يلبسون الزى الأزهرى فى الدعاية لجمع تبرعات رغم المنع الرسمى، ويوضح د. سيد عبد البارى وكيل وزارة الأوقاف للقطاع الدينى ل«روزاليوسف» أن الأوقاف تمنع منعًا باتًا ظهور أى دعاية أوإمام أو حتى موظف منتسب لها القيام بأى عمل من شأنه جمع تبرعات، وقال:» لدينا فى وزارة الأوقاف منع بات لكل العاملين والمنتسبين لوزارة الأوقاف سواء كان من الأئمة أو المؤذنين أو جميع العاملين بالوزارة جمع التبرعات تحت أى مسمى من المسميات، ويتم هذا المنع بصفة دورية من خلال تعميمات ولوائح معمول بها واجتماعات وتنبيهات مشددة فى هذا الشأن. وأضاف أن من يثبت عليه التورط من الأئمة أو المنتسبين لوزارة الأوقاف فى جمع التبرعات لأى جهة؛ فإنه يقع تحت طائلة القانون وتوقع عليه الجزاءات المقررة ويتم التحقيق معه. أما غير العاملين فى وزارة الوقاف ممن يلبسون العمامة الأزهرية فلا سلطان لنا عليهم فى قيامهم بجمع تبرعات لجهة أو مؤسسة تحت أى مسمى، مشيرًا إلى أن ذلك بحاجة إلى قانون يجرم لبس الزى الأزهرى لمن ليس منتسبا للأزهر الشريف، ويثبت أنه لا يعمل فى مؤسسات الأزهر المختلفة أو الأوقاف أو دار الإفتاء. ويؤكد د. سيد عبد البارى أن وزارة الأوقاف من جانبها تعمل بلوائح صارمة ضد من يثبت عمله من أئمتها أو موظفيها فى أى جهة تقوم على جمع التبرعات، وأنه تم عمل حصر لينكات الدعاية لجمع تبرعات من قبل المسئول الإعلامى والتحقيق فيما كان المشارك فيها من وزارة الأوقاف، أما غير الأزهريين فنحن لا سلطان لنا عليهم ،ولكن الأمر يحتاج إلى نظام وقانون يحسم هذه المسألة. رفض أزهرى واسع فيما كان لعلماء الأزهر رفض قاطع بقيام عالم أو داعية بالمشاركة فى الدعاية لجمع تبرعات خيرية لأى جهة غير رسمية، حيث ترى الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الدعوة إلى الله تعالى يجب أن تكون دائمًا خالصة لوجه الله الكريم، مستشهدة بالآية الكريمة فى سورة فصلت: «ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله». وأضافت أن أى ممارسة للدعوة تقوم على الغش أو الخداع أو تحقيق المكاسب المادية لا تمت بصلة للأهداف السامية للدعوة الإسلامية، بل تمثل إساءة بالغة للأخلاق الدينية ولمكانة العلماء فى المجتمع. وقالت الدكتورة سعاد صالح ل»روزاليوسف» إن ما يشهده المجتمع اليوم من قيام بعض العلماء والدعاة بجمع التبرعات باسم العمل الخيرى أصبح يشكّل تحديًا خطيرًا لهيبة الدعوة والعمامة الأزهرية، حيث يتم استخدام الرموز الدينية والمصداقية العلمية لجذب الأموال، بينما يكون الهدف الحقيقى هو تحقيق مكاسب شخصية وثراء غير مشروع. وأضافت أن من يظهر للناس فى صورة داعية أو عالم ينبغى عليه أولًا أن يتقى الله فى أفعاله، وألا يشارك فى برامج أو حملات تروّج لجمع الأموال تحت شعارات الخير، فى حين أن الغرض الحقيقى هو الربح الشخصى، وهو ما ينعكس سلبًا على مصداقية الدعوة ومكانة الأزهر الشريف. وأشارت إلى أن الواقع يكشف أن القائمين على بعض هذه المؤسسات الخيرية أصبحوا من أصحاب الثروات الكبيرة، وهو ما يعكس وجود خلل واضح يحتاج إلى تدخل فورى وحاسم. وفى هذا السياق، طالبت الدولة بشكل صريح وواضح بأن تقوم بمراقبة ومحاسبة كل من يستغل العمامة الأزهرية أو مكانة العلماء فى جمع الأموال، مع التحقق من حجم ثرواتهم قبل وبعد عملهم فى المجال الخيرى، لضمان عدم وجود انتفاع غير مشروع باسم الدين والعمل الخيرى. وأضافت الدكتورة سعاد أن هذا الإجراء ليس مجرد تحذير، بل ضرورة لحماية قدسية العمل الدعوى والخيرى، والحفاظ على ثقة المجتمع فى علماء الأزهر ومؤسسات الدين. وأوضحت أن اتخاذ قرارات صارمة وحاسمة لمنع استغلال الدعاة أو العمامة الأزهرية فى جمع الأموال لأى جهة سيضع حدًا لهذه التجاوزات، ويعيد الصورة الصحيحة للنشاط الخيرى والدعوى كما أراده الإسلام، بعيدًا عن مصالح شخصية ومكاسب مالية. واختتمت الدكتورة سعاد صالح قائلة: «إن الدعوة يجب أن تكون رسالة رحمة وهداية، وليست وسيلة تستغلها بعض الكيانات التى يديرها أشخاص من أجل الثراء، وإذا لم تتحرك الدولة لمراقبة هذا الأمر واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فإن ما يحدث من استغلال للعلماء والعمامة الأزهرية سيترك أثرًا سلبيًا طويل المدى على صورة الدعوة ومصداقيتها أمام المجتمع». من جهته يوضح د. علاء الشال المتخصص فى شئون الدعوة أن العمامة الأزهرية لها مكانة خاصة فى شتى أنحاء العالم؛ فالعالم يكن تقديره واحترامه لهذه للمؤسسة الدينية الأولى فى العالم لحرصها على تبيلغ دعوة الإسلام الوسطية فى شتى أقطار الأرض. أضاف أنه لوحظ فى الفترة الأخيرة استغلال البعض العمامة الأزهرية لجمع التبرعات لصالح الجمعيات الخيرية وهو أمر بالغ الخطورة.. وظاهرة خطيرة كونها تنال من هيبة العلماء والدعاة وتكون عاقبتها وخيمة على العمامة الأزهرية. وشدد على أن جمع التبرعات والصدقات يكون من خلال المنافذ الشرعية التى تديرها الدولة عبر الجمعيات الرسمية التى تشرف الدولة عليها، واستطرد قائلا:» السؤال المهم هل يجوز أن يأخذ من هذا المال لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية.. والجواب بكل أريحية وثقة لا، فكون الوكيل أمين على ما يدفع لهم من مال الصدقات ويجب عليه أن يحفظها ويؤديها، وإلا يكون قد دخل فى جملة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حتى لو كان من جملة المستحقين للزكاة كأن يكون فقيرا أو مسكينا. أضاف أن الوكيل» الجهة الجامعة للتبرعات «لا يتصرف لنفسه، ولأن الأصل فى صرف التبرعات أن يكون حسب نية المتبرع وشرطه؛ فالمتبرع بمنزلة الواقف، والأصل التزام شرط الواقف؛ فلا يُصرف المال إلا حيث أراد، وقد لا يتبرع إن علم أن الشخص الذى يجمع له حصة من هذه الأموال، مشددا أنه لذلك عليه أن يستأذن المتبرعين إن أراد الأخذ من المال فإن أخذ بغير إذنه فهى خيانة وتلبيس من النفس والشيطان. وقال د. علاء أن الواقع المعاصر يخبرنا كيف أن بعض من يجمعون التبرعات قد امتلأت جيوبهم من أموال الجمعيات وبنوا بها القصور والدور إلا من رحم ربى.. وأنه على الداعية أن يتورع عن هذا الأمر، ولقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على حرمة أخذ أموال الناس بغير وجه حق، ففى صحيح البخارى ( اسْتَعْمَلَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا علَى صَدَقَاتِ بَنِى سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قالَ: هذا مَالُكُمْ وهذا هَدِيَّةٌ.. فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فى بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، حتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ، فإنِّى أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنكُم علَى العَمَلِ ممَّا ولَّانِى اللَّهُ، فَيَأْتى فيَقولُ: هذا مَالُكُمْ وهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى، أفلا جَلَسَ فى بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، واللَّهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنكُم شيئًا بغيرِ حَقِّهِ إلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَومَ القِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أحَدًا مِنكُم لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا له رُغَاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطِهِ، يقولُ: اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِى وسَمْعَ أُذُنِى.