الزكاة فى اللغة تعنى الزيادة والنماء والبركة، وتطلق الزكاة على ما ينفقه المتصدق من مال، وزكاة المال تجب على المؤمنين فى أموالهم وممتلكاتهم سنوياً، ويتم دفعها للمستحقين. تكرّر جمع الزكاة والصلاة اثنين وثمانين مرة، منها ما جاء فى قوله تعالى: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) البقرة 43، وفى القرآن تأتى الزكاة بمعنى تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها. والإسلام هو تزكية النفس بالعقيدة الصحيحة، لذلك فإن النبى موسى حين دعا فرعون للإسلام قال له كلمة واحدة: (هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى) النازعات 18، ولارتباط الهداية بالزكاة فقد وصف تعالى النبى يحيى عليه السلام بالطهر والسمو الخلقى: (وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) مريم 13، ونفس الوصف مع النبى عيسى عليه السلام: (غُلامًا زَكِيًّا) مريم 19. ومن مهام النبى عليه الصلاة والسلام أن يزكى الناس ويهديهم بآيات القرآن: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ) البقرة 151. لقد خلق تعالى النفس الإنسانية على أساس الفجور والتقوى، والإنسان يختار بين تزكية نفسه أى تطهيرها والسمو بها، أو الهبوط بنفسه إلى الماديات والشهوات: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) الشمس 7. والجنة هى ثواب من تزكى وتطهر فى الدنيا: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) طه 76. ومن إيتاء الزكاة إعطاء المال، فالمؤمن هو: (الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى) الليل 18، ولذلك أمر تعالى النبى عليه الصلاة والسلام بأن يأخذ صدقة من المؤمنين ليتطهروا ويتزكوا: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة 103. أمّا عن الصدقة فى القرآن فلم تأتِ مرتبطة بكلمة الزكاة، وإنما جاءت مرتبطة بكلمات الإنفاق وإيتاء الأموال. والزكاة واجبة بمجرد أن يأتى رزق من الله، عندها يجب إخراج حق الله تعالى فيه: (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام 141، فالحصاد ليس فقط فى الزرع وإنما يشمل مجىء الرزق من مرتب أو مكسب تجارى أو ثمَن بيع عقار وغيره. ووصف القرآن الكريم المتقين الصالحين بالإنفاق باستمرار سراً وعلانية: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 274، وأنهم ينفقون من أحب ما يملكون: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) البقرة 177. ولا ينفقون إلا من المكسب الحلال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) البقرة 267. وعلى المتصدق وهو يعطى صدقته أن يتذكر إنما يعطى المحتاج حقه، فليس له أن يمتن عليه أو أن يجرح شعوره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) البقرة 264. وفى قول تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) الإسراء 26 ، لم يحدد تعالى نسبة معينة لإخراج الصدقة؛ لأن الأساس فيها هو التنافس فى الخير والسعى لتزكية النفس. ومع ذلك؛ فإن الله تعالى جعل للمؤمن مقياساً يتصرف على أساسه هو الاعتدال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان 67. وفى كل الأحوال؛ فالمؤمن هو الذى يجعل فى ماله حقاً محدداً معلوماً لديه للصدقة يلتزم بإخراجه: (وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) المعارج 24-25. لقد جعل تعالى للمتقين صفات: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة 177. فى الآية بدأ تعالى بالحديث عن الغيب من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب الإلهى والأنبياء، ثم صفة دفع المال كصدقة للمستحقين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد والصبر. إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنتجان التعامل بالخير والمعروف فى المجتمع؛ حيث تسود فيه الفضائل من مكارم الأخلاق، وهذا ما كان عليه مجتمع المدينة فى عهد النبى محمد- عليه الصلاة والسلام-، حين كانت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تظهران فى تعامل الناس.