كان أملى في الحياة أن يصبح كريم سندى ويربى معي أخاه اليتيم.. كان ابني رجلًا وعلى قدر المسئولية وكان يعمل في الإجازة وفي الدراسة، وخطبت له حبيبته نورا وهو في سن السابعة عشرة وكان في رابعة سياحة وفنادق وباقى له سنة ويتخرج ويتجوز. هكذا وصفت والدة كريم أحمد عبد الله أحد شهداء مجزرة بورسعيد، حالها بعد مرور أربعة أعوام على المجزرة ولم تستطع القصاص لنجلها ممن قتله وحرمها من أعز ما تملك في هذه الحياة. لم تكن تعلم والدة الشهيد كريم، أنه سيسفك دمه بمجرد ذهابه إلى سماع مباراة لكرة القدم للنادي الأهلي، الذي يعشقه ويحبه ليتركها في ظلمة الحياة بعد أن توفي زوجها، في حادث قطار ليعيش كريم يتيمًا وهو ابن عامين وتصبح والدته أرملة في سن 21 عامًا، لتربي وتعمل من أجل تربية أبنائها ليأتي من يحرمها من نجلها الأكبر، وسندها في الحياة بعد رحيل زوجها عنها لتشكي للقدر حالها منتظرة القصاص العادل ممن قتل أعز ما تملك. كان كريم يحب النادي الأهلي ويعشقه بدرجة كبيرة كانت من ضمن منشوراته على صفحته الرسمية "فيس بوك" ما يدل على ذلك فقد كتب في ذات المرات "حبي ليك يا أهلي الموت هيوقفوا"، وكأنه كان على علم بما سيحدث له من غدر في مجزرة بور سعيد التي راح ضحيتها 74 شهيدًا من خيرة شباب الوطن. لم يكن كريم رياضيًا فحسب بل كان ثوريًا شارك في ثورة الخامس والعشرين من يناير، حبًا في وطنه وتطلعًا في حياة كريمة للشعب المصري ومن ضمن منشوراته في سبتمبر 2011. ولمّا حاميها يكون حراميها.. وبلاده ورا ضهره راميها طالع نازل واكل فيها.. مسنود بالبدله الظبّاطى طاطي راسك طاطي طاطي.. أنت في وطن ديمقراطي. ومن ضمن منشوراته أيضًا، التي تحتج على الأوضاع التي وصلت إليها البلاد وتدل على اهتمامه بقضايا وطنه ما نشره، على صفحته الشخصية "فيس بوك" ساخرًا من العذاب الذي يتعرض له المواطن المصري للحصول على رغيف الخبز بتاريخ 22 أكتوبر 2011: "صحيت الصبح.. لمعت جزمتي بالورنيش وأخذت الشنطة، وطلعت فتحت الباب بشويش، أمي ندهتلي وقالت يابني استنى وماتمشيش، يابني السكة دي اللي يروحها، بيروح وخلاص ما يجيش، بوست أيديها وقلتلها، أدعيلي يا أمى وما تبكيش، وإن سألوكي أخواتي عني، صارحيهم وماتخبيش، قوليلهم أخوكم ضحي بنفسه، وراح الفرن يجيبلكو عيش". رحل كريم، كغيرة من آلاف الشباب، عقب ثورة 25 يناير في أحداث متلاحقة لم يحاسب من تسبب في قتلهم حتى الآن، ليعيش ذويهم حياة أشبه بالموت في سبيل الحصول على حقوق أبنائهم. وتمر في هذه الأيام الذكرى الرابعة لشهداء مذبحة بورسعيد، والتي راح ضحيتها أكثر من 72 شابًا ذهبوا في رحلة للمتعة فتحولت إلى رحلة الموت.