أربع سنوات بالكمال والتمام على ذكرى ثورة يناير المجيدة، والمجيدة بحق رغم سذاجتها وطيبة شبابها ونقاؤهم، وقدرة الثورة المضادة على إجهاضها. كانت ثورة يناير حلما داعب مخيلة الشباب الجميل الذي حلم بالتغيير، وعمل له، ونزل بصدور عارية يواجه رصاصات أمن حبيب العادلي. كانت حلما جميلا بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الانسانية، وهذه كانت شعاراتها، وراياتها المرفوعة. كانت ثورة يناير حلم شباب نقي ليس لهم مصالح ولا مطامح من وراء العمل على إحداث ذلك التغيير السلمي الذي لا تراق فيه الدماء (ولا حتى دماء الظالمين) عن طريق الثورة الشعبية والعصيان المدني الذي يحيد أسلحة القوات المسلحة، فلا يمكن لجيش وطني –مهما كانت سيطرة قادته ومصالحهم المادية- أن يفتح نيرانه الثقيلة والبعيدة المدى على أناس عزل لا يحملون في أيديهم أكثر من أحلام بيضاء نقية بحياة كريمة لا يهان فيها أحد. كانت ثورة يناير حلما صادف ظرفا دوليا مواتيا: من حركة تغيير إقليمي حيث اندلعت قبلها ثورة الشباب في تونس، واندلعت في أعقابها ثورة الشباب في ليبيا واليمن. كما صادفت ظرفا داخليا مواتيا: تمثل في استياء ورفض قادة المجلس العسكري الأعلى لعملية توريث حكم مصر لابن مبارك. وكانت تحضيرات عملية التوريث جارية على قدم وساق، وما كان بمقدور أحد الوقوف في وجه هذا المشروع الذي استكمل عناصره داخليا وخارجيا. كانت لحظة فوران إقليمي صادفت مصلحة القابضين على زمام القوة الحقيقية، فسمحت بعملية تغيير رأس النظام مع محاولة السيطرة على حركة سير الأمور، بل واللعب بمؤشرات الحركة ذاتها وتوجيهها الوجهة التي يريدون حتى يتم استبعاد المنافسين الحقيقيين الذين لهم رصيد من التأييد الشعبي، أو الاستفادة من أخطائهم وإخراجهم جميعا من اللعبة. فسمعنا عن الطرف الثالث الذي يعيد تدخله في المواقف والأحداث ترتيب الأوراق بل وخلطها، وتعمل فضائيات رجال مبارك وإعلامه على توجيه حركة سير الرأي العام بما يفسد حركة الثورة ذاتها، وهكذا كان الصراع الخفي بين الثورة والثورة المضادة، وهكذا كان سير حركة الأحداث بين الراغبين في الحرية الحقيقية، وأصحاب المصلحة الحقيقية من بقاء الأمور على ما هي عليه، أو بمعنى أدق عناصر الثورة المضادة. كانت الثورة لحظة تبلور المطالب الوطنية ووضوحها في مواجهة النظام الرأسمالي الاستهلاكي البذخي الذي قسم المصريين إلى فئة قليلة تسيطر على مقدرات حركة المال الوطني فكان مطلب العدالة الاجتماعية، وهو الأمر الذي جعل كل المستفيدين من حالة الانقسام المجتمعي وسيطرة قلة محدودة العدد على مقدرات الثروة الوطنية يتكتلون في مربع الثورة المضادة ويعملون على انتصارها. وكان مطلب الحرية في مواجهة استبداد دولة بوليسية تضخمت أجهزتها الأمنية حتى توغلت على كل مؤسسات الدولة، وأصبحت هي صاحبة الكلمة العليا في توجيه دفة الأمور، وهو الأمر الذي جعل كل المستفيدين من حالة الاستبداد يتكتلون في عملية ممنهجة من إجهاض ثورة يناير تحت رايات وجماعة مصالح أصحاب الثورة المضادة ويعملون على انتصارها. وكان مطلب الكرامة الإنسانية في مواجهة حركة مستمرة من إهدار كرامة المصريين على يد عناصر النظام الأمني، وهو الأمر الذي جعل كل المستفيدين من استمرار القبضة الأمنية يتكتلون تحت راية الثورة المضادة ويعملون على انتصارها وإجهاض ثورة يناير. وكانت ثورة يناير على نقائها ثورة غير واعية، فيها من العاطفة أكثر مما فيها من الوعي، وفيها من الهواية أكثر مما فيها من الاحتراف، وفيها من الطيبة أكثر مما فيها من الدهاء السياسي المطلوب حتى تنجح الثورات. ورغم صدق الداعين لثورة يناير وبراءة من شاركوا فيها إلا أن الإفراط في البراءة سمح لكل الأطراف أن يتلاعبوا بها، ويوجهون دفتها الوجهة التي تستدعيها مصالحهم. صحيح أن كل ثورات الدنيا يقوم بها الشجعان، ويجني ثمارها الجبناء، لكننا نادرا ما رأينا ثورة تتآكل وتخسر من رصيدها الشعبي ويتلاشى مؤيدوها حتى تنتصر عليها الثورة المضادة بالضربة القاضية. فتعود كل الأوضاع التي ثار عليها الناس وأشد فحشا، ويدخل الذين قاموا بالثورة أفرادا وجماعات السجون بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، ويتوسد زمام الحكم عناصر الثورة المضادة، ويكونون هم أصحاب الكلمة النهائية، بعد أن هندست عمليات الرفض الشعبي لمخرجات الديمقراطية الحقيقية، وجرى تأجيج حركة الرفض من إعلام رجال مبارك وابنه. كانت ثورة يناير حلما داعب خيال شباب: هتفوا للعيش، فإذا الحياة نفسها جحيم لا يطاق. وهتفوا للحرية فإذا قبضة الدولة الأمنية تزداد إحكاما وتزداد شراسة. وهتفوا للكرامة الإنسانية، فإذا كرامة المعارضين السياسيين –كل المعارضين- تتلاشى تحت أقدام الدولة البوليسية.