الجيش السوري: نهاية الخيارات لمسلحي «قسد» في حلب    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    الدولار يرتفع 0.8% أمام الجنيه المصري خلال أسبوع وفق بيانات «المركزي»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طالوت وجالوت وعبقرية القصص القرآني..
نشر في المصريون يوم 30 - 09 - 2014

قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ { 246} وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {247} وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ { 248}فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {249} وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {250} فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾.
ما أروع أن نعود إلى كتاب الله تعالى نعيش معه وفيه بكل جوارحنا وكياناتنا .. نعرض أنفسنا عليه عرضاً كاملاً، ليس فقط من أجل استلهام الدرس والعبرة، وإنما باعتباره الدليل الهادي لكل الخطوات في الحاضر والمستقبل.. ففيه ذكرنا نحن بذواتنا وأنفسنا.. يقول تعالى:"لَقَدْ أنزَلْنَا إليْكُم كِتَاباً فيه ذِكْرِكُمْ أفَلَا تَعقِلون"الآية10 سورة الأنبياء.. ومن عظمة القرآن الكريم ومن خصائصه أنه لا يخلق على كثرة الرد.. فمهما درسناه تدبراً وتفسيراً وتفصيلاً هُدينا إلى المزيد من المعاني، كأننا نطالعه لأول مرة.. إذ يبوح لنا بأسرار متجددة على الدوام.. ومن عظمة القرآن الكريم أنه حمال أوجه.. بحيث يسمح لمستويات متعددة من الفهم والتأويل.. ويعطي مرونة عظيمة في التخطيط والتطوير والبناء على المنهج القرآني الفريد.. فإذا أردنا أن نتوقف أمام قصة عبقرية من عبقريات القصص القرآني العظيم، وهي قصة طالوت وجالوت.. فإننا نستطيع أن نتوقف عند معانٍ أساسية تم تناولها عبر عشرات القرون، فنضعها في عناوين رئيسة مثل:
1 – لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاثبتوا "قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ"
2 – ميدان الكلام غير ميدان العمل وميادين الجهاد.. فمن طلب القتال شفاهة تولى عند أول منعطف.. "فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"
3 – بعض أسس اختيار القيادة في المنهج القرآني.. وهدم مقياس المال والجاه كمقياس رئيس في الاختيار.. واعتماد مبدأ الكفاءة والمؤهلات التي تتوافق مع طبيعة الموقع القيادي المطلوب "وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ" كمؤهلات للقائد العسكري.. وقوة الشخصية الآمرة الناهية كما تبرز من ثنايا القصة فيما بعد..
4 – تعدد اختبارات وابتلاءات التصفية والتمحيص وصولاً إلى فئة النصر المنشود ( التولي عند فرض القتال- الاختلاف على القائد- اختبار النهر- ابتلاء الرهبة من العدو- الفئة الثابتة في المحنة)
5 – الدعاء والذكر مع التوكل على الله والثقة المطلقة في نصره وتمكينه والثبات عند اللقاء والصمود في المواجهة كلها شروط رئيسة لاستحقاق نصر الله عز وجل وفق القاعدة الربانية الشرطية: "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"الآية7سورة محمد
6- التدافع سنة كونية يقوم عليها صلاح الدنيا.. فلابد من مواجهة الباطل في كل زمان ومكان لتحقيق هذه السنة الكونية التي وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"
ما تقدم هي العناوين التي يركز عليها أغلب الدارسين لتلك القصة العبقرية من القصص القرآني العظيم.. غير أننا وفي حال قراءتنا لهذه القصة القرآنية بغرض رسم خطواتنا الآنية والمستقبلية في عملنا الحركي والدعوي فإننا في حاجة ماسة إلى طرح مزيد من الأسئلة، واستلهام المزيد من محاولات القراءة واستنطاق القصة من المعاني المتجددة، ما يسمح لنا بوضع تصورات أكثر شمولية، وأبعد عمقاً، وأكبر مرونة في وضع نماذجنا الحركية والتنفيذية القابلة للتطبيق الميداني في الواقع..
لا يمكننا مثلاً ونحن نقرأ قصة طالوت وجالوت في القرآن الكريم أن نغفل تركيزها على بعض خصائص الطبيعة البشرية لبني إسرائيل.. وهي طبيعة تختلف اختلافاً أساسياً في النشأة والتكوين والنظرة والتصور والمنهج الموجه والتربية مع خصائص الأمة الإسلامية.. ولذلك فإن بعض أبعاد القصة صُممت خصيصاً لتلائم طبيعة بني إسرائيل بحيث لا نتصور وجوب تكرارها على العنصر البشري بأكمله.. إنها تتناول نمطاً عنصرياً خاصاً في بعض جوانبها وليس نمطاً بشرياً عاماً.. فمن الطبيعة البشرية لبني إسرائيل، كثرة الجدال والاختلاف على الأنبياء ومن ثم القادة.. ومن صفاتهم كذلك الطبيعة الحسية التي تتعامل مع الآيات الحسية، ولذلك كانت آية ملك قائدهم أو ملكهم"طالوت" حسية بامتياز.. وحتى اختباراتهم جاءت كذلك حسية عندما واجههم اختبار النهر.. كما أن النسخة المسلمة من البشرية مطالبة بضوابط وقواعد لم تتضمنها قصة طالوت وجالوت عند القتال والمواجهة مع العدو.. فالقرآن الكريم أمر الأمة المسلمة أمراً وجوبياً بالشورى.. والنبي صلى الله عليه وسلم فعَّل هذا الأمر القرآني حال القتال في مواضع عدة شملت غزواته كلها تقريبا ( الحُباب بن المنذر في غزوة بدر – الشورى قبل الخروج لغزوة أحد- استشارة الأنصار قبل التصالح مع غطفان في غزوة الأحزاب.. الحباب بن المنذر في فتح خيبر... ) وغير ذلك من مواقف أخذ النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالشورى حال القتال مما يسقط نظرية: (نفذ ثم تظلم) التي تُبنى عليها قواعد العمل بالجيوش قديماً وحديثاً.. ولذلك فلا نستطيع البناء على فكرة الطاعة المطلقة الواجبة على جند بني إسرائيل لطالوت دون تباطؤ أو مناقشة، باعتبارها قاعدة قرآنية أصيلة تلزم الأمة المسلمة والجيش المسلم.. وإنما نرجع في مثل هذه النقطة إلى القاعدة القرآنية الحاكمة "وشاورهُمْ في الأمرِ فإذا عَزمتَ فتوكَّلْ على الله"الآية159 آل عمران.. فإذا سلمنا بأنه رغم وجوب إتباعنا مسترشدين للدروس والعبر التي يوجهها إلينا المولى عز وجل عبر القصص القرآنية استجابة لقوله تعالى "لقدْ كانَ في قَصَصِهم عبرةٌ لأولي الألباب"الآية111سورة يوسف.. فإننا يجب كذلك أن ننتبه لأوجه الاختلاف بيننا وبين الأقوام السابقين في بعض الجوانب.. وأن نراعي الفرق بين القصة النمطية التي تأخذ بني البشر جميعاً كنمط واحد.. وبين القصص الخاصة ببعض الأمم والشعوب.. كما يجب أن ننتبه إلى أن الأحكام النهائية التي نُطالب بتطبيقها في أمتنا المسلمة ، هي الأحكام الخاصة بشريعتنا بقطع النظر عن بعض التفصيلات الواردة في ثنايا القصص القرآني، لأنه في حال اختلاف التشريع وجب علينا إتباع أوامر ربنا المشرعة لنا.. وفي ضوء هذه التنبيهات العامة.. نستطيع أن نقرأ عناوين أخرى جديدة في ضوء قصة طالوت وجالوت.. منها:
1 – إشكالية الدعوي والسياسي في قوله تعالى: "إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ"، فمايزوا هنا بين وظيفة النبي ووظيفة القائد السياسي والعسكري.. إنه تمييز وظيفي واضح دون الدعوة إلى الاجتزاء أو التخلي عن نظرية شمول الدين.. فالدين شامل.. والتخصص الوظيفي شرط من شروط تطبيق وتحقيق هذا الشمول..
2 – "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"، عنوان كبير تحته تفصيلات كثيرة .. وهذا يأخذنا إلى التمييز بين الحُكم المطلق والحُكم المقيد.. فالقاعدة الكبرى المطلقة أن الفئة القليلة على الحق تنتصر على فئة الباطل ولو كانت كثيرة بإذن الله.. ولكن ألم يقيد الله تعالى هذا الحكم المطلق بقوله تعالى: "الآنَ خفَّفَ اللهُ عنكمْ وعَلِمَ أنَّ فيكُم ضَعْفا فإن يَكُن منِكمْ مائةٌ صابرةٌ يَغلِبُوا مائتين"الآية66سورة الأنفال، فأصبح شرط الفئة القليلة هو النصف في العدد والعدة كما قال الفقهاء والمفسرون؟!
إن هذا الفهم لفكرة تقييد الفئة القليلة بما يحقق تكافؤ يعتمد على الثبات الإيماني والتوكل الروحي على الله تعالى، يأخذنا إلى تجربة خالد بن الوليد التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة.. فكان انسحابه العبقري هو أعظم انسحاب في تاريخ العسكرية قديمها وحديثها.. ووصفه وجيشه النبي صلى الله عليه وسلم ( بل هم الكرار إن شاء الله) .. ووضعت قاعدة: ( أنا فئة كل مسلم) ليلجأ إلى المدينة كل منهزم في جولة ليعقبها القيام بجولات يتحقق فيها النصر.. إن مقارنة فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه بانسحابه بالجيش من مؤتة- وأقره النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح سنة لأن السنة النبوية تثبت بالإقرار كما بالفعل وبالقول- يخالف كل المخالفة قصة أصحاب الأخدود الذين ثبتوا حتى حُرِّقوا جميعاً.. فتلك أمة قد خلت.. كما أن ميدان الابتلاء في قصة أصحاب الأخدود لم يكن يسمح بالانهزام ثم الكرار مرة أخرى.. فباختلاف الظروف والملابسات اختلف تقدير القائد لطبيعة المواجهة ونتائجها.. فمتى نستن بأصحاب الأخدود ومتى نستن بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لانسحاب خالد بن الوليد؟ قضية تحتاج إلى دراسة وتأصيل..
3 – ميدان المعركة وميدان السياسة والدولة ميادين مختلفة.. ميدان المعركة يحكمه عادة معادلة صفرية.. فإما ينتصر جيش الحق أو جيش الباطل.. وليس بين ذلك سبيل .. رغم اعتماد مبدأ الهدنة والمعاهدات في بعض الأحيان.. لكن تظل النظرية في القتال إمَّا قاتل وإما مقتول.. في ميدان الدولة والسياسية التي تقوم على مبادئ التعددية والمواطنة تقبل بتعدد كل شيء ابتداء بالعرقيات ومرورا بالمذاهب والرؤى والاجتهادات ووصولاً إلى اختلاف العقائد ( صحيفة المدينة بين المسلمين وعرب المدينة واليهود أنموذجاً ومثالاً)، ولذلك فمعادلة الدولة والسياسة معادلة متعددة الأوجه، والرابح منها هم كل فصائل وعناصر ومكونات المجتمع ( الدولة – الأمة)، فطبيعة الصراع السياسي تختلف كل الاختلاف عن طبيعة الصراع العسكري.. ومن هنا ندرك خطأ وخطورة القياس بأي حال من الأحوال على قصة قرآنية ذات طابع عسكري قتالي واضح.. عند تصميم وبناء نموذج للعمل السياسي.. فخلط المفاهيم هنا لا يؤدي إلَّا إلى كوارث في التطبيق العملي..
وأخيراً نختم هذه القراءة المتأنية لقصة طالوت وجالوت في القرآن الكريم بسؤال أظنه حتمي في هذه الحالة.. وأترك إجابته مفتوحة للقارئ الكريم:
أي القائدين تحتاج المرحلة؟ قائد كداود عليه السلام يبرز لجالوت فيقتله؟ .. أم قائد كخالد بن الوليد قائد الكرار إن شاء الله.. ينسحب بالجيش ليعاود الكرَّة بإعداد وتجهيز وتخطيط مناسب؟
مع التأكيد على أنَّ ميدان القتال غير ميدان السياسة والدولة.. والنصح بإعادة قراءة تجربة "أردوغان" في مواجهة الانقلابات العسكرية في ضوء تجربة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه..
ملحوظة أخيرة: هذه ورقة نقاشية وليست مقالاً يطرح فكرة محكمة.. فهو طرح قابل للنقاش والأخذ والرد والإضافة والحذف والبناء عليه، بعد التمحيص والمراجعة والتصويب والتجويد.. فهل من متفاعل؟!!

* عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
* عضو الاتحاد العالمي للابداع الفكري والأدبي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.