قبل 25 يناير 2011 بعدة أيام جاءني زميل نابه قائلاً إن مصر ستشهد ثورة في هذا اليوم. لكني قلت له دعنا الآن نقول "انتفاضة"، وليس "ثورة" حتى تتضح الأمور إلى أين ستسير، فقد كان أقصى حلم في ذلك الوقت أن يخرج عدة الآف في مظاهرة تستمر ساعات ثم تنفض، لكن حصل ما لم يكن متوقعًا وخرج أكثر من 70 ألفًا من الشباب ملأوا ميدان التحرير، بخلاف مظاهرات في عواصم بعض المحافظات، ثم تطورت الأحداث بسرعة بعد الفضّ العنيف لمظاهرة "التحرير" ليلاً لتكون جمعة الغضب 28 يناير تدشينًا لثورة عظيمة انتهت في 11 فبراير بنجاح ساحق وهو سقوط مبارك. زميلي هذا كان حالمًا، والثورة هي حلم، ويتبناها الحالمون، وهو لكونه شابًا فقد تفتح وعيه والملايين من أقرانه على انفجار إعلامي وتكنولوجي غير مسبوق أتاح لهم الاطلاع على ما يجري في العالم من تغيير، والتفاعل معه، والحلم بأن تصير بلادهم أفضل مما هي عليه رغم أنهم ولدوا وتربّوا في ظلّ الاستبداد والسلطوية، ولأن ثورة الاتصالات تواكبت مع جيلهم فإن ذلك كان إنقاذًا لهم من السقوط في فخّ غسيل المخّ والوعي بخطاب سياسي وإعلام دعائي يزيف الحقائق والواقع المزري، وبالتالي فقد نفروا من الخضوع للاستبداد ورفضوا أن يكونوا أجيالاً جديدة تخضع للقمع والقهر والظلم والخنوع بعكس الأجيال السابقة عليهم التي أدمنت الاستسلام والعيش بجوار الحائط أو حتى بداخله. لذلك كان طبيعيًا أن يفجّر الشباب ثورة يناير ثم يسرقها منهم الكبار والعواجيز والقوى التقليدية غير الديمقراطية التي لم تكن تختلف عن نظام مبارك في شيء، بل كانت غارقة مثله في كل أمراضه السياسية، لكن فرقة وتشتت الشباب وعدم تنظيم صفوفهم وقلة خبرتهم وإغراء الأضواء لهم أتاح لآخرين الانقضاض على الثورة حتى وصلنا اليوم إلى ما نحن فيه من التباكي على ثورة تبدّدت وأهداف تلاشت ودخلنا في مرحلة جديدة لا يعلم أحد إلى ماذا ستنتهي، وأي أهداف ستحقّقها، وهذا كان سببًا مهمًا في عزوف قطاع واسع من الشباب عن الاستفتاء على الدستور لأنهم تقريبًا فقدوا الثقة في كل الجيل السياسي والحزبي القديم والجديد، كما اعتراهم القلق من مدى إيمان المؤسسات بفكرة الثورة من أساسها. جرت في النهر مياه كثيرة منذ 25 يناير 2011 حتى اليوم 25 يناير 2014 الذي يصادف الذكرى الثالثة لتلك الثورة المجيدة التي سارت في اتجاهات أخرى غير تلك التي كان يجب أن تسير فيها من بناء "مصر الجديدة" الحرة الديمقراطية العادلة، لكن مصر هذه لم تُبنَ ولا أهداف الثورة تحقّق منها شيء، بل تحوّل شركاء الثورة وصناعها إلى أعداء ألدّاء وتشتتوا وتشرذموا ودخلوا في معارك طاحنة مميتة وتفرقت بهم السُبل ولا سبيل لجمعهم في بوتقة واحدة وميدان واحد مرة أخرى. كانت الفرصة الوحيدة لإعادة بناء مصر هي أن يظلّ شركاء الميدان وحدة واحدة وعصبة لا تنفك أبدًا ولا تنفع معها دسائس التفرقة ومؤامرات التقسيم واللعب بهذا الطرف أو ذاك لكنهم اختلفوا وابتعدوا وتعاركوا وتبادلوا الاتهامات سريعًا في استفتاء 19 مارس 2011، وهنا يتحمل الإخوان نصيب الأسد في المسؤولية عما جرى خلال السنوات الثلاث باعتبارهم القوة الأكبر والأكثر تنظيمًا، حيث تركوا شركاءهم وانهمكوا في جمع الغنائم تحت إغواء وبريق السلطة وبعد أن سيطروا واستحوذوا، وإن كان بالصندوق، لكنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على التصرف وإدارة تلك الغنائم وهو الحكم فظهروا كجماعة ضخمة كبيرة لكنها غير رشيدة، جسد فيل وعقل عصفور، وانتهى بها الحال اليوم خارج المشهد السياسي والاجتماعي تعيش مأساة جديدة تفوق مآسيها في كل العهود السابقة. هناك فارق كبير بين يناير الأمس، ويناير اليوم، فالسلطة والدولة العميقة لن تُفاجأ هذه المرة بمظاهرات تتطور لتقلب الأوضاع رأسًا على عقب، كما لن ترتبك، بل هي على أهْبة الاستعداد بكل وسائل القوة في مواجهة دعوات تجديد الثورة. كما أن الصف الوطني الذي كان واحدًا موحدًا في " التحرير "هو اليوم منقسم، وحتى الشباب الذين كانوا دعاة وأبطال وعماد ثورة يناير مشتتون وهذا يصب في مصلحة السلطة المتحالفة مع طيف سياسي واسع منذ 30 يونيو في مواجهة الإخوان وأنصارهم، كما أنها حشرتهم في الزاوية وضيقت عليهم كل سبل الخروج إلا مستسلمين راضخين لشروطها المذلة. نجحت الدولة العميقة وكذلك ممارسات الثوار بكل فصائلهم من اليمين لليسار في تشويه ثورة يناير التي تم تصويرها باعتبارها جلبت الفوضى والخراب في مصر وتمّ اللعب على مشاعر وحاجات عامة المواطنين بأن الثورة هي السبب في تدهور أوضاعهم وبالتالي فإن الكتلة الغالبة في الشعب المصري "حزب الكنبة " لم تعد على استعداد للتفاعل مع أي دعوات ثورية جديدة، فهي قد وجدت ضالتها في "المنقذ"، وهو الفريق السيسي، وهي تعيش على أمل وحلم أن الأمان والعيش الكريم ومصر التي ستكون " قد الدنيا " سيتحقّق في ظله. لست أدفع فريقًا من المصريين للإحباط. لكن السبت 25 يناير 2014 ، سيمرّ دون أي نتيجة باستثناء مزيد من القبضة الحديدية للسلطة، فالبلاد صارت ثكنة عسكرية، وقضايا الحريات وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والحقّ في التظاهر السلمي صارت من الماضي، والأشد إيلامًا في المشهد الكئيب هو الدماء التي تُراق بأعصاب باردة ودون أن تثير الشفقة أو القلق من المحاسبة بل هناك قلوب سميكة ترحّب وتهلل لإراقة هذه الدماء طالما كانت من الشعب الآخر المغضوب عليه. لا حلّ ثوريًا في مصر، إنما الحل هو سياسي بعد مراجعات واعتذارات ومصالحات وطنية وأن يكون الاحتكام الوحيد للديمقراطية واحترام نتائجها مهما كانت، حتى لو كانت مرًا وعلقمًا لكن من دون أن يقوم الفائز بإقصاء الآخرين واعتبار البلد غنيمة له بمفرده، فالديمقراطية لم تترسخ بعد حتى يطمئن الجميع إلى أن التداول السلمي للسلطة سيسير في فلكه الطبيعي. اللهم احفظ مصر، واحقن دماء المصريين. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.