يشقّ عدد من العلماء المصريين طريقهم فى المراكز البحثية العالمية حاملين معهم شغف العلم والرغبة فى إحداث تأثير حقيقي بحياة البشر، ومن بين هؤلاء الدكتور إسلام موسى الباحث فى مجال الكيمياء الحيوية الطبية والتشخيص المبكر للأمراض، الذى تخرج فى جامعة طنطا قبل أن يواصل مسيرته العلمية في أمريكا، حيث يعمل اليوم أستاذًا باحثًا مساعدًا فى الكيمياء الحيوية والتشخيص الطبى بجامعة كونيتيكت، ويقود أبحاثًا متقدمة لتطوير تقنيات قادرة على اكتشاف الأمراض الخطيرة كالسرطان وأمراض القلب وألزهايمر فى مراحل مبكرة للغاية.. فى هذا الحوار تكشف "آخرساعة" جوانب من رحلة موسى العلمية من مدينة كوم حمادة إلى المختبرات البحثية المتقدمة بأمريكا، كما يتحدث عن أبحاثه فى تطوير مجسات نانوية فائقة الحساسية لرصد المؤشرات المبكرة للأمراض، بجانب مشاركته فى تطوير تقنيات الجلد الإلكترونى التى قد تفتح آفاقًا جديدة فى الطب الوقائى والأطراف الصناعية الذكية، مؤكدًا أن "الكشف المبكر يمكن أن ينقذ حياة ملايين المرضى". ◄ طوّرت مجسات نانوية لرصد الأمراض فى مراحلها المبكرة ◄ هدفى تحسين نتائج العلاج للمرضى وتقليل تكاليف الرعاية الصحية عالميًا ◄ الجلد الإلكترونى ربما يساعد على استعادة حاسة اللمس لمن فقدها نتيجة حادث ◄ حدثنا عن رحلتك الأكاديمية وما الذى ألهمك للتخصص في الكيمياء الحيوية الطبية والكشف المبكر عن الأمراض؟ خلال دراستى للدكتوراة فى الكيمياء بجامعة كونيتيكت فى الولاياتالمتحدة، كنت مفتونًا بكيفية انتقال البحث العلمى من المختبر إلى السوق، وبمدى الطابع متعدد التخصصات الذى باتت تتسم به الأبحاث الحديثة، فلم يعد أفضل بحث علمى يقوم به عالم عبقرى يعمل منفردًا فى المختبر، بل أصبح قوة تعاون أشخاصا من مجالات مختلفة يجمعون خبراتهم فى مشروع واحد، لينتقلوا بالفكرة من مرحلة التصور إلى التنفيذ. وفى حالتى كان ذلك فى مجال تقنيات المستشعرات الحيوية والإلكترونيات الحيوية. وما ألهمنى حقًا هو إدراكى أن الكثير من الأمراض مثل السرطان والألزهايمر وأمراض القلب والأوعية الدموية تتطور بصمت لسنوات قبل ظهور الأعراض، وعند تشخيص المرض غالبًا ما تكون خيارات العلاج محدودة، لذا يركز بحثى على تطوير مستشعرات حيوية وأنظمة إلكترونيات حيوية قادرة على اكتشاف هذه الأمراض فى مراحل مبكرة جدًا، أحيانًا من خلال قطرة دم أو لعاب أو حتى عرق... إن فكرة أن الكيمياء يمكن أن تسهم فى ابتكار تقنيات قادرة على إنقاذ الأرواح عبر الكشف المبكر عن الأمراض كانت الدافع الأساسى وراء عملى البحثى. ◄ كيف تتذكر نشأتك فى مصر وما المراحل الأساسية فى تعليمك قبل انتقالك إلى أمريكا؟ وكيف أسهمت هذه التجارب فى تشكيل مسارك العلمى؟ نشأت فى مصر بمدينة صغيرة تُدعى "كوم حمادة" بمحافظة البحيرة، ومنذ الصغر كنت شغوفًا بمادة العلوم، وكنت أتخيل نفسى طبيبًا مثل والدى الذى يعمل طبيب عيون، لكن مثل كثيرين لم أوفَّق فى مادة الفيزياء فى المرحلة الثانوية، فانتهى بى الأمر فى كلية العلوم بجامعة طنطا، وهناك تخصصت فى أقرب مجال وجدته إلى المجال الطبى، وهو الكيمياء الحيوية. وقد وضع تعليمى فى الجامعة أساسًا علميًا قويًا للغاية، خصوصًا فى مجالى الكيمياء والبيولوجيا، وكنت محظوظًا بتخرجى الأول على دفعتى، وهو ما فتح أمامى فرصًا لمواصلة التطور الأكاديمى. ومن الأمور المهمة فى بدايات مسيرتى المهنية عملى فى التدريس للطلاب والإشراف عليهم أثناء دراستى العليا فى مصر، فقد أدركت من خلال التدريس أن العلم لا يقتصر على إجراء التجارب فحسب، بل يتعلق أيضًا بإلهام الآخرين. أما انتقالى إلى الولاياتالمتحدة لدراسة الدكتوراة فى جامعة كونيتيكت فكان نقطة تحول كبرى فى حياتى، إذ أتاح لى العمل فى بيئة بحثية متقدمة تمتلك بنية تحتية قوية، وتتميز بالتعاون بين التخصصات المختلفة، إضافة إلى الروابط الوثيقة بين الجامعات والصناعة، وقد شكّلت هذه التجربة منهجى فى البحث العلمى القائم على الجمع بين البحث الأساسى وترجمته إلى تقنيات عملية يمكن أن تفيد المجتمع. ◄ يركز بحثك على التشخيص المبكر للأمراض العصبية فلماذا يُعد الكشف المبكر تحديًا كبيرًا فى الطب الحديث؟ يبدأ كثير من الأمراض العصبية مثل الألزهايمر فى التطور داخل الدماغ قبل عقود من ظهور الأعراض، وخلال هذه المراحل المبكرة تكون التغيرات الجزيئية التى تحدث فى الجسم صغيرة للغاية ويصعب رصدها. وتعتمد أدوات التشخيص التقليدية غالبًا على التصوير الطبى أو ظهور الأعراض السريرية، وهى أمور تظهر عادة فى مراحل متقدمة من المرض عندما يكون الضرر قد حدث بالفعل بدرجة كبيرة، ومن هنا يتمثل التحدى فى الجانب التكنولوجى، إذ نحتاج إلى أدوات تشخيص حساسة بما يكفى لاكتشاف الإشارات الجزيئية الدقيقة (المؤشرات الحيوية) قبل ظهور الأعراض بوقت طويل، ويركز عملى على تطوير مستشعرات حيوية قادرة على رصد هذه الإشارات مبكرًا بما يسمح للأطباء بالتدخل قبل تقدم المرض. ◄ كيف تعمل تقنية "المستشعرات النانوية" التى تطورها بطريقة مبسطة يمكن لغير المتخصصين فهمها؟ بعبارات بسيطة، تعمل مستشعراتنا الحيوية مثل كاشف شديد الحساسية يمكنه التعرُّف على إشارات بيولوجية دقيقة للغاية صادرة من الجسم، ونقوم بتصميم أسطح مغطاة بجزيئات قادرة على التعرف بشكل محدد على المؤشرات الحيوية المرتبطة بالأمراض، وعندما ترتبط هذه المؤشرات بالمستشعر فإنها تُحدِث إشارة قابلة للقياس، غالبًا ما تكون إشارة كهربائية أو ضوئية. ويمكن تشبيه ذلك بكاشف الدخان فى المنازل، فكما يلتقط كاشف الدخان الجزيئات الدقيقة فى الهواء للتحذير من وجود حريق، تقوم مستشعراتنا الحيوية باكتشاف إشارات بيولوجية صغيرة قد تشير إلى وجود مرض فى مراحله المبكرة. ◄ ما الذى يميز أبحاثك عن وسائل التشخيص الحالية؟ هناك عدة عوامل تميز عملنا: أولًا، نهدف إلى الكشف المبكر للغاية عن الأمراض، أى التعرف عليها قبل ظهور الأعراض. ثانيًا، نركز على تطوير تقنيات تشخيص عند نقطة الرعاية الطبية (Point-of-Care)، أى أجهزة يمكن استخدامها خارج المختبرات الكبيرة مثل العيادات أو حتى فى أماكن أخرى قريبة من المريض. كما يتمثل جانب مميز آخر فى دمج تقنيات الاستشعار الحيوى مع الإلكترونيات الحيوية القابلة للارتداء أو للزرع داخل الجسم، وبدلًا من إجراء اختبار تشخيصى لمرة واحدة يمكن لهذه الأنظمة أن تراقب المؤشرات الصحية باستمرار وفى الوقت الحقيقى. وأخيرًا يجمع بحثى بين خبرات من الأوساط الأكاديمية والصناعة وريادة الأعمال، وهو ما يساعد على نقل التقنيات من المختبر إلى التطبيقات الواقعية. ◄ ما أهم التطبيقات العملية لأبحاثك في المستقبل القريب؟ هناك بالفعل عدة تطبيقات بدأت فى الظهور، منها أجهزة تشخيص سريعة للأمراض مثل السرطان والأمراض العصبية التنكسية باستخدام أجهزة صغيرة محمولة. كما نعمل على تطوير مستشعرات قابلة للارتداء يمكنها مراقبة المؤشرات الحيوية فى العرق أو سوائل الجسم الأخرى، ونطور أيضًا إلكترونيات حيوية قابلة للزرع داخل الجسم تعمل ذاتيًا بالطاقة، يمكنها توليد الطاقة من الجسم نفسه - مثل التنفس أو الحركة - لتشغيل أجهزة طبية صغيرة دون الحاجة إلى بطاريات. وفى المستقبل القريب قد تساعد هذه التقنيات الأطباء على متابعة تطور المرض بشكل مستمر بدلًا من الاعتماد فقط على الزيارات الطبية المتباعدة. ◄ أسهمت أيضًا فى تطوير تقنيات الجلد الإلكترونى، كيف يمكن لهذا الابتكار أن يغير حياة المرضى؟ الجلد الإلكترونى هو فى الأساس نظام مستشعرات مرن يمكن ارتداؤه على الجسم مثل لصقة طبية، ويستطيع رصد الإشارات الفيزيائية والكيميائية الصادرة من الجلد. وبالنسبة لبعض المرضى قد يساعد هذا الابتكار على استعادة الإحساس باللمس الذى فقدوه نتيجة حادث أو إصابة، كما يمكنه أداء وظائف لا يستطيع الجلد البشرى الطبيعى القيام بها، مثل المراقبة المستمرة لمؤشرات صحية كالجلوكوز أو مؤشرات التوتر أو التغيرات الأيضية. وبدلًا من إجراء تحاليل دم متكررة يمكن للمريض ارتداء لصقة خفيفة الوزن تراقب حالته الصحية فى الوقت الحقيقى. وفى حالة الأمراض المزمنة مثل السكرى أو أمراض القلب يمكن لهذه التقنية أن تحسِّن جودة حياة المرضى بشكل كبير وتساعد الأطباء على اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة. ◄ ما أكبر التحديات التي واجهتك خلال مسيرتك العلمية فى الولاياتالمتحدة؟ التحديات موجودة دائمًا حتى اليوم، فمادمت تحاول تقديم عمل مبتكر لحل مشكلة حقيقية، ستواجه تحديات باستمرار، لكنها تتغير بحسب المرحلة التى تمر بها فى مسيرتك المهنية، وأول تحدٍ واجهته فى الولاياتالمتحدة كان حاجز اللغة والثقافة، فعندما وصلت إلى هناك كنت أنطق بعض الكلمات الإنجليزية بطريقة خاطئة، حتى إننى كنت أنطق كلمة Check-in بمعنى (تسجيل الوصول) كأنها Chicken (دجاج)! كما أننى فشلت فى اختبار اللغة الإنجليزية المطلوب لاعتمادى كمساعد تدريس، واضطررت إلى قضاء فصل دراسى إضافى والعمل بجهد كبير حتى نجحت فيه وأصبحت مساعد تدريس معتمدًا. وبعد بضع سنوات فقط، فزت بالمركز الأول على مستوى القسم والجامعة ثم على المستوى الدولى - بتصويت الجمهور - لأفضل عرض لأطروحتى فى ثلاث دقائق، وهو عرض يقيم القدرة على التواصل الفعّال باللغة نفسها التى كانت يومًا ما تمثل عائقًا بالنسبة لى. ومنذ ذلك الحين تمثلت التحديات فى فهم دورة البحث العلمى وكيفية تحويل الأفكار إلى أبحاث عالية التأثير، ثم كيفية ترجمة هذه الأبحاث إلى تطبيقات عملية عبر تأسيس شركات ناشئة. كما كان من التحديات أيضًا سد الفجوة بين البحث الأكاديمى والتطبيق العملى، وخلال عملى كعالم فى شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca تعلمت كيف تعمل المعايير التنظيمية الصارمة وآليات نقل الابتكارات إلى التطبيق الطبى، وهو ما ساعدنى على فهم كيفية نقل التقنيات من المختبر إلى الاستخدامات السريرية الحقيقية. ◄ برأيك، كيف يمكن للجامعات المصرية أن تدعم البحث العلمى والابتكار بشكل أفضل؟ الجامعات المصرية تمتلك موارد مالية محدودة، لكنها غنية بالكوادر البشرية والمواهب، لذلك ينبغى أن تعتمد على هذه المواهب فى تأهيل الجيل القادم من العلماء. ومن المهم أن تنشئ الجامعات برامج تساعد الطلاب على تحويل الأفكار العلمية إلى تطبيقات عملية، وأن تدمج الطلاب فى برامج مسرّعات الأعمال والحاضنات الصغيرة لتعليمهم المهارات اللازمة للنجاح. وفى عصر الذكاء الاصطناعى لم تعد المعرفة نادرة، لكن إلهام الطلاب يحدث غالبًا من إنسان إلى إنسان، وهذه نقطة قوة حقيقية لدى الجامعات المصرية يمكن استثمارها لتحقيق نتائج أفضل. ◄ ما النصيحة التى تقدمها للباحثين الشباب فى مصر الذين يطمحون إلى مسيرة علمية دولية؟ نصيحتى الأساسية هى التركيز على بناء الملف العلمى والشبكة المهنية مع التقدم فى المسار الأكاديمي. لقد أطلقت مبادرة تحولت لاحقًا إلى منظمة تُدعى "أكاديمى" Akadeemy، وتهدف إلى مساعدة مليون باحث عربى. وينبغى لطلاب المدارس الثانوية والجامعات الاستفادة من الفرص المتاحة للتدريب البحثى والصناعى قصير المدى فى الخارج، سواء فى الولاياتالمتحدة أو أوروبا، لما لذلك من دور مهم فى تطوير المهارات وتوسيع شبكة العلاقات العلمية، فهذا الأمر ضرورى عندما ينتقل الطالب من مسار علمى محلى إلى مسار عالمى، كما أشجع الباحثين الشباب على السعى إلى التعاون الدولى، والمشاركة فى المؤتمرات العلمية، والتواصل عالميًا لعرض أبحاثهم، وأؤكد دائمًا أن الهدف من العلم ينبغى ألا يقتصر على نشر الأبحاث فقط، بل يجب أن يسعى أيضًا إلى إحداث تأثير حقيقى من خلال تطوير حلول لمشكلات العالم الواقعى. ◄ ما الاتجاهات المستقبلية لأبحاثك فى السنوات المقبلة؟ فى السنوات القادمة سيركز بحثى على دمج تقنيات الاستشعار الحيوى والإلكترونيات الحيوية والذكاء الاصطناعى لتطوير الجيل القادم من أنظمة التشخيص الطبى. ومن بين الاتجاهات المهمة تطوير أدوات للكشف المبكر عن الأمراض العصبية التنكسية مثل الألزهايمر، عبر الجمع بين استشعار المؤشرات الحيوية وتقنيات الصحة الرقمية. كما نعمل على تطوير أجهزة قابلة للزرع داخل الجسم أو للارتداء تعمل ذاتيًا بالطاقة وقادرة على مراقبة الإشارات الفسيولوجية بشكل مستمر دون الحاجة إلى مصادر طاقة خارجية. وفى النهاية يتمثل الهدف فى الوصول إلى مستقبل يمكن فيه اكتشاف الأمراض وإدارتها فى مراحل مبكرة جدًا، بما يحسن نتائج العلاج للمرضى ويقلل تكاليف الرعاية الصحية عالميًا.