في قلب شارع المعز يظهر سبيل كجزيرة وسط نهر الحركة التى لا تنقطع، يلفت النظر برشاقته وجماله الذى يبدو كلؤلؤة خرجت من بين الأصداف، تتكشف لك فور خروجك من بين القصرين والاستمتاع بعمائر سلاطين المماليك الضخمة، لتقف أمام سبيل وكتّاب عبدالرحمن كتخدا، الذى يبهرك ببنائه الرشيق الذى يمزج بين الطراز المملوكى والعثماني، ويعد نقطة مركزية فى بانوراما شارع المعز عند الالتقاء مع شارع التمبكشية فى مواجهة درب قرمز، مما يجعل السبيل متناسق التقاسيم الهندسية فى مواجهة القادم من بين القصرين، فلا تفلت العين من سحر جماله، ليكشف الفنان المصري عن قدرة استثنائية فى استغلال عبقرية المكان لإخراج تحفة معمارية باسم سبيل عبدالرحمن كتخدا. المدهش أن عبدالرحمن كتخدا (توفى سنة 1190ه/ 1776م)، لم يُحفظ ذكره فى كتب التاريخ بفضل شهرة سبيله فى بين القصرين فقط، إذ إن له الكثير من المنشآت التى تدل على همة عالية وشغف عميق بحركة التعمير، بحسب ما يقول الباحث بهاء محمد المتخصص فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، إذ يشير إلى أن عبدالرحمن كتخدا - الذى تولى الكثير من المناصب الكبرى وأبرزها منصب الكتخدا أو الوكيل عن الباشا العثمانى - استطاع أن يستغل الثروة التى توفرت تحت يديه من قيادة ثورة معمارية فى القاهرة فى العصر العثمانى بعد عقود طويلة من الإهمال، فعد وقته عصر إنقاذ للآثار الإسلامية التى كانت تعانى من الإهمال العثمانى. وقال بهاء محمد إن عبدالرحمن كتخدا الذى قضى على نفوذه على بك الكبير ونفاه إلى الحجاز لمدة 12 عامًا، عمر الكثير من المعالم فى القاهرة مثل جامعه بشارع المعز والمعروف حاليًا باسم جامع على المطهر، وتولى ترميم وإعادة إنشاء الكثير من المساجد المتهدمة فى المدينة، ويقف فى مقدمة أعماله وأكثرها أثرًا ما دشنه من موجة تطوير فى الجامع الأزهر، إذ زاد فى مساحته فى اتجاه جدار القبلة، والتى تعرف باسم الظلة العثمانية، وأنشأ فى جدار القبلة الجديد منبرًا ومحرابًا فضلا عن مئذنة عثمانية الطراز، وبوابة ضخمة تطل على منطقة درب الأتراك، كذلك بنى بوابة جديدة للجامع فريدة الجمال تعرف باسم باب المزينين، كما بنى لنفسه قبرا دفن فيه ملحقا بالجامع الأزهر. وأشاد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي فى كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، بأعمال عبدالرحمن كتخدا الإنشائية، فكتب: «وسمى بصاحب الخيرات والعمائر فى مصر والشام والروم، وعدة المساجد التى أنشأها وجددها وأقيمت فيها الخطبة والجمعة ثمانية عشر مسجدًا، وذلك خلاف الزوايا والأسبلة والسقايات والمكاتب والأحواض والقناطر، والمربوط للنساء الفقيرات والمنقطعات، وكان له فى هندسة الأبنية وحسن وضع العمائر ملكة يقتدر بها على ما يرومه من الوضع من غير مباشرة ولا مشاهدة، ولو لم يكن له من الأثر إلا ما أنشأ بالجامع الأزهر من الزيادة والعمارة التى تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك». تتميز أعمال عبدالرحمن كتخدا بجمال زخرفتها، التى تعكس مزيجًا رائعًا بين جماليات الفنون المملوكية والعثمانية، كما هو الحال فى الباب الذى بناه للجامع الأزهر وعرف باسم باب المزينين لأن الحلاقين كانوا يجلسون أمامه للحلاقة لطلبة الأزهر، والذى يتميز بزخرفته البديعة من استخدام لشجر السرو والزخارف النباتية والهندسية مختلفة الألوان، لكن يظل سبيل كتخدا ببين القصرين أجمل أعماله المعمارية وأكثرها تفردًا فى القاهرة، إذ تجلت عبقرية عبد الرحمن كتخدا فى اختيار موضع إنشاء السبيل الذى بناه عام 1157ه/ 1744م، الذى جاء على رأس منطقة بين القصرين من جهة الشمال، فضمن بذلك بقعة عبقرية وإطلالة سحرية للسبيل الذى يستقبل جميع القادمين من جهة الجنوب فى شارع المعز المكتظ بالبشر، فاختار أن يأتى البناء على نمط مربع الشكل، الدور الأول خصص لسبيل المياه ومزود بصهريج تحت الأرض لتخزين المياه، والدور الثانى لكتاب لتعليم الصبية. الفنان المصري استغل عبقرية المكان لإعطاء لمحة جمالية للسبيل، فجعل المدخل الرئيسى للسبيل بشارع التمبكشية على يسار الواجهة الشرقية، وذلك لكى يوفر الواجهة الجنوبية للسبيل لتحتل المشهد بالكامل كونها التى تستقبل القادم من جهة بين القصرين بحسب محمد أبو العمايم فى كتابه (آثار القاهرة الإسلامية فى العصر العثمانى)، وجاءت الوجهات الثلاث للسبيل متطابقة إذ تضم كل منها شباكا كبيرا للتسبيل معقودا بعقد نصف دائرى مكسوا بالرخام الأبيض والأسود، وبجانبى الشباك عمودان من الرخام، وأعلى الشباك زخارف نباتية تصل إلى الجزء الخشبى الذى يشغل واجهة الكتاب فى الدور العلوى، أما من الداخل فقد تميزت جدران السبيل بأنها مكسوة بالكامل بالقاشانى الأزرق ومزخرف بأوراق مسننة وأزهار ذات طابع تركى، كما يوجد بأحد الجدران رسم للمسجد الحرام مصنوع من القاشانى أيضا، فجاء السبيل على صغر حجمه تحفة معمارية من الخارج ومعرضا للفنون من الداخل.