الحرب الدائرة حاليًا لا تهدف فقط إلى تغيير النظام الإيرانى، بحسب الإعلانات المتكررة من الجانب الأمريكى والإسرائيلى، وبالمثل فإنها من جانب طهران لا تتوقف عند حدود الدفاع عن الدولة، يمضى الطرفان إلى ما هو أبعد من ذلك، فخلف كل قذيفة وصاروخ ثمة أهداف وأوضاع مستقبلية مطلوب تحقيقها، ومن وجهة نظر متابع مثلى يرى الأمور من زاويتها الثقافية فإنه يبدو أن العرب يتحملون القدر الأكبر من الخسارة فى هذه المعركة، ولا أقصد بذلك الجانب الاقتصادى. فى مرحلة ما غلب علىّ الولع بتجميع كراسات الطلبة فى خمسينيات وستينيات القرن الفائت، أستخدمها بإحساس أنى أعيش تلك الأيام القاسية التى كانت الحروب والمواجهات عنوانها الأساسى، لهذا خيّمت تفاصيلها على مناحى الحياة بما فى ذلك الكراسات المدرسية التى لم يكن هناك أى شبه بينها وبين ما يستخدمه طلبة أيامنا هذه، والمقارنة بينهما تصلح مدخلًا للمقارنة بين زمنين، فقد طغى على كراسات الماضى التقشف والتوجيه، فيما تغلب على كراسات الحاضر قيم أكثر تحررًا وانفتاحًا عبر رسومات وألوان مبهجة. كراسات ذلك الزمن كانت وسيلة تواصل بين السلطة ومواطنيها المنخرطين فى العملية التعليمية، لهذا حملت أغلفتها رسائل وتوجيهات واضحة بأيديولوجية وطنية وقومية لا لبس فيها، رسومات ل: السد العالى، المصانع، للسفن وهى تمر من قناة السويس رافعة العلم المصرى، خريطة مصر، خريطة الوطن العربى، إلى جانب الأغلفة ذات الطابع العسكرى: جندى يرفع علمًا أو يحمل سلاحًا، مركبة حربية، مع شعارات من تلك الفترة «النصر لنا»، «يد تبنى ويد تحمل السلاح». الغلاف الخلفى أيضًا كان يُستخدَم لنشر الوعى حول كيفية التصرف وقت الحروب عبر مجموعة من الإرشادات الموجهة من الدفاع المدنى (إطفاء الأنوار عند سماع صفارات الإنذار - عدم التجمهر فى الشوارع عند وقوع الغارات - ضرورة الاحتفاظ بشنطة الإسعافات الأولية). هكذا، كانت الأمور واضحة إلى حد بعيد، عدو معروف، حدود تعمل الدولة على حمايتها، انتماءات ليست محل سؤال للمحيط العربى، وعلى هذا كانت قضية الحرب تتلخص، بشكل كبير، فى متابعة مجريات العمليات العسكرية، وفى مراحل التفاوض، وفى تفاصيل الهدن والاتفاقات، وغالبًا كان الخروج عن القواعد يُصنَّف باعتباره عملًا عدائيًا، والمخالفة تعد مخاطرة تهدد السلامة الشخصية! لا أعود إلى تلك الذكريات باعتبارها الصورة المُثلى لما ينبغى أن يكون عليه الحال وقت الحرب، بل لتأمل كيف تحولت بنا الحياة إلى درجة بتنا فيها لا نكاد نتعرف على أنفسنا، وعلى مواقعنا، وانتماءاتنا. أزمتنا اليوم أننا نتابع حربًا مدمرة ليس فى الإمكان التكهن بنهايتها، أو إن كان ثمة حلول لإيقاف التدهور المتسارع، ثم، وكأن ذلك ليس كافيًا، فإلى جانب الدمار نشهد صراعًا لا يقل شراسة وعنفًا تتعرض فيه الانتماءات إلى قصف عنيف يصبح مطلوبًا معه إعادة التأكيد على مبادئنا، وعلى خرائطنا التى يستلزم الدفاع عنها. الحرب الدائرة حاليًا لا تهدف فقط إلى تغيير النظام الإيرانى، بحسب الإعلانات المتكررة من الجانب الأمريكى والإسرائيلى، وبالمثل فإنها من جانب طهران لا تتوقف عند حدود الدفاع عن الدولة، يمضى الطرفان إلى ما هو أبعد من ذلك، فخلف كل قذيفة وصاروخ ثمة أهداف وأوضاع مستقبلية مطلوب تحقيقها، ومن وجهة نظر متابع مثلى يرى الأمور من زاويتها الثقافية فإنه يبدو أن العرب يتحملون القدر الأكبر من الخسارة فى هذه المعركة، ولا أقصد بذلك الجانب الاقتصادى. أوقعتنا الحرب الحالية فى بحر رمال متحركة، انغرسنا فى معركة حول الانتماءات، الأولويات، الأهداف، أحاط بنا الكثير من الأفخاخ، من لم يشغله الجانب السياسى للحرب انشغل بالاقتصاد، ومن لا يهتم بكليهما وجد فى الجانب العقائدى بغيته: المهدى، عودة المسيح، هرمجدون، نهاية الزمان. فى ظنى أن إيجاد ثغرة للخروج من هذه المتاهة يعتمد بالأساس على القدرة فى التبسيط فى مواجهة رغبات الأطراف المختلفة فى التعقيد، وفى إغراقنا فى الرموز، وفى الأسئلة التى تبدو صعبة لأول وهلة لكن العودة إلى كراساتنا القديمة قد تكفى لتفكيكها، وأعنى هنا العودة إلى الوضوح لفضح أساليب التوجيه الحديثة القابعة خلف الخوارزميات. ليس فى استدعاء «الكراسات القديمة» نكوص نحو زمن ولّى، أو تمسك بأدوات توجيه عفّى عليها الزمن، لكن الحقيقة أن تلك الكراسات لم تكن تعلمنا ماذا نختار، بل كانت ترسم لنا من نحن، اليوم، وفى ظل غابة الخوارزميات، نحن لا نملك رفاهية الحياد، لكننا نملك حق رفض الوكالة.. إن البحث عن مسار عربى ثالث ليس خيالًا شاعريًا، بل هو ضرورة وجودية؛ فمن لا يملك روايته الخاصة عن الحرب، سيجد نفسه مجرد «هامش» فى رواية المنتصر، أيًا كان. من المهم الوعى بأننا غارقون فى حرب انتماءات بالأساس، حرب أيديولوجيات متعصبة، تغذيها موروثات وأساطير عقدية، والانحياز إلى طرف فيها يعنى تبنى تأويله والانصياع لرؤيته المستقبلية وتسليمه قيادة المنطقة، أو على الأقل الحق فى جزء لا بأس به منها. وفق قاعدة المصلحة من الحرب يمكن رؤية السيناريوهات الأمريكية والإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى، فاعلة وواضحة، وما يستدعى التوقف عنده وجهة النظر العربية المضطربة فى لعبة الانتماءات الضيقة، حيث يجرى استنزافنا عاطفيًا فى صراعات مقصودة على وسائل التواصل الاجتماعى، وفى طوفان من النظريات الفاسدة والأخبار المفبركة، وفى الانجرار وراء صور متخيلة لأبطال منشغلين بالكامل فى بناء سرديتهم. السعى إلى مقاربة الصراع الدائر فى الشرق الأوسط من زاوية ثقافية يمكنه أن يمنحنا فهمًا أعمق يتجاوز لغة الصواريخ والنفط، لأن هذا الصراع لا يدور فقط حول الأرض، بل يدور حول الذاكرة، والهوية، والرؤى. ثمة صراع بين مشروعين رئيسيين يتنازعان الهيمنة، ويبدو أننا كعرب، وبعد أن فقد صوتنا الخاص (الثقافة، التعليم، الفن، الإعلام) تأثيره، وقعنا بين مطرقة الأستاذية الأمريكية والإسرائيلية وسندان الوصاية الإيرانية، يبدو العربى، فى لحظته الحالية، «التابع» الذى يُراد له أن يصمت ليتحدث الآخرون نيابة عنه. يخطر على بالى تلك الكراسات القديمة، ماذا سنكتب على أغلفتها اليوم؟ ربما شيئًا مثل: «لا مجال للمفاوضة أو التشكيك فى الانتماء العربى». أو بصورة أوضح: «فى لعبة الانتماءات، الخاسر الأكبر ليس من دُمرت مدنه فحسب، بل من وقف على أطلالها يرهن وعيه لسيناريو مكتوب بغير لغته.. وبغير أحلامه».