■ كتبت: ندى البدوي فى خضم التصعيد العسكرى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تدور معركة موازية فى الفضاء الرقمى لا تقل تأثيرًا عن العمليات العسكرية، حيث تعجّ المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى بكمٍ هائلٍ من المعلومات والأخبار المضللة التى تتدفق بوتيرة متسارعة، فى محاولة للترويج لسرديات متباينة تخدم أطراف الصراع، ويزيد هذا الواقع من المخاوف بشأن الفوضى التى يمكن أن يخلقها التضليل المعلوماتي، وتأثيره على وعى الجمهور وإدراكه للواقع، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدى وتقنيات التزييف العميق القادرة على إنتاج صور ومقاطع تبدو شديدة الواقعية. ◄ خوارزميات منصات التواصل تسهم في تضخيم التضليل المعلوماتي ◄ الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق تزيد من تعقيد الظاهرة تقارير عديدة رصدت ووثّقت خلال الصراع الجارى، انتشار صور وفيديوهات أُعيد توظيفها من أحداثٍ قديمة أو نزاعاتٍ أخرى، بخلاف المحتوى البصرى المولّد بالذكاء الاصطناعى والذى يتم تداوله على نطاق واسع، وغيرها من طرق التضليل التى أغرقت المحتوى الرقمى، مدفوعةً بخوارزميات المنصات التى تعزز المحتوى الأكثر إثارة للانتباه والتفاعل. وكشف تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن موجة غير مسبوقة من المحتوى المضلل المصنوع بالذكاء الاصطناعى، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعى خلال الأسابيع الأولى من الحرب على إيران، ومن بين المعلومات المُضللة التى حصدت تفاعلاً هائلاً، خبر مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى غارة إيرانية، وكذلك المنشورات التى تروّج لاستهداف حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد، عبر فيديو مزيف تبيّن أنه مولّد باستخدام الذكاء الاصطناعي. يرى خالد البرماوى خبير الإعلام الرقمى أن المعلومات المضللة أصبحت اليوم واحدة من أهم أدوات الحروب الحديثة. فوفق تقارير دولية، بينها تقرير المنتدى الاقتصادى العالمى، صُنّف التضليل المعلوماتى كأكبر خطر عالمى خلال عامى 2025 و2026، فالنزاعات العسكرية تستهدف زعزعة الاستقرار وفرض السيطرة والتأثير، وهى أهداف تستطيع الحرب المعلوماتية تحقيقها بتكلفة أقل وتأثير أوسع، كما يوضح. ويشير فى حديثه ل«آخرساعة» إلى أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى تسهم بدرجة كبيرة فى تضخيم انتشار المحتوى المضلل، إذ تعتمد آلية عملها على تعزيز المواد الأكثر تفاعلًا، مما يمنح الأفضلية للمحتوى الصادم أو المثير أو القائم على نظريات المؤامرة، وهو ما يسرّع انتشاره ويضاعف حضوره فى الفضاء الرقمي. ويضيف أن هذا النمط من الانتشار قد يخلق لدى المستخدمين انطباعًا بأن جميع المعلومات المتداولة تسير فى اتجاهٍ واحد، بينما قد يحدث العكس لدى مستخدمين آخرين لا تصلهم هذه المعلومات أصلًا، وهو ما يعكس طبيعة الفقاعات المعلوماتية التى تصنعها الخوارزميات، بينما يضع تدفق المعلومات خلال الصراعات وسائل الإعلام تحت ضغط كبير لتلبية حاجة الجمهور إلى معرفة ما يحدث لحظة بلحظة، غير أن هذا الضغط حسبما يوضح، ينبغى ألا يدفع المؤسسات الإعلامية إلى النشر دون تحقق، إذ تصبح الدقة أولوية تتقدم على السرعة. ويؤكد أن أوقات الحروب تتطلب تحققًا دقيقًا وربما مزدوجًا قبل نشر الأخبار، حتى لو جاء النشر متأخرًا، فالأمر قد يرتبط بحياة الناس وأمنهم، مما يجعل الخطأ فى نقل المعلومات أو تضليل الجمهور مسألة بالغة الخطورة، ومن هنا، تبرز أهمية وجود مسارات واضحة للتحقق داخل غرف الأخبار، بحيث تمر الأخبار المرتبطة بالأحداث الحرجة بمراحل مراجعة دقيقة قبل نشرها. كما يرى البرماوى أن مواجهة اضطراب المعلومات لا تقع على عاتق الإعلام وحده، بل تمثل مسئولية مشتركة بين هيئات تنظيم الإعلام والمنصات الرقمية والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدنى. ◄ اقرأ أيضًا | من بروكسل إلى برلين.. حرب إيران تفضح هشاشة القرار الأوروبي ومن جانبه يؤكد حسام الهندى مؤسس مبادرة «التحقق بالعربى» أن فهم ظاهرة انتشار المعلومات المضللة خلال الحروب والأزمات يتطلب التمييز بين ما ينشره الأفراد عبر المنصات الرقمية وما تنشره وسائل الإعلام، فالمؤسسات الإعلامية قد تنشر محتوى مضللًا أحيانًا لدعم رواية معينة، خاصة عندما تكون طرفًا فى الصراع، أو بهدف جذب التفاعل والمتابعين، بينما قد يحدث التضليل نتيجة غياب التحقق قبل النشر بسبب ضغط السرعة أو نقص الخبرة، أما لدى الأفراد، فتتنوع الدوافع بين غياب ثقافة التحقق والتفاعل العاطفى مع أحداث الصراع، إضافة إلى سعى بعض الحسابات لجذب المتابعين عبر نشر قصص مثيرة أو صادمة، بخلاف أن بعض الحسابات كما يشير، قد تكون جزءًا من حملات منظمة تُمارس التضليل بشكل ممنهج، مثل ما يعرف باللجان الإلكترونية أو الذباب الإلكترونى، التى تعمل على الترويج لسرديات محددة عبر وسوم يجرى تداولها بكثافة، ومع تفاعل المستخدمين مع هذه الوسوم والمحتويات، تتضخم المعلومات المضللة تدريجيًا فيما يشبه كرة الثلج، مدفوعة بالعاطفة الجماهيرية والانحيازات السياسية. ويشير الهندي إلى أن من أبرز أنماط التضليل فى النزاعات ما يتضمن استخدام مواد بصرية خارج سياقها، وهو ما نرصده بشكل مستمر من خلال صور ومقاطع قديمة لتفجيرات واستهدافات يعاد توظيفها فى سياق الحرب الجارية. فضلاً عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعى الذى انتشر خلال السنوات الأخيرة، إذ ظهر بوضوح فى حرب غزة، ووصل إلى مستوى أعلى من الانتشار فى الحرب على إيران مع ظهور مقاطع أكثر احترافية يصعب اكتشافها. وفيما يتعلق بعمليات التحقق يوضح أن فرق التحقق تعتمد على منهجياتٍ وتقنيات عدة من بينها تتبع الحسابات المعروفة بنشر التضليل وتحليل الادعاءات المتداولة، إضافة إلى استخدام أدوات مثل البحث العكسى للصور للكشف عن تاريخ استخدامها السابق. ويلفت إلى أن الأدوات الخاصة بكشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعى مازالت محدودة الدقة ولا تواكب تطوّر تقنيات التزييف العميق، مما يجعل الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ، ويستدعى العودة إلى القواعد الأساسية للتحقق الصحفى، ولهذا تبقى الخطوة الأهم هى البحث عن المصدر الأصلى للمحتوى ومقارنته بمصادر إعلامية موثوقة والتحليل البصرى لسياق الصور ومقاطع الفيديو المتداولة. محذرًا من خطورة سقوط بعض وسائل الإعلام فى فخ المحتوى «المتداول» عبر مواقع التواصل دون التحقق من صحته، مما يفتح الباب أمام انتشار معلومات غير دقيقة. بدورها ترى الدكتورة سهير عثمان أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن الجمهور يتفاعل مع المعلومات المضللة فى أوقات الأزمات والحروب بشكل أكبر نتيجة حالة القلق وعدم اليقين، وتوضح أن هذه الحالة تجعل الناس أكثر استعدادًا لتصديق أى معلومة قد تفسر ما يحدث حولهم حتى وإن كانت المعلومات غير موثوقة. وأشارت إلى أن هناك العديد من العوامل التى تسهم فى زيادة التضليل، من بينها سرعة وكثافة تداول الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعى، إلى جانب التحيزات المسبقة لدى الجمهور والتأثير العاطفى للصور ومقاطع الفيديو، مشددة على أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى خاصة التزييف العميق، زاد من تعقيد الظاهرة، إذ أصبح من الصعب التمييز بين المحتوى الحقيقى والمصطنع، كما أدى إلى تآكل الثقة فى المحتوى الإعلامى عمومًا. وترى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل المدارس والجامعات، إلى جانب تشجيع عادات التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، كما تؤكد أن تنمية مهارات التفكير النقدى لدى الأفراد تساعدهم على تقييم المعلومات وطرح أسئلة حول مصدرها ودوافع نشرها، وهو ما يسهم فى بناء جمهور أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع البيئة الإعلامية الرقمية المعقدة.