تصاعد موجة الغلاء يكشف استمرار تحميل المصريين كلفة الأزمات قرارات حكومية متتالية ترفع الضغط المعيشي وسط اتهامات ببيع الأصول وتغييب الحلول الحقيقية
في مشهد يتكرر مع كل أزمة داخلية أو خارجية، أقرت الحكومة المصرية زيادة جديدة في أسعار تذاكر المترو والقطارات، لتصل إلى 25% في بعض الشرائح، في خطوة تعكس – وفق مراقبين – إصرار النظام على نقل أعباء الأزمات الاقتصادية مباشرة إلى المواطن، دون مراجعة سياسات الإنفاق أو البحث عن بدائل حقيقية.
المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الأزمات**
تأتي الزيادة الأخيرة في أسعار النقل بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود، وتداعيات الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران، والتي استخدمتها الحكومة مبرراً جديداً لقراراتها الاقتصادية، بعد سنوات من تبريرات مشابهة بدأت بجائحة كورونا، مروراً بالحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التوترات الإقليمية الحالية.
وبينما تربط الحكومة قراراتها بارتفاع تكلفة التشغيل، يرى محللون أن ما يحدث هو امتداد لسياسة ثابتة تقوم على "تمرير الفاتورة" للمواطن، في وقت تتراجع فيه قدرته الشرائية بشكل غير مسبوق.
زيادات متلاحقة بلا سقف واضح
وبحسب القرار الجديد، ارتفعت أسعار تذاكر المترو إلى 10 جنيهات حتى 9 محطات بدلاً من 8 جنيهات، و12 جنيهاً حتى 16 محطة، مع تثبيت بعض الشرائح الأعلى، فيما طالت الزيادات تذاكر القطارات بنسبة تصل إلى 25% للخطوط القصيرة، و12.5% للخطوط الطويلة.
ورغم تأكيد وزارة النقل أن هذه الزيادات ضرورية لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة، فإن الواقع – بحسب خبراء – يشير إلى موجة تضخم جديدة ستطال أسعار السلع والخدمات، نتيجة ارتفاع تكلفة النقل، الذي يعتمد عليه ملايين المصريين يومياً.
الحرب شماعة.. والسياسات ثابتة يرى اقتصاديون أن ربط زيادة الأسعار بالحرب الدائرة في المنطقة يعكس توجهاً رسمياً لاستخدام الأزمات الخارجية كغطاء لتمرير قرارات اقتصادية صعبة، في حين أن جذور الأزمة أعمق، وترتبط بسياسات مالية قائمة على الاقتراض والتوسع في الإنفاق دون عائد إنتاجي كافٍ.
ويؤكد هؤلاء أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً ليس العامل الوحيد، بل إن اعتماد مصر المتزايد على الاستيراد، وتراجع قيمة العملة، يزيدان من حدة الأزمة، ما ينعكس سريعاً على الخدمات الأساسية.
بيع الأصول.. حل سريع أم تعميق للأزمة؟**
بالتوازي مع هذه الزيادات، تواصل الحكومة سياسة بيع الأصول العامة وطرحها للاستثمار، باعتبارها أحد حلول سد فجوة التمويل، وهو ما يثير انتقادات واسعة، إذ يعتبره معارضون "حلاً قصير الأجل" لا يعالج جذور الأزمة، بل يفاقمها على المدى البعيد.
وفي ظل هذه المعادلة، يجد المواطن المصري نفسه أمام موجات متتالية من الغلاء، تبدأ من الوقود ولا تنتهي عند النقل، وسط غياب رؤية واضحة لتخفيف الأعباء أو تحسين مستويات الدخل.
مخاوف من موجة غلاء جديدة
ومع توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، يرجح خبراء أن تشهد الفترة المقبلة زيادات إضافية في أسعار الوقود والخدمات، ما قد يدفع معدلات التضخم إلى مستويات أعلى، ويزيد من الضغوط على الأسر، خاصة مع اعتماد نحو 7 إلى 8 ملايين مواطن يومياً على المترو والقطارات.
في المحصلة، تكشف الزيادة الأخيرة – وفق مراقبين – عن نمط اقتصادي مستمر، عنوانه تحميل المواطن تكلفة الأزمات، في وقت تتراجع فيه الخيارات وتضيق مساحة المناورة أمام الشارع المصري.