عامان على اندلاع ثورة 25 من يناير التي أطاحت بحكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ورغم ارتفاع سقف التطلعات والأحلام ب(مصر جديدة) حلم بها أهلها على ضفاف أنهار من دماء الشهداء، إلا أن ما كشفته تفاعلات العامين الماضيين من عمر الثورة هو ارتفاع ملحوظ في سقف الاحباط وخيبة الأمل لدى قطاعات واسعة من المصريين، قد يكون مفيدا معها اجترار عبارة الأستاذ هيكل أن "ثوار مصر صعدوا إلى القمر ثم طلبوا كيلو كباب" وذلك في تعبير واضح عن أزمة عاشتها الثورة عقب تنحي مبارك تخبطت دروبها وتاهت عن الطريق إلى بر الأمان، وتحول أطرافها من يد واحدة الى اياد تتناحر وتتطاحن بحثا عن كرسي السلطة الشاغر في بلد على حافة الهاوية الاقتصادية، واليوم يجد المرء نفسه مرغما على القول إن الثوار لم يبلغوا حتى أضعف الإيمان وهو ما رآه هيكل "كيلو الكباب"، لأن مصر بأكملها وليس ثوارها فحسب وجدت نفسها تختار أطنان الألغام مستجيرة من مبارك إليه، وراكنة الى البيات بياتا ربيعيا طويلا محتضنة تلك الألغام في صندوق مزين بعبارات الديمقراطية والحرية الآسرة. لا يعني ذلك بالطبع الحديث عن حصاد نهائي ل25 من يناير، فالثورة ما تزال مستمرة مع عدم وفائها بأهدافها، لكن الاستحقاق الرئيسي لاستمرار الثورة يقتضي اعادة التفتيش في ذلك الطرف الخفي الذي وظف القناع الديمقراطي وأستأجره لحساب عملياته الخاصة، قافزا على أهداف ثورة المصريين خبز حرية عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، فتلك الأهداف تتصادم في جوهرها مع مصالح الداعم الرئيسي للديكتاتورية في منطقة الشرق الأوسط، والعدو الأوحد لحركات التحرر العربية وموجات المد الثوري، ولنا في التاريخ المعاصر مواقف كاشفة تثبت بالدليل القاطع أن أي حراك شعبي يرتقي الى مستوى التغيير الجذري يلقى عداء شرسا من واشنطن ويستدعي تحريك خلاياها ووكلائها الاقليميين لمواجهة أي خروج عن النص المكتوب بعناية في دوائر الاستخبارات والأمن الأميركية. لا مجال للشك في أن تاريخ ال15 من مارس كان نقطة فاصلة في مسار تلك الثورة، فهو نفس التاريخ الذي رفض فيه ائتلاف شباب ثورة ال25 من يناير لقاء هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية، وحينها قال أحد شباب الائتلاف أن رفضهم لقاء "كلينتون " والتحاور معها حول أهداف وتداعيات ومطالب ومبادىء الثورة لمعارضة (الائتلاف) أى نوع من الوصاية الدولية في شأن ثورة وطنية قام بها الشعب المصرى وحده، وأثبت للعالم كله أنه قادر على التظاهر السلمي والضغط لتوصيل صوته وتحقيق مطالبه ومحاربة الفساد من أجل مستقبل أفضل لمصر حرة بعيدة عن التدخلات الأجنبية أو المخططات الأمريكية مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير. والحق أن المرء لم يكن ليقتنع أن يمر هذا التصريح مرور الكرام على الطرف الأمريكي، وها هو شريط الأحداث يمر أمام العين ليجد الخطى تسارعت منذئذ لتهميش هؤلاء الشباب الذين فهموا الأهداف الحقيقية لثورتهم، وأيقنوا أن وجودها في المجال المغناطيسي الأمريكي عامل وأد لها، وبالطبع كان الرد الالتفافي الأمريكي الجاهز هو إرساء العطاء على أطراف محافظة طيعة ممن خرجوا في لحظة متأخرة من الثورة وهم بلا شك الإخوان والسلفيين، وكان الإغراق الدولاري والدعم الإعلامي الإقليمي يجري بصورة موازية مع الضغوط السياسية الأمريكية على المجلس العسكري الحاكم لادارة المرحلة الانتقالية من اليسار الى اليمين ولصالح الصراع بين نظام مبارك ومعارضة نظام مبارك من الاسلاميين، لتنتهي نظريا الخطوات الانتقالية بانتخابات رئاسية تخير المصريين بين طرفين يبقى تنافسهما ليس صراعا اغريقيا بين الخير والشر، بل في جوهره صراع سياسي على الاستبداد والخدمة في البلاط الأمريكي. لا عجب اليوم أن نجد الأجندة الأمريكية هي همزة الوصل بين ما قبل ال25 من يناير وما بعدها ولا بأس من غض الطرف عن أي شئ حتى لو كان دستورا يناهض الديمقراطية، فالنموذج الأمريكي المرسوم لرأسمالية المحاسيب وكبار المحتكرين والعمولات وقروض صندوق النقد الدولي ورفع غطاء الدعم عن الفقراء ورهن مقدرات مصر لاعبين اقليميين مستجدين هي الحل الاقتصادي الجاهز، وعلى الصعيد السياسي يبقى الاستبداد الداخلي مقبولا طالما كانت القبلة هي استرضاء الأمريكي والسعي لنيل بركاته عبر زيارات متكررة تبرر كل همسة تخرج من بين شفتي النظام، ولن ياتي ذلك بالطبع الا عبر بوابة أمن اسرائيل كأولوية لنيل الرضا الأميركي لتسحق مطلب تعديل كامب ديفيد وتهيل التراب على رؤية ايديولوجية تلعن الصهيونية وتقبحها، بل والعمل قدر الجهد على توطيد التطبيع الاقتصادي باتفاقيات الغاز والكويز، وذلك بلا شك نموذج اجابة جاهز لم يرى القائمون على شؤون مصر الآن داعيا للتمرد عليه بحجة الأزمة الاقتصادية والسعي لما يعرفونه ب(النهضة!!). إن جوهر أزمة مصر الحقيقية في اللحظة الراهنة هو أن القوى والنخب السياسية التقليدية حكما ومعارضة وعلى اختلاف اطيافها تحاول اعادة عقارب الساعة للوراء، وفي محاولاتها للتكالب على المواقع والادوار وحصد الغنائم تسقط من حساباتها جيل جديد من الشباب خاصم مدرجات كرة القدم وصار يهتف بالحرية ويصرخ ضد القمع والظلم والاستبداد والتبعية، وأخشى ما أخشاه أن يتأخر هذا الأدراك الى مدى لا يمكن تحمل عواقبه. Comment *