الجيش السوري: نهاية الخيارات لمسلحي «قسد» في حلب    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    الدولار يرتفع 0.8% أمام الجنيه المصري خلال أسبوع وفق بيانات «المركزي»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حقيقة موقف الإسلام من الشعر
نشر في المصريون يوم 12 - 02 - 2010

هناك مقولات تسربت في تراثنا العربي القديم دون تمحيص ، وتلقتها الأجيال المتعاقبة بشيء من التسليم مرجعه إلى تقديس كل ما هو قديم متوارث ، والتحرز من الخوض فيه ، أو محاولة اختبار مدى صدقه .
من ذلك النوع : تلك الأكذوبة التي شاعت وذاعت وملأت كثيراً من مؤلفاتنا وهي أن الإسلام وقف من الشعر موقفاً عدائياً ، وحد من انطلاق الشعراء ، واستند مروجو هذه الفرية إلى عدة أسانيد من أهمها :
1- قوله تعالى { وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } [الشعراء/224-226].
2- ما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . وكذلك رواه أبو هريرة وذكره ابن رشيق القيرواني في العمدة .
3- وروت لنا كتب التراث أقوالاً بلغت من الشهرة والذيوع حداً يكاد يصل بها إلى نوع من التسليم منها :
أ‌- ما ذكره ابن قتيبة ، ت 276ه ) منسوباً إلى الأصمعي : “ إن الشعر نكد بابه الشر ، فإذا دخل في الخير ضعف ولان ، هذا حسان بن ثابت فحل من فحول الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط شعره ” .
ب‌- ما نسبه قدامة بن جعفر ، ت 337ه ) إلى أهل الفهم بالشعر والشعراء قديماً من إجماعهم على أن “ أعذب الشعر أكذبه ” .
ج - تلك الروايات المتناثرة عن موقف الخلفاء الراشدين من الشعراء وأشهرها وأكثرها دوراناً في كتب التاريخ ما روي من أن عمر بن الخطاب  زجر حسان بن ثابت حين سمعه ينشد الشعر في مسجد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسجن الحطيئة حين هجا الزبرقان بن بدر ، وأنذر النجاشي الحارثي بقطع لسانه حين هجا بني العجلان .
وسوف نناقش فيما يلي تلك المقولات السابقة :
وجوه في تفسير الآية الكريمة :
من المتواضع عليه بين علماء التفسير والفقهاء أن من المستقبح عزل آية من سياقها وتفسيرها بشكل حاسم يترتب عليه حكم ، بل إن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، كما أن من القواعد الثابتة في الإسلام أن السنة توضح عموم النص القرآني ، وأمثلة ذلك كثيرة منبثة في كتب التفسير والحديث والعلوم الفقهية .
ونكتفي بشاهد واحد هنا من شواهد كثيرة ذكرها العلامة الفقيه أبو محمد البَطَلْيوسي في كتابه “ التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين ” حيث قال ما خلاصته “ وربما وردت الآية غير مستوفية للغرض المراد من التعبد ، وورد تمام الغرض في آية أخرى ، فقوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ }[البقرة/186].يشير إلى عموم إجابة الله تعالى لكل من دعاه ، ثم قال في آية أخرى { بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ }[الأنعام/41].فدل اشتراط المشيئة في هذه الآية الثانية على أنه مراد في الآية الأولى "
وبهذا الفهم ، إذا استعرضنا الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة الشعر أو الشاعر في القرآن يمكننا أن نستنتج أن الاهتمام الأول للقرآن : هو نفي أن يكون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاعراً ، وذلك دفعاً لتهمة كونه شاعراً التي اتهمه بها المشركون .
ولعل السبب الحقيقي لاهتمام القرآن بنفي الشعر عن الرسول ، هو ما كان قائماً في أذهان العرب حينئذٍ من ارتباط بين الشعر والجن ، فقد آمن العرب إيماناً راسخاً بأن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه ما يقول ، فقال قائلهم :
إني وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
بل إننا نجد في القرآن الكريم ما يشير إلى أن بعض العرب كانوا يعبدون الجن ، فذلك قوله تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهََؤُلاَءِ إِيّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنّ أَكْثَرُهُم بِهِم مّؤْمِنُونَ }[سبأ/40-41].
ويمكننا أن نستدل على هذه الحقيقة – حقيقة عبادة بعض العرب للجن – إلى جانب الآية القرآنية ، بدليل ثان هو قول عبد الله بن الحارث السهمي أحد شعراء المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة في بدء الدعوة الإسلامية حيث قال – يصف حال المهاجرين المضطربة بعد طردهم من مكة - :
“ نفتهم عباد الجن من حر أرضهم فأضحوا على أمر شديد البلابل ”
وقد كان من الشائع في ثقافة عرب الجاهلية ارتباط الشعراء والكهان بالجن والشياطين إذ كانت تانك الطائفتان من الناس ، الشعراء والكهان ، على درجة عالية من البلاغة والفصاحة ، والقدرة على التأثير النفسي ، كما كان الشاعر أو الكاهن من النوعيات النادرة الوجود فقد نقلت إلينا كتب التراث أن القبيلة كانت تحتفل احتفالاً كبيراً حين يولد فيها شاعر وليست الولادة هنا ولادة بيولوجية ، بل المقصود حين تكتشف الموهبة عند فرد من أفرادها .
ذلك أن الشعر كان لسان العرب ، وكان وسيلتهم الإعلامية ، كما كان سلاحاً من أسلحة الحياة البدوية . كل ذلك فضلاً عما يتميز به الشاعر أو الكاهن من استعداد فطري في الطبع لمخالفة العادة بما تهيأ في طبعه من غرابة الأطوار ، ورهافة الحس ، والميل إلى التأمل والشرود .
وحين جاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم العرب بدعوته الجديدة ، كانوا قبل الجهر بها يلاحظون على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخالفته لعقائدهم الوثنية ، وميله إلى العزلة ، وانقطاعه الدائم عن لهوهم وعبثهم ، وعكوفه المتصل على التأمل والوحدة في غار حراء . فلما فاجأهم بدعوته إياهم إلى ترك ما كان يعبد آباؤهم ، وعبادة إله واحد ليس من جنس آلهتهم ، كان ذلك شديد الوقع على نفوسهم ، وكانت هذه صدمة خاطفة لعقائدهم ، فلم يملكوا إلا أن يتهموا النبيَّ محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمروق عن العادة ، ومجاوزة المألوف ، والتحدث بالأمور الغريبة التي يتحدث بها عادة الكهان أو الشعراء أو السحرة . وهذه الفئات الثلاث ترتبط بالجن والشياطين .
ولذلك كان نفي تهمة السحر والكهانة والشعر عن النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجهاً من وجوه إثبات النبوة ، ولنقرأ الآيات التي ورد فيها النعي على بعض الشعراء في سياقها العام ولنلاحظ أن سورة الشعراء سورة مكية :
{ هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىَ مَن تَنَزّلُ الشّيَاطِينُ . تَنَزّلُ عَلَىَ كُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ . وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ . إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }[الشعراء/ 227].
فالسياق العام للآيات يدعو إلى التشنيع بالكذب ، والتهمة الموجهة إلى الشعراء أنفسهم في الآيات هي الكذب { يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وبذلك استحقوا التشبيه بمن ورد ذكره قبلهم من الكنهة أولياء الشياطين الذين تنزل عليهم الشياطين بعد أن تتسمع إلى الملأ الأعلى فتوحي إليهم بعض ما استمعت إليه على ما ذهب إليه الإمام الزمخشري .
وإذا نظرنا إلى الآيات من منظور لغوي لم نبعد كثيراً من هذا الفهم ، فليس بعيداً أن يكون قوله تعالى { وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ }[الشعراء/224] ، في موضع العطف بالواو من باب عطف الجمل، أو أن تكون الواو للقطع والاستئناف ، ويكون التقدير : وكذلك الشعراء يتبعهم الغاوون . وفي ظل هذين الاحتمالين يظل الربط بين الشعراء ومن قبلهم { كُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ } قائماً في وجهين : الأول : الكذب ، والثاني : التلقي عن الشياطين .
ومن هنا يتضح لنا أن اهتمام القرآن الكريم ينفي الشعر عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مرجعه إلى ما رسخ في أذهان عرب الجاهلية من علاقة ارتباط بين الشعر – كالكهانة والسحر- والشياطين ، ويتصل بهذا أن ما توحي به الشياطين يغلب عليه الكذب والدجل ، وما يتفوه به الشعراء يغلب عليه التهويم والخيال وليس هذا شأن الأنبياء ولا شأن القرآن .
على أن للقضية جانياً آخر ، وهو أن القرآن ، وهو يشرِّع لحياة المسلمين ما كان لينهاهم عن فن هو من المباحات ، ولو صح ما استنتجه بعض المتحذلقين من فهم سقيم لمدلول هذه الآيات ، لأصبح الشعر حراماً أو في حكم الحرام ، وليس كذلك .
وجوه في مناقشة الحديث :
وأما الحديث النبوي الذي ذكره ابن رشيق القيرواني منسوباً إلى أبي هريرة من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . فيمكن الرد عليه من وجوه :
الأول : أن هذا الحديث ذُكر أمام السيدة عائشة رضي الله عنها ، فقالت : عن أبي هريرة  :" لم يحفظ "، تعني أنه نسي نص الحديث الأصلي ) وإنما قال ، أي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) . . . من أن يمتلئ شعراً هُجيت به " وقد عرض الشيخ تاج الدين السبكي لهذه المسألة في الجزء الأول من كتابه " طبقات الشافعية " .
الثاني : ما رواه ابن رشيق نفسه في كتابه العمدة بعد ذلك حيث أورد حديثين شريفين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولهما : “ الشعر كلام من كلام العرب جزل ، تتكلم به في بواديها ، وتسل الضغائن من بينها ” ، والثاني قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : “ لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين ” .
ولسنا نناقش أسانيد هذه الأحاديث الثلاثة ، فعلى الأقل لو افترضنا أنها على درجة متقاربة من حيث صحة السند ، فإن حديثين يغلبان حديثاً ، وبخاصة أن السيدة عائشة قد صححته بما لا يجعله قيداً على عموم الشعر ، وإنما هو قدح في الشعر الذي هُجي به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحينئذٍ لا يكون هناك تناقض بين الأحاديث الثلاثة ، ويندفع الالتباس .
الثالث : والوجه الثالث والأهم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان طوال حياته مهتماً بالشعر والشعراء ، ومواقفه العديدة التي فصلتها كتب التراث - والتي سنذكر بعضها بعد قليل - تشهد بذلك .
مناقشة آراء النقاد القدامى :
وأما ما رواه ابن قتيبة منقولاً عن الأصمعي من أن الشعر نكد يقوى في الشر ، ويلين ويضعف في الخير ، واستشهاده على رأيه ذاك بشعر حسان بن ثابت ، وما ذكره قدامة بن جعفر من إجماع أهل الفهم على أن " أعذب الشعر أكذبه " فيمكن الرد عليه من وجوه :
أولها : أن مثل هذه الأحكام العامة قيلت في البواكير الأولى التي شهدت مولد النقد الأدبي العربي ، وهي لا تعتمد على منهج علمي بقدر ما تشير إلى حكم انطباعي سريع .
ثانيها : أن حسان بن ثابت واحد من أبرز ثلاثة شعراء من الأنصار أحاطوا بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم : حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وقد أسلم حسان بن ثابت في سنٍ متقدمة نسبياً ، فقد مرّ من عمره في الجاهلية ما يقرب من خمسين سنة ، ولذلك لم يكن تطور شعره شيئاً خارقاً بل إنه كان أكثر الثلاثة الشعراء الأنصار استمساكاً بتقاليد القصيدة الفنية . لا من حيث الشكل ، بل من حيث المضمون ، فقد استقر لدى الدارسين أن حسان بن ثابت كان أقدر الشعراء الثلاثة في هجاء المشركين على تعييرهم بمثالبهم القبلية ، وذكر أيامهم في الجاهلية .
يشاركه في هذا كعب بن مالك ، على حين كان عبد الله بن رواحة يعيِّر المشركين بكفرهم ، بل إن حسان بن ثابت لم يستطع التخلص من الفخر بقومه الخزرج ، حتى إنه كان أحياناً يفتخر بقومه أمام الرسول ، كما نجد لحسان قصيدة مدح بها الرسول احتوت مقدمتها الطللية التي مطلعها :
عفت ذاتُ الأصابعِ فالجِواءُ إلى عذراءََ منزلُها خلاءُ
على وصف مجلس من مجالس الخمر فذلك حيث يقول :
ونشربُها فتتركنا ملوكاً وأُسْداً ما يُنَهْنِهُنا اللقاءُ
على الرغم من أن هناك احتمالين واردين إزاء هذا المطلع في هذه القصيدة :
أولهما : أن يكون هذا المطلع قد نظمه حسان في جاهليته ، وثانيهما : أن يكون قد نظم القصيدة كاملة قبل تحريم الخمر . ولكن هذين الاحتمالين لا يكفيان لنفي أن حسانا لم يضعف شعره في الإسلام ، ولم يَتَخَلَّ كثيراً عن الأصول الفنية للشعر ، يضاف إلى هذا أن حسان بن ثابت قبل الإسلام ، لم يكن من فحول الشعراء إذا ما قورن بمعاصريه كالنابغة الذبياني والخنساء وعلقمة بن عبدة .
الرسول والشعر :
وللرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواقف عديدة مع الشعر والشعراء تشير في مجملها إلى تقديره صلى الله عليه وعلى آله وسلم للشعر ، واهتمامه برسالة الكلمة الشاعرة ، ودورها الفعال في تلبية الحاجات الإنسانية ، وإدراكه مالها من أثر في نفوس العرب وسلوكهم ، كما تعبر من جانب آخر عن ملكة عربية أصيلة في نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تذوق الشعر الجيد والإثابة عليه .
وأريد أن أقسم مواقفه تلك إلى أقوال وأفعال ، فمن أقواله ، وإن كان بعضها ضعيفا ) في شأن الشعر :
** إن من الشعر لحكمة ، أو لحِكَماً .
** إعطاء الشعراء من بر الوالدين .
** لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين .
** الشعر كلام من كلام العرب جزل ، تتكلم به في بواديها وتسل الضغائن من بينها .
وأما أفعاله :
فمنها تشجيعه لحسان بن ثابت في أكثر من مقام على قول الشعر في هجاء المشركين وأخباره شائعة في كتب الأدب ، ومنها ما جاء في كتاب الإصابة مما يوحي بأن الرسول كان قد وفد عليه من بني تميم وعنده الصلصال بن الدلهمس فقال قيس بن عاصم : يا رسول الله عظنا عظة ننتفع بها ، فوعظهم موعظمة حسنة ، فطلب قيس من الجالسين أن ينظموا موعظة الرسول شعراً ، فلم ينكر الرسول ذلك وأرسل إلى حسان بن ثابت ، فقام الصلصال فقال : يا رسول الله قد حضرتني أبيات ، أحسبها توافق ما أراد قيس .
فقال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتها ، فأنشد الصلصال :
تجنب خليطاً من مقالك ،إنما قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
ولابد بعد الموت من أن تعده ليوم ينادي المرء فيه فيقبل
وإن كنت مشغولاً بشيء فلا تكن بغير الذي يرضى به الله تشغل
ولن يصحب الإنسان من قبل موته ومن بعده إلا الذي كان يفعل
ألا إنما الإنسان ضيفٌ لأهله يقيم قليلاً بينهم ثم يرحل
ومن مواقفه العملية كذلك مواقفه مع الشعراء الذين هجوه من الكفار ، فقد كان عفوه عن كعب بن زهير وعن سارية بن زنيم بسبب ما قالا من اعتذار في ثوب شعري قشيب ، وما أشهر قصيدة كعب بن زهير التي اعتذر بها ومطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يُفْدَ مكبول
ولما قتل النضر بن مالك – أو ابن الحارث – وبلغ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم رثاء أخته قتيلة له دعبتها على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قالت :
أمحمدٌ ولأنت نسل نجيبة في قومها ، والفحلُ فحلٌ مُعْرقُ
ما كان ضرك لو مننت وربما مَنَّ الفتى وهو المَغِظُ المُحْنَقُ
فالنضر أقرب من قتلت قرابةً وأحقهم إن كان عتْقٌ يُعْتَقُ
لو كنتَ قابلَ فديةٍ لفديتُه بأعز ما يغلو لديك ويُنْفَقُ
فتأثر النبي الكريم ، وقال : لو سمعت هذا قبل قتله لمننت عليه ، أي ما قتلته ) ،
من ذلك كله نستنتج أن الأفكار الشائعة ، والأحكام العامة التي تتصل بالعلاقة بين الإسلام والشعر لا تصيب كبد الحقيقة ، بل إنها مجازفات منهجية وثرثرة لا تستند إلى دليل ، وبخاصة إذا رجعنا إلى ذلك الكم الهائل من شعر الصاحبة والتابعين الذي ورد في ثنايا مصادر تراثنا الخالد .
==================
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.