النائب عمرو الشلمة: توجيهات الرئيس السيسي خطوة هامة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين    النائب أحمد السبكي: توسيع مظلة الحماية الاجتماعية يؤسس لمرحلة أكثر عدالة    بعد توجيهات السيسي، خبير يكشف ملامح حزمة الحماية الاجتماعية المرتقبة وموعد التطبيق    أخبار مصر اليوم: حزمة جديدة للحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأولى بالرعاية، موعد تطبيق مد سنوات التعليم الإلزامي ل 13 عامًا، حالة الطقس خلال الأسبوع الأول من رمضان    وزير الخارجية: وضعنا خطوطًا حمراء إزاء الوضع بالسودان.. وأي تجاوز لها سيقابل برد فعل مصري صارم وقوي    زيلينسكي: أمريكا تقترح ضمانات أمنية لمدة 15 عاما.. لكن أوكرانيا تحتاج لأكثر من 20 عاما    الرئيس اليمني يؤكد ضرورة مشاركة الاتحاد الاوروبي فى إنهاء الأزمة فى اليمن    ليفربول ضد برايتون.. محمد صلاح يعزز رقمه القياسي    أحمد موسى بعد تصريحات آبي أحمد باجتماعات الاتحاد الإفريقي: لن يكون لإثيوبيا مكان على البحر الأحمر    وصول 4 رواد فضاء جدد إلى المحطة الدولية بدلا من طاقم ناسا الذي تم إجلاؤه    سويسرا تؤكد إجراء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف الأسبوع المقبل    أول تعليق من محمد صلاح بعد الفوز أمام برايتون في كأس الاتحاد الإنجليزي    المساهمة ال 200.. فينيسيوس يقود ريال مدريد لتحقيق انتصار كبير على سوسييداد    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    صلاح: كنت تحت الضغط أثناء ركلة الجزاء.. والتتويج بالكأس يعتمد على سوبوسلاي    صفا سليمان تحصد فضية بطولة أوروبا المفتوحة للجودو    كأس الاتحاد الإنجليزي، ليفربول يتقدم على برايتون بهدف في الشوط الأول    الزمالك: عقود احترافية للاعبين الشباب بعد تصعيدهم للفريق الأول    كواليس إحباط محاولة تهريب "تاجر مخدرات" من أيدي الشرطة بقويسنا    مصرع شخصين فى حادث تصادم أثناء عبورهما الطريق الصحراوي بوادى النطرون    إصابة 4 أشخاص في انقلاب توك توك بطريق السلام في المطرية بالدقهلية    ضبط المتهم بفيديو سرقة دراجتين ناريتين بالقاهرة    مصرع شخص وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم على طريق الفيوم القاهرة    هدى شعراوى تتصدر الترند من جديد فى قضية قتلها    عمر خيرت يروى حكايات الغرام بحفل عيد الحب فى دار الأوبرا    التنمية المحلية: تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الألعاب النارية برمضان    «مش محتاجة لجان».. مي عمر ترد بقوة على اتهامات دعمها إلكترونيًا    عمر خيرت يداعب وجدان جمهور عيد الحب بأشهر مقطوعاته الموسيقية (صور)    7 أصناف من الفواكه تقلل الانتفاخ واضطرابات الهضم    انفوجراف| 9 خطوات للتسجيل في منصة التحقق البيومتري لتأمين بيانات المواطنين    رسالة نارية من أحمد موسى ل "آبي أحمد"(فيديو)    تفاصيل أكبر حركة للمحافظيين 2026    تعاون أكاديمي.. جامعتا المنصورة والمستقبل العراقيّة تُعلِنان انطلاق الدراسة    تعليم دمياط يحصد وصافة الجمهورية في مسابقة أوائل الطلبة للمرحلة الثانوية    محمود التراس يكتب: التغيير الوزاري يدعم قطاع العقارات ويعزز النمو الاقتصادي    موجة غضب وانسحابات بسبب تصريحات رئيس لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي عن غزة    المخرجة شيرين عادل: مسلسل الكينج يقدم كوكتيل درامي متكامل في رمضان    قطار يدهس ربة منزل وابنها في أسوان    محامي أسرة فتاة "ميت عاصم" يتنحى عن القضية: رفضت أن أكون شريكًا في الظلم    12 عامًا من الكفاح والعمل غدًا.. مؤتمر الجمهورية الخامس «السيسي بناء وطن»    السعودية تقرر إيقاف شركتي عمرة لمخالفة إلتزامات سكن المعتمرين    اهتمام متجدد.. ريال مدريد يضع كوناتي ضمن خيارات تدعيم الدفاع الصيف المقبل    أوقاف الإسكندرية تعلن خطة دعوية وقرآنية شاملة لاستقبال شهر رمضان    زحام شديد أمام لجان الاقتراع لانتخابات نقابة محامي جنوب القاهرة (صور)    عاجل | «الفجر» تنشر أبرز تصريحات السيسي خلال اجتماع الحكومة.. دعم نقدي قبل رمضان وصرف المرتبات مبكرًا وحزمة إصلاحات اقتصادية جديدة    بعد توجيهات الرئيس.. هل تساهم انتحابات المحليات في تفعيل الدور الرقابي؟    كيف يؤثر نقص عنصر غذائي واحد أثناء الحمل على صحة الأم والجنين؟    روبوتات ذكية لخدمة المشاركين بمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن الكريم    مصرع شاب بطعنات نافذة في مشاجرة بكفر الشيخ    حين يتحول الخلاف إلى معركة.. هل تؤثر السوشيال ميديا على العلاقة بين الرجل والمرأة؟‬    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التطور الديمقراطي أو النيابي في مصر تاريخ لا يدعو للاعتزاز ..د. زكريا سليمان بيومي
نشر في المصريون يوم 13 - 12 - 2005

كثيرا ما يردد بعض الكتاب والمفكرين بافتخار الأصول التاريخية للحركة النيابية في مصر علي عادة التلويح بالجذور التاريخية للتحول الديمقراطي المعاصر وأنه مطلب داخلي قديم وليس فرضا ينتظر الإملاء من القوي الخارجية . ويرجع هذا البعض أصول هذه التجربة – ومن منطلق أيديولوجي – إلي الحملة الفرنسية حين أسس نابليون ديوانا يناقش فيه العلماء الذين ضمهم إلي الديوان وكيف كان بداية لتناول القضايا العامة . ولم يتطرق الكثير من هؤلاء من منطلقهم الأيديولوجي الرامي إلي ربط التنوير بالغرب الأوربي وبأفكار الثورة الفرنسية وخلو التاريخ الإسلامي حتي العصر العثماني من مثل هذه المؤسسات حتي ولو كانت مغرضة المقصد أو سلبية النشأة , لم يتطرقوا إلي إقرار نابليون بقوة المشايخ والعلماء في مصر وتأثيرهم الشعبي الذي أفرزته المساجد ودور العلم علي الرغم من تواضعها , وكيف أن هذا الإقرار هو الذي دعاه إلي اللقاء بهم لتسويق أفكاره وأطماعه السياسية والثقافية التي قوبلت بالرفض من قبل هؤلاء المشايخ علي الرغم من اعترافهم بالتفوق العلمي الذي بلغته فرنسا , وليؤكدوا أن المساجد وحلقات العلم والتراث الحضاري في مصر أقوي وأدوم تأثيرا من ديوان نابليون . والحلقة الثانية من البعد التاريخي لهذه التجربة النيابية أو الديمقراطية كما يحلو للبعض تسميتها تتمثل في اختيار بعض العلماء والمشايخ لمحمد علي وطلب تعيينه واليا علي مصر ورضوخ السلطان العثماني لمطلبهم . والحقيقة أن محمد علي قد أدرك قوة تأثير هؤلاء العلماء علي الأهالي أو الشعب في صنع الأحداث مما دعاه للتقرب منهم والتودد بل والتذلل إليهم ووعدهم بأنه إذا اختاروه سيقيم العدل ويرفع الظلم ولا يفعل أمرا إلا بمشورتهم , واستدر عواطفهم بشكل تمثيلي مخادع فطلبوا اختياره , وبعد اختياره انقلب عليهم ونفاهم وشردهم حتى يستبد بالأمر ولا يجد من يحاسبه أو يغيره . وإذا جاز القبول بأنها رغم محدوديتها تعد تجربة فإنها مليئة بالغش والخداع من جهة وأنها تؤكد دور البعد الديني في الحياة السياسية من جهة أخري , وهي لهذا تجربة في مجملها لا تدعو للاعتزاز . والتجربة الأخرى التي يستشهد بها البعض علي تاريخ الحياة النيابية في مصر هي تجربة الخديوي إسماعيل عندما أسس مجلس شوري القوانين , فقد أسسه بانتخابات صورية مزيفة سيق إليها الفلاحون سوقا , ولم يكن القصد من تأسيس هذا المجلس قاصرا علي تقريب أعضائه الأعيان من إسماعيل فقط بل بقصد مساعدتهم له من خلال هذا المجلس علي جمع المزيد من الضرائب علي حساب شعب منهك كي يخرج من أزمته المالية التي وضعته في فك القوي الأجنبية , وكذلك لكي يبدو أمام هذه القوي أنه يسير في طريق الارتباط بالغرب كي يأمن علي نظامه من مخططاتهم . وعلي ذلك فلا يمكن أن يعتبر مجلس إسماعيل من الدلائل أو الشواهد علي وجود شكل من أشكال الحياة النيابية أو الديمقراطية في مصر , فهو مجلس من وضع وفرض الحاكم لا تلبية لطلبات ورغبات المحكومين , كما كان أغلب أعضائه ينتمون إلي شرائح أجنبية لاتمثل مصالح شعب مصر من قريب أو بعيد أو تتوافق مع جزء منها , وكان مديرو المديريات هم الذين يختارون النواب , ويقوم النواب بإبلاغ الناس برغبات الخديوي وما عليهم سوي الموافقة فقط في وقت لم يكن من حق النواب فيه أو غيرهم تلقي شكاوي الأهالي . وكان النواب يعملون في وظائف حكومية يصعب معها مراقبة أو مساءلة أنفسهم من خلال المجلس , وكانت مهمتهم هي الطاعة لرغبات الخديوي , فحين أراد الخديوي تقليد الجمعية الوطنية الفرنسية وبرلمانات أوربا طلب من الأعضاء تقسيم أنفسهم في الجلوس فقط بين اليمين واليسار والوسط جلسوا جميعهم في اليمين رغم إدراكهم لصورية المسألة . وحين عزل إسماعيل وعين ابنه توفيق مكانه وأمر أعضاء المجلس بالبقاء في قراهم امتثلوا للأمر دون إبداء أي رأي . وعلق أحد أبرز المؤرخين المصريين , وهو الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفي , علي هذا المجلس بقوله : " أن التحول في مصر لم يتم بشكل تدريجي وبشكل عضوي نابع من ظروف محلية إذ ارتبط بإرادة حكام فرضوا علي البلاد إصلاحات معينة بقصد اقتباس مظاهر معينة من الحضارة الغربية وبالتالي لم تقترن بيقظة ذهنية فظل النمط العقائدي سائدا دون أدني تغيير " . وتوارت أي أشكال للحركة النيابية الصورية بعد الاحتلال حتى أوجدتها لعبة السياسة وصرع قواها في مطلع القرن العشرين , ففي أعقاب تولي الخديوي عباس حلمي الثاني 1892 م وكان شابا صغيرا , لم تترك له سلطة الاحتلال من السلطة ما يرضي غروره , فاتجه إلي دولة الخلافة صاحبة السلطة الشرعية في مصر , واستقطب إليه كوادر معارضة للاحتلال وموالية لدولة الخلافة كان من أبرزهم مصطفي كامل والشيخ علي يوسف , وساعدهم علي تأسيس صحف لتأليب الرأي العام المعارض بطبيعته للإنجليز مثل صحيفة المؤيد للشيخ علي يوسف و اللواء لمصطفي كامل , ولعب البعد الديني دورا في زيادة مؤيديهم . فبادرت سلطات الاحتلال بتجميع المقربين إليها من أصحاب الثقافة الغربية ودعاة القومية من أمثال أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وسعد زغلول وغيرهم وكونت منهم حزبا سياسيا هو حزب الأمة , فسارع مصطفي كامل بعون من الخديوي وأسس الحزب الوطني , وأسس الشيخ علي يوسف حزب الإصلاح علي المبادئ الدستورية . والملاحظ أن هذه الأحزاب في مجموعها قد تكونت حول الصحف , وبإرادة سياسية أسهمت في تحريك إرادة جماهيرية , لكنها بدأت بداية مقلوبة من حيث كونها محاولات لزعامات تبحث عن قواعد شعبية وليست قواعد شعبية تفرز زعامات , ولهذا عرفت بالأحزاب الصحفية . وحين قامت الجمعية الوطنية تدخلت سلطات الاحتلال في اختيار أعضائها من خلال لعبة الانتخابات المفبركة , واستخدمتها في سن القوانين الخاصة بكبح جماح الحركة الوطنية وسجن المعارضين من أمثال محمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش والشاعر علي الغاياتي , ثم سن القوانين الخاصة بتهميش اللغة العربية لتحل محلها اللغة الإنجليزية في مسعى لتغيير هوية المجتمع الثقافية . وتوارت هذه التجربة في أغلبها عقب قيام الحرب العالمية الأولي التي أضافت بتطوراتها العديد من عوامل التذمر لدي جموع المصريين الكادحين وكانت من أهم أسباب قيام ثورة شعبية 1919 م . ثم كانت تجربة نيابية أخري نتجت عن ثورة 1919م أدت إلي إعداد دستور في 1923م لتقوم علي أساسه هذه التجربة , لكن هذا الدستور قد خلا من حقوق الكادحين من عمال وفلاحين الذي قاموا بالثورة ووقع منهم الشهداء , ذلك لأن الذين صاغوه هم أصحاب المصالح من كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال فراعوا فيه مصالحهم دون مصالح أو مطالب الثوار , فضاعت دماء شهداء الثورة سدي , وانحصرت التجربة النيابية في الجانب السياسي الذي كان أصحاب المصالح يرون فيه حماية لمصالحهم , وخلا ميدان المقاومة إلا من خطب المحامين الرنانة التي لم تزحزح الاحتلال. كما أن أصحاب المصالح قد راعوا من خلال التجربة البرلمانية تأكيد احتمائهم بسلطة الاحتلال لتلاقي مصالحه بمصالحهم أمام أي هزة شعبية , واستعدي القائمون علي التجربة الاحتلال ضد الأصوات المطالبة بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي من تيارات اليسار أو تيارات اليمين , فبدت التجربة في مجملها ديكورية صورية لا تستوجب الاعتزاز وبالشكل الذي مهد للتغيير السياسي في 1952 م. واختفت التجربة الديمقراطية في الحقبة الناصرية علي الرغم من احتواء ما عرف بمبادئ الثورة علي بند يقر بالسعي لإقامة حياة ديمقراطية سليمة , وهذا البند كان إقرارا بفساد التجربة السابقة وتعهدا – لم ينفذ – باستبدالها . وفي أعقاب حرب رمضان ( أكتوبر 1973 م ) والتحول إلي النظام الرأسمالي رأي الرئيس السادات توسيع دائرة الحوار الذي كان سجالا بين التيار الإسلامي وبقايا التيار اليساري من الفترة الناصرية والليبراليون الجدد , فاقترح – في شكل توجيه – إقامة نظام المنابر أو الأحزاب السياسية كبداية لتجربة ديمقراطية جديدة مازالت ممتدة حتى الآن . ولم تستقطب هذه التجربة جموع المصريين الذين اقتصر ميراثهم الثقافي عن هذه التجارب بأنها قاصرة علي النخبة , وفي نفس الوقت عاجزة أو غير راغبة في تحقيق العدل الاجتماعي , وعلل بعض المثقفين هذا الأمر بأن الديمقراطية لاينبغي أن تكون منحة من الحاكم للمحكوم بل تكون نتاج ثقافة تبلور مطالب الشعب فتفرض نفسها علي الحاكم والمحكوم معا , ولهذا أبدي الناس في مصر عزوفهم عن المشاركة في التجربة الديمقراطية يأسا من جدواها بعد تحول النخبة السياسية المهيمنة من الاتحاد القومي إلي الاتحاد الاشتراكي إلي حزب مصر إلي الحزب الوطني بشكل لا يختلف كثيرا عن الحكم الشمولي الأوحد . لكن أمورا كثيرة في مسيرة التطور التكنولوجي والمعرفي في العقدين الأخيرين قد حطمت الكثير من المسلمات , فلم يعد من الضرورة انتظار التطور التدريجي لثقافة الديمقراطية , فدول شرق أوربا التي عاشت في الدائرة الشيوعية أو المعسكر الاشتراكي أقبلت واندمجت في التجربة الديمقراطية في غضون سنوات قليلة من زوال هذا الطوق بعد تفكك الاتحاد السوفييتي , وسارت دول أخري بسرعة نحو هذا التحول إلي الديمقراطية في أعقاب استقلالها كالهند وماليزيا وأندونيسيا وجنوب إفريقيا وغيرها . ومع ذلك فإن الدول العربية مازالت تحيط نفسها بتحفظات عديدة في طريق التحول إلي الديمقراطية , ولا تقتصر هذه التحفظات علي الأنظمة السياسية وحدها كما يري البعض بل إن قطاعا عريضا من الشعوب العربية قد بدت أكثر تحفظا بسبب الموروث الثقافي الذي يشكل الدين مكونا رئيسيا فيه لدرجة أن قطاعا منها لا يريد أي وافد من الغرب حتى ولو كان يحمل معه التلويح بالحرية التي تحملها التجربة الديمقراطية . ولعل هذا الأمر يجعل مايسمون بدعاة التنوير يهاجمون هذا القطاع من التيار الديني والأنظمة السياسية علي السواء ويصورون هجومهم هذا علي أنه نضال شبيه بالنضال الذي خاضه المفكرون الأوربيون الأوائل في بدايات عصر النهضة . ولعل من أهم عوامل التحفظ وعدم الرغبة في الاندفاع نحو التحول الديمقراطي هو الإحساس بنزعة العداء والاستعلاء التي يلمسها العرب والمسلمين في الثقافة الغربية المعاصرة والممتدة جذورها إلي فترة الحروب الصليبية ثم الحقبة الاستعمارية الممتدة حتى الآن والمتمثلة في إقامة الكيان الصهيوني ثم احتلال العراق وأفغانستان والسيطرة علي منابع النفط وتهديد الدول الإسلامية لحساب الدولة العبرية . كما يرتبط في أذهان الكثيرين بأن التجربة الديمقراطية تجربة برغم بريقها مفروضة من الأقوي علي الأضعف أو الغالب علي المغلوب وهي بالتالي تمس كبرياء العربي والمسلم وتمس بالتالي كرامتهم . كما أن من أهم عوامل تحفظ العرب والمسلمين علي الدخول في التجربة الديمقراطية هو يقينهم باحتواء المنهج الإسلامي لنموذج أقوم وأقدر علي تحقيق الحرية والعدل الاجتماعي أكثر مما يحتويه النموذج الديمقراطي الغربي . وإذا كان من الضروري مجاراة التطور العصري فإن السعي لبلورة نموذج محلي يقوم علي خصائص إسلامية يسهم في تأكيد الخصوصية الحضارية لشعوبنا ويشكل واقيا ضد الذوبان في العولمة التي تؤكد هيمنة القطب الواحد الأمريكي علي العالم . ويجد العرب والمسلمون من الأحداث ما يؤكد صدق تحفظهم في الإقبال علي التجربة الديمقراطية وفق الطرح الغربي في الدور الأمريكي والأوربي المساند للأطماع الصهيونية في المنطقة العربية , والنزعة المعادية للمسلمين في العالم التي أعلنتها قيادة المحافظين الجدد في أمريكا والتي أكسبوها ثوبا دينيا . ولاشك أن هذه التطورات الخارجية والداخلية في مجموعها قد أسهمت في ازدياد شعبية التيار الإسلامي أو ما يسمي بتيار الإسلام السياسي في مصر وهو ما أثار قلقا في أوساط النظام السياسي , فقد استطاع أتباع هذا التيار النفاذ إلي مواطن التأثير الهامة في مصر بشكل أسهم في تضاؤل تأثير التيارات الأخري , وأن التوسع النسبي في الديمقراطية كما يري النظام قد يؤدي إلي إقصاء بقية القوي بل وربما تقويض التجربة الديمقراطية نفسها بعد تمكن أتباع التيار الإسلامي من السلطة . ولعل تصوير الأمر بهذا البعد قد دعا الأنظمة السياسية العربية لطرحه كوسيلة من وسائل تخفيف الضغط الواقع عليها من الدول الغربية بضرورة الإسراع في طريق التحول الديمقراطي , ويصورون من خلال ذلك كيف أن مثل هذا التحول سيفسح الطريق لسيطرة أو قوة تأثير
التيار الإسلامي بشكل قد يعرض مصالح الغرب للخطر . وبالطبع فمثل هذا التصور الذي يجانب الحقيقة في أغلبه قد يدعو الغرب إلي غض الطرف عن المطالبة بالتحول الديمقراطي , بل وربما تقويضه في مهده كما حدث في نموذج جبهة الإنقاذ في الجزائر , أو مساعي التحجيم النسبي للتيار الإسلامي في التجربة الديمقراطية في الأردن واليمن والمغرب والسودان . ولاشك أن ذلك يؤكد عدم مصداقية الغرب فيما يطرحه علي الساحة السياسية كما هو معروف عنه في بقية الساحات وهو أمر يسهم في عرقلة التحول الديمقراطي وبخاصة وفق النموذج الغربي . وتجد الأنظمة السياسية العربية إلي جانب العوامل الخارجية المعوقة للأخذ السريع بالتحول إلي الديمقراطية وتحجيم التيار الإسلامي عوامل داخلية , ففي مصر يبرر النظام رفضه السماح بوجود التيار الإسلامي علي الساحة السياسية بوجود الأقباط , لكن مثل هذا المبرر ليس كافيا من قبل أتباع التيار الإسلامي بل وربما ليس مقبولا لدي الأغلبية من المصريين حيث يشكل التيار الإسلامي نسبة كبيرة وجارفة في مصر يصعب تجاهلها في طريق التحول الديمقراطي , كما أن وجود أقلية مسيحية لا يمنع من هذا التحول كما هو في أمريكا نفسها التي يوجد بها أقلية مسلمة وكذلك في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها وبها أحزاب قامت علي أسس دينية . كما أن الخلل الذي أصاب الأحزاب السياسية المصرية منذ نشأتها المقلوبة وغير الطبيعية هو من أهم أسباب الفشل في استيعاب هذا التيار أو ذاك , وأن إصلاح هذا الخلل مرهون بمدي النجاح في تحقيق إصلاح سياسي شامل في الفترة القادمة . وقد يكون من المتوقع ألا تعاود السياسة الأمريكية السير في طريق اتباع أساليب معادية للتيار الإسلامي قي مصر سعيا لتحسين صورتها التي ازدادت سوءا بعد فشل دورها في العراق , وبسبب تشوه صورتها الراجع إلي السياسة المزدوجة التي تتبعها في الدعم الظاهري للتحول الديمقراطي والعمل علي تحجيمه في الحقيقة كما هو في التجارب العربية السابقة والذي يسهم في أن تكون هذه الدول أكثر قوة . ولكن هذا الأمر مازال ظنيا نظرا لتخوف أمريكا من نمو التيار الإسلامي في مصر وفي فلسطين , إلي جانب النموذج الإيراني , وقد يسهم في ازدياد دور المقاومة لمخططاتها في العراق وأفغانستان , وازدياد الخطر علي حليفتها الصهيونية بالتالي , وقد يؤدي إلي انشغالها بالصراع في المنطقة العربية بشكل يتيح الفرصة لنمو قطب أو أقطاب جدد يقلصون أحلامها في الانفراد بالهيمنة المنفردة في القرن الحالي علي الأقل . ولاشك أن كل هذه الأبعاد ستضع التجربة الديمقراطية في مصر وفي غيرها من البلاد العربية برمتها في ميزان التاريخ . ** أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر[email protected]

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.