من منظمة الصحة العالمية التي صنفت اضطراب الألعاب كمرض نفسي، إلى صرخات الاستغاثة التي يطلقها أولياء الأمور بعد أن فقدوا السيطرة على أبنائهم؛ يبدو أن الشاشات المضيئة لم تعد مجرد وسيلة للتسلية، فنحن أمام مخدر رقمي، لا يحتاج إلى حقن أو حبوب، بل إلى اتصال بالإنترنت فقط، ومن هنا، نشأت فجوة رقمية عميقة سدتها الألعاب الإلكترونية بمحتواها الجاذب وخطورتها المتوارية، وحينها لم يعد التحدي في كيفية لعب ‹ببجي› أو ‹فورتنايت›، بل في كيفية العودة منها إلى أرض الواقع، خاصة وأن الألعاب الإلكترونية أصبحت خطورتها توازي إدمان المواد المخدرة، الأمر الذي استدعى أن تعلن وزارة الصحة عن تشغيل 6 عيادات متخصصة في التعافي من الإدمان الرقمي، في محاولة لمواجهة الأنياب الخفية لهذا العالم الافتراضي، ورسم خارطة طريق للنجاة قبل أن تلتهم الشاشات مستقبل جيل بأكمله. أدركت الدولة المصرية أن الاستثمار في الصحة هو الاستثمار الأبقى والأهم وقت أن أطلقت حملة 100 مليون صحة، وكان لها النجاح الذي يشهد له القاصي والداني بعد أن قضت على فيروس سي، لكن الأمر الأخطر هنا، أن هناك الكثير من التحديات التي لا تقل خطورة عن فيروس سي، أحد هذه التحديات هو الإدمان، مرض العصر، والمفهوم هنا لا يشير فقط إلى إدمان المواد المخدرة، بل يتطرق أيضًا إلى الألعاب الإلكترونية، التي أصبحت لا تقل خطورة عن إدمان المخدرات، لذلك، جاءت الخطوة الحاسمة من الدولة عندما أطلقت وزارة الصحة في نوفمبر 2024 مبادرة «صحتك سعادة» تحت مظلة حملة 100 مليون صحة، بهدف تعزيز الصحة النفسية للمواطنين، وتقديم خدمات الوقاية والعلاج المجاني، ومكافحة الإدمان، باعتبارها جزء أساسي من التنمية الشاملة وجودة الحياة، وفي فبراير 2026، أعلنت وزارة الصحة للمرة الأولى تشغيل عيادات متخصصة لعلاج إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، في خطوة اعتبرها الكثيرون في غاية الأهمية، خاصة عندما تبين أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب ألعاب الإنترنت، يكرسون في الجلوس أمام الكمبيوتر والانخراط في أنشطة الألعاب من 8 ل10 ساعات أو أكثر يوميًا، وما لا يقل 30 ساعة في الأسبوع. بل الأدهى والأمر هنا أنهم إذا مُنعوا من استخدام الكمبيوتر، والعودة إلى اللعبة، فإنهم يصبحون مضطربين وغاضبين، وغالبًا ما يمضون فترات طويلة دون طعام أو نوم، بالإضافة إلى إهمال الالتزامات العادية، مثل المدرسة أو العمل، أو الالتزامات العائلية. أفعال مخالفة وهنا، تبيّن أن الألعاب الإلكترونية، وألعاب المراهنات، استطاعت أن تتغول في العقل الجمعي لكثير من المراهقين والأطفال وأصبحت جزءًا من حياتهم الخاصة، لا يستغنون عنها، ويفضلون قضاء أغلب ساعات يومهم وهم يمارسونها، لكن في المقابل، قد يقومون بأفعال مخالفة لمواصلة ممارسة هذه الألعاب، كالسرقة والكذب والاحتيال، وكثير من التصرفات الإجرامية الأخرى، إلى جانب اكتساب سلوك عدواني مضطرب، وأمراض نفسية قد يصاب بها هؤلاء نتيجة انخراطهم في هذه الألعاب، قد تصل إلى الاكتئاب، وهو ما حذر منه الكثير من الأطباء النفسيين خاصة عند الأطفال. ومع خطورة الوضع، وتفاقمه، أصبحت حتى مسألة النصائح لن تجدي نفعًا، وبات التدخل الحاسم لا مفر منه، ولا غنى عنه، وأن الأحاديث المتعلقة بتحديد وقت محدد أثناء اللعب، وإبعاد جميع أجهزة الألعاب بعيدًا قبل النوم لن تقوم بشيء ما لم يحدث تدخل حقيقي، وأن فكرة البدائل، كالأنشطة مثلا، التي يمكن للمراهق القيام بها بدلاً من الألعاب، كالتمارين والأنشطة البدنية وخاصة الأنشطة الخارجية والرياضة، ضرورية ومهمة، وقبل كل ذلك، أن يعترف مدمن الألعاب الإلكترونية أنه مدمن، وأنه لابد أن يُعالج. من أهداف مبادرة «صحتك سلامة» تقديم 10 خدمات نفسية متنوعة، تشمل دعم أطفال التوحد، علاج إدمان الألعاب الإلكترونية، دعم الصحة النفسية للسيدات الحوامل وكبار السن، ومرضى الأورام، والمسح الشامل للاكتئاب والقلق. وتركزت آلية العمل على دمج خدمات الصحة النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية لتسهيل الوصول إليها، مع إتاحة الاستشارات عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية، إلى جانب الاستبيان النفسي الذي يستهدف الفحص لملايين المواطنين، خاصة المقبلين على الزواج، للكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية، وهذه الآلية، اتضحت جليًا وقت أن أعلنت وزارة الصحة، عن تشغيل عيادات متخصصة في أكبر 6 مستشفيات للصحة النفسية في مصر، هدفها الأول علاج إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية. الإدمان الرقمي ووفق ما جاء في بيان وزارة الصحة؛ أن المرحلة الأولى من تشغيل هذه العيادات تشمل 6 مستشفيات كبرى، تغطي مناطق جغرافية واسعة، في القاهرة الكبرى، الدلتا، وجه بحري، والصعيد، بواقع عيادة أسبوعية كل يوم أربعاء في مستشفيات، العباسية للصحة النفسية، الخانكة للصحة النفسية، المعمورة للصحة النفسية بالإسكندرية، دميرة للصحة النفسية بالدقهلية، المنيا للصحة النفسية، وأسيوط للصحة النفسية. في حديثه ل«أخبار الحوادث»، أشار الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، إلى أن هذه العيادات تستهدف كافة الفئات العمرية، وتعمل وفق استراتيجية متكاملة، تشمل التشخيص المبكر عبر فحوصات دقيقة لتقييم حالات الاستخدام المفرط، تحديد «الساعات الآمنة» لكل فئة عمرية، توفير أدوات قياس رقمية من خلال استطلاعات استقصائية، و«استبيان إدمان الإنترنت» لتحديد المسار العلاجي المناسب، إلى جانب حملات توعية مكثفة عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية ومنصات التواصل الاجتماعي للتعريف بمخاطر الإدمان الرقمي. وأضاف «عبد الغفار»؛ أن هذه الخطوة، جاءت ضمن جهود مستمرة لمواجهة التحديات النفسية المعاصرة، خاصة في ظل انتشار الاستخدام الرقمي المفرط، بهدف حماية الصحة النفسية للأفراد والأسر، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الإدمان الرقمي وسبل الوقاية والعلاج. من جانبه، أكد الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، الانتهاء من تدريب 120 من الأطقم الطبية والعاملين بالعيادات، لضمان تقديم رعاية متكاملة وفق أحدث البروتوكولات العالمية، مع التركيز على رفع كفاءة الكوادر الطبية. وأشارت الدكتورة سالي نوبي، مدير المنصة الوطنية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى أن هذه العيادات تمثل خطوة جوهرية لحماية النسيج المجتمعي وتنمية الموارد البشرية، داعية المواطنين إلى الاستفادة من الخدمات التوعوية والتشخيصية المتاحة عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية. إشكالية الاعتراف هذه الخطوة، التي اعتبرها الكثيرون مهمة، اعتبرها آخرون أنها تحتاج إلى آلية عمل واضحة ومرنة، خاصة أن الإشكالية هنا، لا تتعلق فقط بالقدرة على علاج مدمني الألعاب الإلكترونية بقدر ما تتعلق بمدمني الألعاب الإلكترونية أنفسهم، خاصة أن السواد الأعظم منهم لا يتقبلون فكرة أنهم مدمنين، وأنهم يحتاجون إلى العلاج. هذه الإشكالية، تطرق إليها الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، في حديثه ل«أخبار الحوادث»، مشيرًا إلى أن إدمان الألعاب الإلكترونية مثل إدمان أي مادة مخدرة، لا فرق بينهما، حيث أن إدمان الألعاب الإلكترونية يغيّر نسبة الدوبامين داخل المخ، واليوم، عندما يلعب الطفل أو المراهق أو البالغ لعبة مراهنات أو لعبة فيها جانب من المتعة بالنسبة له، يشعر بنوع من النشوة العالية جدًا نتيجة ارتفاع الدوبامين كلما تفاعل مع اللعبة، وبالتالي في كل مرة يمارس هذه اللعبة، يبحث عن هذه النشوة، وبالتالي تصبح عملية تعودية، واستمرارها أصبح إدمانًا، حتى أنه عندما يبتعد عنها، تقل نسبة الدوبامين في المخ، وهو ما يجعله يشعر بالتعاسة والاكتئاب، وهو ما يحدث بالضبط عند إدمان أي مادة مخدرة. وأضاف «فرويز»؛ أنه حتى أعراض الانسحاب، تشبه أيضًا أعراض انسحاب المواد المخدرة، لا فرق بينهما، حيث يشعر باضطراب في النوم، اضطراب في المزاج، عصبية مفرطة، اضطراب في الأكل، وهنا لابد من توفير البديل، والبديل هنا يختلف طبقًا للشخصية، فالتعامل مع شخصية مضطربة يختلف تمامًا عن التعامل مع «أندر إيدج»، مثلا، فالشخصية الأكبر من 14 عامًا، تختلف حسب التشخيص، هل هو سيكوباتي أم مكتئب أم سلبي اعتمادي، لكن لو كان الشخص أقل من 14 سنة، هنا يتم تشخيص حالته بصعوبة في التواصل، وطبقًا لكل شخصية يتم البحث عن البديل الأنسب التي تتتوافق وحالته النفسية. وأوضح استشاري الطب النفسي؛ أن الخطوة الأهم هى كيفية خروج هذه الشخصية من الاعتماد اليومي على الألعاب الإلكترونية، ليتابع قائلا: «ما فعلته وزارة الصحة خطوة إيجابية جدًا، ولكن المشكلة هنا في كشف من هو المدمن أصلا، لأن أغلب المدمنين لا يعترفون بأنهم مدمنين، وهؤلاء لا يعترفون إطلاقًا بأنهم مدمني ألعاب إلكترونية، ويرون في هذه النقطة عبثا، حتى أن بعض الأهل لا يلتفتون إلى هذه المسألة، فأغلب ما يتم الإشارة إليه مثلا في أكثر الحالات، أن يشتكي الأهل من ابنهم لأنه يسرق، أو يكذب، أو يقوم بتصرفات عدوانية، أو تصرفات غير مفهومة، وعندما نتحدث مع الطفل أو المراهق، لفهم طبيعة شخصيته، نتأكد أن الأصل في كل هذه الأعراض أنه مدمن للألعاب الإلكترونية أو المراهنات، وأنه يسرق ليكمل اللعب، أو يكذب من أجل غرض ما يتعلق باللعب، وهكذا». واختتم «فرويز» حديثه قائلا: «الألعاب الإلكترونية – قولا واحدًا – هي «خراب بيوت»، بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ، لأن المدمن أصلا لن يتحدث عن إدمانه، ولن يعترف به، بل أنه يظهر عادة أمام الجميع بأنه مطيع، ومهذب، وبالتالي خطوة أن يأتي بنفسه ويعترف بإدمانه صعبة جدًا، وعليه، لابد أن يكون للأسرة دورًا في هذه الجزئية، وأن يدفعوا بأبنائهم دفعًا نحو العلاج، دون أن يخشوا شيئًا، فإدمان الألعاب الإلكترونية أصبح مرض العصر، وخطورته الأكبر في عدم التصدي له والتعافي منه». مليون حالة وفاة اتفق معه في هذه الجزئية، الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، قائلا: المسألة هنا هي كيفية إقناع مدمني الألعاب الإلكترونية أنهم يحتاجون للعلاج، وهذا دور الأسرة في المقام الأول، فعلى الجميع أن يتفهم أن المخاطر التي تحاك بالأجيال الجديدة كثيرة، وأخطرها ما يتم بثه من سموم عبر الألعاب الإلكترونية، التي تحولت من مجرد أداة للتسلية إلى إدمان لا يقل خطورة عن إدمان المخدرات، لذلك، هذه الخطوة التي قامت بها وزارة الصحة في تشغيل عيادات متخصصة لعلاج الإدمان، وفي أكبر 6 مستشفيات للصحة النفسية في مصر، غير مسبوقة، ومؤشر مهم يؤكد سرعة استجابة الدولة المصرية، في رعاية المواطنين والحرص على حالتهم الصحية والنفسية والجسدية. وأضاف «هندي»؛ أن الألعاب الإلكترونية هي تحطيم نفسي وجسدي ممنهج للأطفال والمراهقين، لأن مدمن الألعاب الإلكترونية يعطي الأولوية للعب على أي أمر آخر مهما كانت العواقب سلبية، حتى أن أغلب مدمني الألعاب الإلكترونية لا يلتفتون إلى حجم السموم الموجهة إليهم مهما كانت مخاطرها، كالسرقة والنصب والتحرش الجنسي، ويهتمون فقط بما تحققه هذه الألعاب من متعة زائفة، موضحًا أن الخطورة هنا في أنهم أصبحوا مؤهلين لأن ينخرطوا أكثر في إدمان أي مادة مخدرة، لأنه في قرارة نفسه أصبح مهيئًا لذلك، وبخلاف الأثر النفسي، فإدمان الألعاب الإلكترونية يصيب بضمور في العصب البصري، وإجهاد وجفاف بالعين، وتصل إلى الالتهابات، في العين والرقبة، وغيرها من الأعراض الجسمانية الخطيرة، حتى أن صحيفة «ديلي ميل» نشرت واقعة عن شاب ياباني يجلس أكثر من 5 ساعات يوميا على الألعاب الإلكترونية وأصيب بمتلازمة الرأس المتدلي. واستعرض «هندي» مخاطر الألعاب الإلكترونية قائلا: «أيضا من مخاطر الألعاب الإلكترونية ما يعرف بحالة اليقظة، وهي ما يؤدي إلى تهتك في المناعة، وبالتالي يصبح أكثر عرضة للأمراض الأخرى، بالإضافة إلى أن الألعاب الإلكترونية تسبب اضطرابات في النوم، وهو ما خلق حالة من الحالات سميت بالإجهاد الرقمي، ومنظمة الصحة العالمية أعلنت أن الإجهاد الرقمي مسئول عن مليون حالة وفاة سنويًا». وأشار الدكتور وليد هندي إلى أن التوجه الرئاسي بالاهتمام بالأطفال والمراهقين، والعمل على رعايتهم صحيًا ونفسيًا والحفاظ على لياقتهم البدنية، باعتبارهم الأمل في الحياة، وقواعد المستقبل التي يقوم عليها بناء مصر الحديثة، جاء في وقته، خاصة في مسألة التعامل مع المخاطر التي تحدق بالأجيال الجديدة على السوشيال ميديا، مضيفًا أن بعض الألعاب مثل لعبة روبلوكس، على سبيل المثال، تم حجبها داخل مصر في خطوة هدفها الأول والأخير الحفاظ على النشء من الانجراف في مثل هذه الأنواع من الألعاب، التي تستهدفهم وتستهدف صحتهم النفسية وسرقة أموالهم. وأوضح استشاري الصحة النفسية؛ أن منظمة الصحة العالمية أدرجته كأحد أخطر أنواع الإدمان في العصر الحديث، داعيًا إلى أهمية أن هناك وعيًا منتشرًا بخطورة هذا النوع من الإدمان، وأهمية هذه العيادات، حتي يقبل الناس عليها والاستفادة منها، والأهم هنا، أن تعمل هذه العيادات بالشكل الكافى، حتى لا يصرف عليها مئات الملايين لكن دون استفادة حقيقية تعود على المواطن، وهي بداية حقيقة لابد أن يبني عليها. كوكايين سلوكي وبعيدًا عن الجانب النفسي، يوضح الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، أن بيان وزارة الصحة المتعلق بإنشاء وتفعيل مراكز التعافي من الإدمان الرقمي يعكس إدراكًا مؤسسيًا متقدمًا لطبيعة خطر حديث بات يهدد الصحة النفسية والسلوكية للمجتمع، لا سيما الأطفال والمراهقين، مضيفًا أن خطورة الإدمان الرقمي تفرض التعامل معه باعتباره ظاهرة مركبة تتجاوز البعد العلاجي إلى أبعاد تقنية وتنظيمية وأمنية أوسع. وأضاف «محسن» في حديثه ل»أخبار الحوادث؛ أن الإدمان الرقمي ليس استخدامًا مفرطًا للتكنولوجيا فحسب، بل هو تعرض قهري لمنصات رقمية صُممت هندسيًا لتوليد الاعتماد النفسي، وأن هذه المنصات تعتمد على خوارزميات تعزيز السلوك، والمكافأة الفورية، والتمرير اللانهائي، بما يجعلها أقرب إلى ما يمكن وصفه ب «الكوكايين السلوكي»؛ تأثير سريع، متكرر، يستهدف مراكز المتعة في الدماغ، خاصة لدى الفئات العمرية غير المكتملة إدراكيًا. وأشار مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية إلى أن إنشاء مراكز التعافي من الإدمان الرقمي يمثل خطوة علاجية ضرورية للتعامل مع الحالات المتقدمة، لكنه يظل تدخلًا لاحقًا لوقوع الضرر، فالاعتماد على العلاج وحده يعني التعامل مع النتائج، بينما تظل الأسباب التقنية والسلوكية قائمة، وهو ما يستدعي التحول من منطق "العلاج فقط" إلى منظومة وقاية رقمية شاملة تبدأ من الطفولة المبكرة. وأفاد بأن قرارات الحجب، كما حدث مع بعض المنصات وعلى رأسها Roblox، تُعد إجراءً سياديًا مشروعًا عندما تتوافر دلائل على تهديدات نفسية أو أخلاقية أو أمنية، أو عند إخفاق المنصة في الالتزام بمعايير حماية الطفل. لكنه في الوقت ذاته، تطرق الدكتورمحمد محسن رمضان إلى جزئية خطيرة، وهي أن المقاربة التقنية تؤكد أن الحجب لا يعالج جوهر المشكلة، ويمكن التحايل عليه تقنيًا، ويدفع المستخدمين إلى منصات بديلة بنفس الفلسفة الإدمانية، موضحًا: «المشكلة ليست في منصة بعينها، بل في نموذج اقتصادي قائم على تعظيم زمن التفاعل بأي ثمن، وهو النموذج ذاته الذي يحول هذه التطبيقات إلى أدوات إدمان ممنهج وكوكايين سلوكي». ولمواجهة هذه الأدوات، يرى مستشار الأمن السيبراني أن التعامل الاحترافي مع الإدمان الرقمي يتطلب استراتيجية متعددة المسارات تشمل تنظيمًا تشريعيًا صارمًا يحد من الخوارزميات الإدمانية ويُلزم المنصات بحماية الفئات العمرية الصغيرة، وحلولًا تقنية وقائية لرصد أنماط الاستخدام القهري مبكرًا، وتفعيل أدوات التحكم الزمني والمحتوى، بالإضافة إلى دمج مفاهيم الصحة الرقمية في المناهج التعليمية، باعتبارها مهارة حياتية لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة، إلى جانب تأهيل الأسرة والمعلمين لفهم أن هذه المنصات ليست ألعابًا بريئة، بل أنظمة جذب نفسي عالي التأثير، وقبل كل هذا خلق بدائل مجتمعية حقيقية في الرياضة، والثقافة، والابتكار، لقطع دائرة الفراغ التي تغذي الإدمان. واختتم الدكتور محمد محسن رمضان بأن الإدمان الرقمي لم يعد مسألة فردية، بل أصبح تحديًا مجتمعيًا وأمنيًا ناعمًا يهدد جودة الوعي والإنتاج البشري، وأن الحجب أداة، والعلاج ضرورة، لكن الحماية الحقيقية تتحقق فقط عندما نواجه هذه المنصات بوصفها ما هي عليه فعليًا، مخدرات سلوكية رقمية مغلفة بالتسلية والتقنية، وأن المعركة معركة وعي، وأن المعركة ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد تحويل الإنسان – وخاصة الطفل – إلى مستهلك دائم للانتباه، وضد ترك عقولنا رهينة لخوارزميات صُممت لتُدمن لا لتُفيد. الأسرة حجر الزاوية من منظور تربوي بحت، أشار الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي؛ إلى أن الأسرة المصرية عليها واجب وطني يتمثل في التعاون الكامل في فهم آليات وتوجهات الوعي بطرق محاربة الإدمان الرقمي والإنترنت، وتطرق إلى أنه على الأسر أن تقدم للجهات العلاجية المختصة المعلومات السليمة عن الأبناء والبنات، ومراعاة الساعات الآمنة للممارسات السليمة،وضرورة التعاون المخلص بين الدولة من جانب والأسر من جانب آخر، حتى يتم بناء إنسان سوي للجمهورية الجديدة. وأضاف»شحاتة»؛ أن التوجه الصحي الاجتماعي العلاجي لمواجهة خطر إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية للأطفال والشباب، يتمثل فيما قامت به وزارة الصحة عندما أعلنت عن أدوار تشخيصية وعلاجية مبكرة من خلال فحوصات لتقييم الاستخدام المفرط، وتحديد الساعات الآمنة المسموح بها لممارسة الألعاب الإلكترونية، والتعامل الناجح مع عالم الإنترنت، حسب المراحل العمرية، ومن خلال أدوات قياس رقمية واستطلاعات استقصائية، ومسارات علاجية مناسبة تتحملها الدولة، مستخدمة أساليب التواصل الأسرى المتواصل للتوعية بمخاطر الإدمان الرقمي، وحتى يمكن للوزارة تقديم خدمات متكاملة تقوم بها اطقم طبية مدربة ومتخصصة. واختتم حديثه قائلا: «لذلك، فالدور الذي قامت به الدولة لابد أن يقابله دور آخر للأسر لا يقل أهمية، ودونها سوف تصبح العيادات عاجزة عن تحقيق النجاح، فالأولى الآن أن تؤمن الأسرة بأن هناك إدمانًا رقميًا، وأن خطورته كبيرة، وأن يعترفوا به، والاعتراف هو أول طريق العلاج». اقرأ أيضا: من الحوت الأزرق إلى مومو| الألعاب الإلكترونية يجب الحذر منها