د. إيمان الخميسى و رشا عدلى فى الوقت الذى يستعد فيه المصريون لاستقبال شهر رمضان بروح من البهجة والتكافل، تتكرر سنويا ظاهرة لافتة تتناقض مع جوهر الصيام، إذ تتحول موائد الإفطار لدى كثير من الأسر إلى ساحة للمبالغة فى الشراء والتكديس، بما ينعكس مباشرة على ميزانيات البيوت وحركة الأسواق.. فبينما يفترض أن يكون الشهر الكريم موسما للزهد وضبط النفس، تشير تقارير إلى ارتفاع فواتير الطعام بنسبة تتراوح بين 50 و100٪، مع تغير نحو 83٪ من الأسر لعاداتها الغذائية خلال رمضان، فى وقت يشكل فيه إنفاق الشهر وحده قرابة 15٪ من إجمالى الإنفاق السنوى على الغذاء. هذا التوسع فى الاستهلاك لا يعكس فقط خللا فى إدارة الموارد، بل يبتعد كذلك عن مقاصد الصيام كما أرادها الشرع، فرمضان شهر عبادة وعمل وإنتاج، لا موسما للإسراف فى الأطعمة والمشروبات. خبراء التغذية يحذرون من أن الإفراط الغذائى يفقد الصيام أبعاده الصحية والروحية، ويحول فرصة سنوية لراحة الجسد إلى عبء صحى متكرر، مؤكدين أن الاعتدال هو الطريق الأمثل للحفاظ على الأجواء الإيمانية دون الوقوع فى مشكلات صحية. اقرأ أيضًا | أمين «الأعلى للشئون الإسلامية»: بناء الوعى خط الدفاع الأول عن الأوطان على الجانب الاقتصادى، يرى خبراء أن زيادة الطلب غير المبرر تسهم فى اختفاء بعض السلع أو شحها، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع، فنصبح دون أن نشعر شركاء فى صناعة الأزمة التى نشكو منها لاحقا. فكل موجة شراء عشوائية تغذى دوامة الغلاء، وتثقل كاهل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.. يبقى رمضان شهر الرحمة والتقوى، لكن الحفاظ على روحه يتطلب وعيا جماعيا يعيد ترتيب الأولويات، ويرسخ ثقافة الاعتدال فى الإنفاق، حتى لا يتحول موسم الطاعة إلى موسم استهلاك مفرط يفرغ العبادة من مضمونها الحقيقى. المائدة والعبادة وفى هذا السياق يتحدث علماء ورجال الدين، حيث يقول الدكتور أحمد النبوى، أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إن اختزال شهر رمضان فى موائد ممتدة وأصناف متكدسة سلوك يفرغ الصيام من مضمونه الحقيقى، ويحول عبادة عظيمة إلى عادة موسمية، مؤكدا أن رمضان لم يُشرع ليكون موسمًا للاستهلاك أو التفاخر بكثرة الطعام، بل هو شهر إعادة بناء الإنسان من الداخل، شهر تهذيب النفس وضبط الشهوة وتقويم السلوك. وأضاف النبوى، أن الصيام ليس جوعا مؤقتا يعقبه إفراط، بل هو تدريب عملى على السيطرة والانضباط، فإذا تحولت لحظة الإفطار إلى سباق فى الكثرة والمبالغة، فإننا بذلك نخالف الحكمة التى من أجلها فُرض الصيام. روحانية الصيام وأوضح أن المبالغة فى الأكل والشرب لا تؤدى فقط إلى أضرار صحية، بل تنعكس سلبا على العبادة نفسها، قائلا: «كيف يُقبل الإنسان على التراويح والتهجد وقراءة القرآن وهو مثقل بالتخمة من الطعام؟ رمضان شهر صفاء روحى، لا امتلاء جسدى»، مؤكدا أن المقصد الأساسى هو الارتقاء بالأخلاق، وأن الامتناع عن الطعام نهارا يهدف إلى تهذيب الرغبات، لا إطلاقها بلا ضابط بعد أذان المغرب. وشدد النبوى، على أن الإسراف منهى عنه طوال العام، لكن مخالفته فى رمضان أشد، لأنه يتصادم مع روح العبادة، مؤكدا أن الإسلام دين الوسطية، وداعيا إلى الاعتدال فى كل شىء، ومن غير المقبول أن نتحدث عن الصيام كعبادة تزكية، ثم نحوله عمليا إلى موسم مبالغة ومفاخرة. وأشار إلى أن الاعتدال فى الإنفاق سلوك أخلاقى لا علاقة له بارتفاع الأسعار أو انخفاضها واختتم د. النبوى حديثه بالتأكيد على أن رمضان اختبار حقيقى لمدى قدرة الإنسان على التوازن، وأنه شهر مواقف وعبادات وأخلاق، وليس شهر أطباق متعددة، ومن فهم رسالته خرج منه أقوى إيمانًا وأصفى قلبًا. تصحيح المفاهيم ومن جانبه، أكد د. محمد السيد نصار، مدير عام شؤون المساجد بوزارة الأوقاف، أن شهر رمضان يظل موسمًا عظيمًا للطاعة والتقرب إلى الله، غير أن بعض الممارسات حولته لدى فئات من الناس إلى موسم استهلاكى تغلب عليه المبالغة فى المشتريات والبذخ فى الطعام، بتأثير العادات وبعض الإعلانات والبرامج الترفيهية، وهو ما يُفرغ الشهر من مضمونه الروحى. وشدد على أن الخطاب الدينى يواجه هذا الخلل بالتذكير بمقاصد الصيام التربوية، والدعوة إلى استثمار الشهر فى العبادة والعمل الصالح، وتجديد النية لإحداث تغيير حقيقى فى السلوك، وتحويل رمضان من دائرة العادات إلى فضاء العبادات. وأضاف مدير عام شؤون المساجد بوزارة الأوقاف، أن الوزارة خصصت خطبًا ودروسًا وقوافل دعوية لمعالجة هذه القضية، وأدرجتها ضمن مبادراتها التوعوية بالتنسيق مع مؤسسات الدولة، تأكيدًا على أن الاعتدال مسئولية دينية ووطنية. ضبط الرغبات وفى سياق متصل، أوضح د. عبدالرحمن رضوان، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف القليوبية، أن الخلل لا يكمن فى النعم نفسها، بل فى تجاوز الحد، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا». وأكد رضوان أن الخطاب الدينى يسعى إلى إعادة توجيه البوصلة، مؤكدًا أن رمضان شهر ضبط الرغبات وشهر القناعة والشعور بالفقراء، بعيدًا عن التبذير والمظاهر الكاذبة للرفاهية. فالصيام، بحسبه، مدرسة عملية تُعلّم الإنسان التحكم فى رغباته والتأجيل والاكتفاء، وهو ما يجعل دور الأئمة والدعاة فى تصحيح المفاهيم بالغ الأهمية، وبيان أن الإفراط يتناقض مع روح الصيام. وأشار إلى أن المنبر الدينى يؤدى دورًا محوريًا، خاصة فى الظروف الاقتصادية الصعبة، موضحًا أن المجتمع يحتاج إلى خطاب يوازن بين التوعية الدينية والواقع المعيشى، مضيفا أن الاعتدال ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة اجتماعية، وأن نجاح الخطاب يُقاس بمدى تأثيره على السلوك اليومى للناس، من خلال ربطه بحياة الأسرة اليومية، كالميزانية والتمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الكفاية والمبالغة. وسطية الإسلام ومن جانب آخر، تحدث د. عبدالله سلامة، عضو مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، قائلًا: تمتاز الأمة الإسلامية بأنها أمة وسطًا، وهو وصف منحه الله تعالى لها فى كتابه الكريم: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا»، مشيرا إلى أن الوسطية تعنى الاعتدال فى الدين والعقيدة والعبادة، وتمتد أيضًا إلى سلوكيات وأفعال الحياة اليومية. ولفت سلامة، إلى أنه مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يلاحظ البعض بعض الممارسات التى تتعارض مع هذه الوسطية، من أبرزها الإسراف والمبالغة فى الطعام والشراب، مؤكدا أن الإسراف صفة مذمومة شرعًا. الانفجار الاستهلاكى البيانات الاقتصادية تكشف حقيقة صادمة، حيث تقفز ميزانية الأسرة لتزيد على 100٪ مقارنة بشهور العام الأخرى، هذا «الانفجار الاستهلاكى» ليس نتاج حاجة غذائية حقيقية، بل هو ثمرة قرارات عاطفية تحت تأثير الجوع، وضغوط اجتماعية تدفع الأسر نحو اقتراض استهلاكى، هذا ما أكده د. عبدالرحمن طه، خبير الاقتصاد الرقمى والسلوك الاستهلاكى، مضيفًا: نحن فى رمضان نتناول وجبتين يوميًا، بينما فى بقية شهور السنة نتناول ثلاث وجبات، ولذلك ينبغى أن يقل استهلاكنا فى رمضان، لكن هذا لا يحدث على أرض الواقع، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى زيادة الاستهلاك إلى الضعف وربما أكثر، وهو من التناقضات الواضحة فى حياتنا الاقتصادية. وأضاف أن التحول الاقتصادى لشهر رمضان من شهر يُفترض فيه خفض الاستهلاك إلى موسم ذروة فى الإنفاق يُفسَّر بعاملين رئيسيين: الأول نفسى وسلوكى بربط الطعام بالطقس الدينى، والثانى تسويقى قائم على استغلال الشركات لحالة الجوع الجماعى وتكثيف العروض الدعائية قبل الإفطار مباشرة. وعلى صعيد متصل، يقول د. مجدى نزيه، استشارى التغذية العلاجية، إنه لا بد من تجنب تحويل رمضان من شهر صيام إلى شهر إسراف فى الطعام لتفادى النقمة الصحية، محذرا من ظاهرة الإسراف فى الطعام والشراب المرتبطة بالشهر الفضيل، مؤكدًا أن شهر الصوم يُعد موسمًا سنويًا للتخلص من كثير من الأمراض، لا للإصابة بأمراض جديدة نتيجة كثرة ما نضعه فى بطوننا، فضلًا عن العادات الغذائية السيئة لكثير من الصائمين. وحذر من «متلازمة الغيبوبة الغذائية» عند تناول وجبة إفطار ضخمة، حيث يتدفق الدم بكثافة إلى الجهاز الهضمى، مما يقلل من تدفقه إلى الدماغ، فينتج خمول شديد ونعاس وعدم القدرة على أداء صلاة التراويح أو القيام بأى نشاط بدنى. وأشار إلى اضطرابات الجهاز الهضمى، مثل الارتجاع المريئى وحرقة المعدة وعسر الهضم والانتفاخ، إضافة إلى التذبذب الحاد فى سكر الدم والأنسولين، خاصة عند البدء بالحلويات أو العصائر المحلاة، مما يؤدى إلى ارتفاع سريع فى سكر الدم يعقبه هبوط مفاجئ، فيدخل الصائم فى حلقة مفرغة من الجوع المتكرر.