بقدر ما كان التوصل للاتفاق المبدئى على وقف إطلاق النار بين الولاياتالمتحدةوإيران يمثل بارقة أمل لدى العالم كله فى إنهاء الأزمة والتوصل لاتفاق شامل يبعد نهائيًا شبح الحرب ويحقق ما تحدث عنه الرئيس الأمريكى نفسه بأنه عصر ذهبى للشرق الأوسط كله، بقدر ما كانت أجواء إسرائيل تغلى بمشاعر الغضب والاستنكار، والاتهامات تتوالى على نتنياهو بالفشل والهزيمة. والملاحظ هنا أن الجدل بين الحكومة والمعارضة كان يدور على أساس أن الاتفاق بين واشنطن وطهران كان يشمل إنهاء القتال فى إيران، وفى لبنان أيضًا. ثم جاءت المفاجأة الصادمة بالهجمة البربرية التى قامت بها إسرائيل وقصفت خلالها طائراتها الحربية أكثر من مائة موقع خلال عشر دقائق كلها مواقع مدنية وأغلبها فى العاصمة بيروت، ليسقط مئات الضحايا من الشهداء والمصابين فى مذبحة جديدة للدولة الصهيونية التى أصبحت عنوانًا أساسيًا للإرهاب فى المنطقة والعالم(!!).. كان واضحًا أن مجرم الحرب نتنياهو يريد إفشال الاتفاق الأمريكى - الإيرانى، ويرفض التخلى عن مخططات للتوسع فى لبنان وكل المنطقة، ويحاول الابتعاد عن صورة القائد المهزوم التى تلاحقه داخل الكيان الصهيونى. المثير للدهشة هنا أن يجد نتنياهو على الفور الغطاء لجرائمه، وأن نسمع من واشنطن أن لبنان ليس جزءًا من وقف إطلاق النار!!.. وبغض النظر عن تأكيد الوسيط الباكستانى أن وقف النار يشمل لبنان، والحديث الأمريكى عن مرحلة جديدة يسود فيها السلام والازدهار كل المنطقة، والحاجة إلى التهدئة على كل الجبهات لكى ينجح التفاوض ويصل الجميع إلى بر الأمان.. بغض النظر عن كل ذلك فإنه لا مجال لأى تبرير للمذبحة الإسرائيلية فى ظل اتفاق آخر لوقف إطلاق النار فى لبنان تم برعاية الولاياتالمتحدة فى نوفمبر 2024 ويُفترض أن تقوم واشنطن بالإشراف على تنفيذه ومنع أى انتهاك له. ما تفعله إسرائيل فى لبنان فى ظل اتفاق قائم بالفعل لوقف إطلاق النار من قتل للمدنيين واستهداف للبنية التحتية وتدمير للجسور والمنازل وإجبار أكثر من مليون لبنانى على النزوح وحتى المذبحة الأخيرة.. كلها جرائم حرب لا يمكن تبريرها أو التغاضى عنها. إفلات إسرائيل حتى الآن من العقاب على جرائمها فى حرب الإبادة على غزة جعلها تطمح فى السير على نفس الطريق وتهديد لبنان بتحويله إلى غزة أخرى لكى تتوسع إسرائيل أو يبقى نتنياهو وزعماء عصابات الإرهاب فى الحكم. إسرائيل لن تتوقف عن تدمير أى فرصة للتهدئة والاستقرار فى المنطقة. الكل يدرك أن مذبحة لبنان الأخيرة هى رد إسرائيل على اتفاق وقف النار بين إيران وأمريكا والتفاوض لإنهاء الحرب التى أشعلتها إسرائيل وتورطت فيها الولاياتالمتحدة. سيكون ايجابيًا ألا يتمكن نتنياهو بجرائمه المستمرة من إفشال المفاوضات المقررة فى إسلام آباد، لكن الأكثر إيجابية أن يكون واضحًا للجميع أن سلام المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يتحقق وهناك دولة مارقة تعتقد أنها فوق القانون وخارج المحاسبة مهما ارتكبت من جرائم ومهما انتهكت من قوانين. بالتأكيد.. نرجو أن يظل وقف إطلاق النار سائدًا فى الخليج، وأن يكون «التفاوض» هو الخيار الصحيح والنهائى لكل الأطراف.. لكن ذلك لا يعنى مطلقًا التسامح مع مذابح العدو الإسرائيلى فى لبنان أو انتهاكاته المتواصلة فى القدس والضفة وغزة. العكس هو الصحيح: إسرائيل هى الخطر الأكبر على كل جهود السلام فى المنطقة، مذبحة بيروت أعادت إغلاق «هرمز» لكنها أكدت للعالم كله أن التغاضى عن جرائم إسرائيل لم يعد ممكنًا وأن لبنان سيظل مسئولية «عربية» أولًا وأخيرًا.