قبل نحو 70 مليون سنة، كانت مياه جنوب مصر موطنًا لسلحفاة بحرية عملاقة، تعود اليوم إلى الواجهة عبر اكتشاف علمى حديث نُشر قبل أيام فى مجلة Cretaceous Research وهذا الكشف يوثق أضخم سلحفاة من فصيلة جلدية الظهر، ويعيد رسم خريطة انتشار هذه الكائنات عبر العصور. آخرساعة أجرت هذا الحوار مع الدكتور محمد كامل الجيولوجى فى كلية العلوم بجامعة الوادى الجديد والباحث الرئيسى للدراسة، الذى أكد أن السلحفاة المصرية العملاقة (Gigantochelys aegyptiacus) تمثل سابقة علمية تسد فجوة مهمة فى السجل الأحفوري، وتضع مصر فى صدارة هذا النوع من الاكتشافات. كيف بدأت قصة اكتشاف السلحفاة جيجانتوكيليس إيجيبتي اكوس في واحة الداخلة؟ ومتى أدركتم أن الكشف استثنائي؟ بدأت القصة خلال بعثة ميدانية لدراسة طبقات طفلة الداخلة بالصحراء الغربية، وهى صخور رسوبية دقيقة تكونت فى بيئة بحرية قديمة، وأثناء التنقيب ظهرت أجزاء من الحزام الحوضي، وهو الجزء العظمى الذى يربط الأطراف الخلفية بالجسم، لكن حجمها كان لافتًا بشكل غير طبيعي. أما اللحظة الفارقة فجاءت عند تنظيف فتحة عظمية تُعرف علميًا باThyroid fenestraب، وهى فتحة داخل الحوض تساعد على تخفيف الوزن وتوزيع الضغط، حيث وجدناها مقسمة بشكل غير مسبوق، وفى هذه اللحظة أدركنا أننا لا نكتشف مجرد سلحفاة، بل إننا أمام جنس ونوع جديدين تمامًا، وأطلقنا عليه اسم Gigantochelys aegyptiacus أو االسلحفاة المصرية العملاقةب تيمنًا باسم مصر وتوثيقًا لهويتها المصرية الخالصة. ما أبرز السمات التشريحية التى تميز هذه السلحفاة عن غيرها من نفس الحقبة؟ إلى جانب الحجم الضخم الذى يتجاوز ما هو معروف فى هذا النوع من السلاحف، تتميز بوجود الفتحة الحوضية المقسمة، وتضخم عظم الحرقفة (Ilium) وهو جزء رئيسى من الحوض، مع امتداد واضح فى عظام العانة. وهذه السمات تمثل ابصمة تشريحيةب تميزها عن نظيراتها المكتشفة فى أمريكا الشمالية وأوروبا، وتؤكد أننا أمام نوع فريد يضاف إلى سجل القارة الإفريقية. ما الأهمية العلمية العالمية لهذا الاكتشاف؟ هذا البحث مصرى خالص ونُشر فى مجلة Cretaceous Research، وتكمن أهميته فى أنه يوثق أضخم سلحفاة بحرية من فصيلة اجلدية الظهرب (Dermochelyidae)، وهى سلاحف لا تمتلك درعًا صلبًا بل يغطى جسمها جلد مدعم بعظام دقيقة، وهذا الاكتشاف من شأنه أن يغيّر المفاهيم المتعلقة بانتشار هذه الكائنات، ويسد فجوة كبيرة فى السجل الأحفورى لإفريقيا، بعد أن كانت معظم الاكتشافات السابقة تتركز فى أوروبا وأمريكا الشمالية. كيف يسهم هذا الاكتشاف فى فهم البيئة القديمة لجنوب مصر قبل نحو 70 مليون سنة؟ الدراسة أظهرت أن جنوب مصر فى العصر الطباشيرى المتأخر أى قبل انقراض الديناصورات مباشرة كان عبارة عن جنة استوائية مليئة بالحياة، كانت هناك سواحل دافئة ومياه ضحلة غنية بالغذاء، إضافة إلى غابات مانغروف كثيفة من نوع Nypa وهذه الظروف وفرت بيئة مثالية لنمو كائنات بحرية عملاقة، وهو ما يفسر وصول هذه السلحفاة إلى أحجام استثنائية. كيف ساعدت دراسة العظام فى استنتاج نمط حركة السباحة لدى هذه السلحفاة؟ اعتمدنا على ما يُعرف باالمورفولوجيا الوظيفيةب، أى دراسة شكل العظام لفهم وظيفتها، وتبين أن السلحفاة كانت تستخدم أطرافها كأجنحة قوية، فيما وفر الحزام الحوضى الضخم قدرة كبيرة على الدفع والتوجيه، وهذا النمط يُشبه االطيران تحت الماءب، ومكنها من السباحة لمسافات طويلة عبر المحيطات القديمة ببراعة وانسيابية. ما أكثر نتيجة أدهشتك أثناء التحليل والفحص المقطعى (CT-Scan)؟ المفاجأة كانت فى التركيب الداخلى للعظام، حيث كشف الفحص المقطعي، وهو تقنية تصوير تسمح برؤية ما داخل العظام دون إتلافها، عن بنية إسفنجية منخفضة الكثافة تُعرف باLow global compactnessب وهذا التركيب جعل الهيكل الضخم للسلحفاة خفيفًا جدًا تحت الماء ومقاومًا للضغط، تمامًا كتقنيات الغواصات الحديثة، مما سمح لها بالطفو والغوص بأقل مجهود عضلى. ما أصعب التحديات التى واجهتموها فى الصحراء؟ التحدى الأكبر كان الصراع مع الزمن والظروف المناخية القاسية، وعمومًا يتطلب العمل الميدانى دقة فائقة تحت شمس حارقة، مع الحفاظ على أعصاب هادئة للتعامل مع حفرية ضخمة لكنها فى منتهى الهشاشة بمجرد تعرضها للهواء. كيف قمتم بحماية الحفرية أثناء الاستخراج؟ وهل خفتم من ضياعها؟ استخدمنا تقنية االجاكيت الجبسيب، وهى تغليف الحفرية بطبقة من الجبس لعزلها تمامًا وحمايتها أثناء النقل. نعم، كانت هناك لحظات قلق، خاصة عند قلب الجاكيت، لأن أى خطأ قد يتسبب فى تدمير كنز عمره 70 مليون سنة، لكن بفضل خبرة الفريق والعمل الجماعى تمت العملية بدقة واحترافية. كيف تصف شعورك عند التأكد من أن الحفريات المكتشفة تعود لسلحفاة هى الأولى من نوعها؟ انتابنى شعور بالفخر الوطنى لا يوصف، فأن يقرأ العالم فى كبرى المجلات العلمية أن اأضخم سلحفاة فى العالمب مصرية والبحث مصرى، وهو أكبر مكافأة لى كباحث ولجامعتي. كيف ترى دور فريق جامعة الوادى الجديد والدعم الذى قدمته الجامعة؟ البحث ثمرة روح الفريق.. لقد كان دعم الدكتور عبدالعزيز طنطاوى (رئيس الجامعة وأستاذ الطبقات والحفريات والمشرف على البحث) المحرك الأساسى لنا، كما أن الخبرة الميدانية للدكتور جبيلى أبو الخير مدير مركز الحفريات الفقارية والمشرف على الدراسة كانت البوصلة، مع دعم كبير من عميد كلية العلوم الدكتور رضا حسانين، وهكذا أثبتت الجامعة أنها مركز عالمى متميز فى علوم الحفريات. فى ضوء هذا الاكتشاف، ما أهمية واحة الداخلة؟ وهل هناك اكتشافات أخرى واعدة؟ واحة الداخلة تُعد من أهم المواقع الأحفورية فى إفريقيا، ويمكن وصفها بأنها االأرشيف الطبيعيب الذى يوثق تاريخ قارة إفريقيا، وما زالت تخبئ الكثير من الأسرار، كما أننا نعمل حاليًا على عينات جديدة ستكون مفاجآت علمية مدوية فى القريب العاجل. متى بدأت علاقتك بالحفريات ولماذا اخترت هذا التخصص؟ بدأت منذ الصغر بشغف استكشاف المجهول، وقد اخترت التخصص فى مجال الحفريات لأنه العلم الوحيد الذى يسمح لك بالسفر عبر الزمن وإعادة الحياة لكائنات اندثرت، لتعرف من خلالها مستقبل كوكبنا. مَن هو قدوتك فى هذا المجال؟ قدوتى هم أساتذتى الذين تعلمت منهم الدقة والانضباط العلمي، وعلى رأسهم الدكتور عبدالعزيز طنطاوى والدكتور جبيلى أبو الخير، فمنهم تعلمت أن العلم أخلاق قبل أن يكون نظريات. ما النصائح التى توجهها للباحثين الشباب؟ الصبر مفتاح الصحراء، لذا أقول لكل باحث شاب: لا تكتفِ بالكتب، انزل للميدان وعامل الحفرية برفق وشغف، فالعلم يحتاج إخلاصًا فى العمل لتنطق الصخور بأسرارها. ما هى أحلامك للمستقبل؟ أحلم بإنشاء متحف عالمى للتراث الطبيعى فى الوادى الجديد، يضم كنوزنا المصرية المكتشفة، وعلى رأسها االسلحفاة المصرية العملاقةب، ليكون قبلة للعلماء والسيّاح من كل أنحاء العالم. اقرأ أيضا: عاشت قرنين وشهدت أحداث تاريخية.. نفوق أقدم سلحفاة أم هي كذبة أبريل؟