الشهادة من أهم وسائل الإثبات في الدعوى الجنائية، لما لها من دور محوري في كشف الحقيقة وتحديد مسؤولية المتهم عن الجريمة. وانطلاقًا من هذه الأهمية، حرص مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد على تنظيم إجراءات سماع الشهود أمام النيابة العامة من خلال وضع ضوابط دقيقة تكفل تحقيق العدالة، وتحمي حقوق جميع أطراف الدعوى، وتضمن سلامة الأدلة المستمدة من أقوال الشهود. ومنح مشروع القانون عضو النيابة العامة سلطة تقديرية في سماع شهادة من يرى لزوم سماعهم من الشهود، سواء لإثبات وقوع الجريمة أو بيان ظروفها أو إسنادها إلى المتهم أو نفيها عنه. وفي الوقت ذاته، ألزم النيابة بسماع الشهود الذين يطلب الخصوم الاستماع إليهم، بما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص بين أطراف الدعوى. كما أجاز سماع شهادة أي شاهد يحضر من تلقاء نفسه، مع إثبات ذلك في محضر التحقيق.
ونص المشروع على تعدد وسائل تكليف الشهود بالحضور، فلم يقتصر على الطرق التقليدية كالمحضرين أو أفراد السلطة العامة، بل أتاح أيضًا استخدام وسائل حديثة مثل الهاتف المحمول والبريد الإلكتروني المرتبط ببيانات الرقم القومي، وهو ما يعكس توجهًا نحو التحول الرقمي وتيسير الإجراءات.
كما وضع المشروع قواعد واضحة لكيفية سماع الشهادة، حيث أوجب أن يتم سماع كل شاهد على انفراد، مع منح عضو النيابة سلطة مواجهة الشهود ببعضهم البعض أو بالمتهم عند الحاجة. وألزم كذلك بالتحقق من شخصية الشاهد من خلال بياناته الأساسية، بما يضمن دقة المعلومات وموثوقيتها.
وفي ما يتعلق بحلف اليمين، أوجب المشروع على الشاهد الذي بلغ خمسة عشر عامًا أن يؤدي اليمين قبل الإدلاء بشهادته، مع مراعاة معتقده الديني إذا طلب ذلك، في حين أجاز سماع أقوال من لم يبلغ هذا السن على سبيل الاستدلال دون يمين، مراعاةً لاعتبارات السن.
وشدد المشروع على ضرورة تدوين الشهادة وإجراءات سماعها في محضر رسمي دون كشط أو تعديل، وعدم الاعتداد بأي تصحيح إلا إذا تم التصديق عليه من عضو النيابة العامة والكاتب والشاهد. كما أوجب توقيع جميع الأطراف على الشهادة بعد تلاوتها، مع إثبات أسباب الامتناع عن التوقيع إن وجدت، وهو ما يعزز من حجية المحضر ومصداقيته.
وكفل المشروع للخصوم حق إبداء ملاحظاتهم على الشهادة وطلب توجيه أسئلة إضافية، مع منح عضو النيابة سلطة رفض الأسئلة غير المتعلقة بالدعوى أو التي تمس بالغير، وكذلك حظر أي تصرف من شأنه التأثير على الشاهد أو تخويفه، بما يضمن حرية الشهادة وصدقها.