■ كتب: حسن حافظ واسطة العقد، ومفتاح الحُسن، تحيط بها المدارس والجوامع فتزيدها حسنا، كجيداء قهرت أترابها بجمالها وبهاء منظرها، هكذا جاءت مجموعة السلطان المنصور قلاوون في بين القصرين كجوهرة العمارة المملوكية البحرية في مصر، وكبرى محاسن شارع المعز، تحكى حكاية الحجر الذى روّضه البشر فجاء آية جمال لمن نظر، تأسر القلوب وتسحر العقول، وتعطى التكوين الجمالي لبين القصرين بشارع المعز فتنته التي لا تقاوم ومشهده الذى لا يُنسى. القادم من شارع بيت القاضي حيث وُلد نجيب محفوظ ذات يوم صوب بين القصرين سيجد أمامه قبة مجموعة قلاوون تنتصب فى فخامة، تفرض سطوتها على المكان وتعطى المنطقة كلها سحرها الذى لا يقاوم، هنا تسافر عبر الزمن إلى اللحظة التى بُنيت هذه المجموعة المعمارية التى تعد أقدم نموذج متكاملٍ باق لمجموعة معمارية متعددة الأغراض، فهى منشأة جنائزية تعليمية طبية دينية متكاملة، فجمال العمارة المملوكية يتجلى هنا ببذخ فيجمع بين الضخامة التى تجبرك على استشعار الضآلة أمامها، والانسيابية فى تطويع الفن المصرى لعناصر معمارية مختلفة، بحسب ما يقول محمد عبدالملك، الموثِّق الفوتوغرافى لمعالم القاهرة. ◄ اقرأ أيضًا | حكايات| «مجموعة السلطان قلاوون» عروس «شارع المعز» في قلب القاهرة مجموعة قلاوون المعمارية التي افتُتحت العام 685ه/ 1285م ضمت مدرسة لتدريس المذاهب السنية الأربعة، مزينة بمئذنة بديعة التكوين لإقامة الصلاة، وبجوارها قبة ضريحية دُفن فيها المنشئ السلطان قلاوون، وابنه السلطان الناصر محمد، وابنه السلطان الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، وجاءت تحفة المجموعة البيمارستان (المستشفى) الذى ظل المركز الطبي الأول في القاهرة لأكثر من 600 عام، لحين إنشاء مدرسة الطب الحديثة فى أبو زعبل، التى عُرفت بعد ذلك بمدرسة طب قصر العينى عصر محمد على فى القرن التاسع عشر الميلادى. بينما يقول حسن قاسم فى كتاب (المزارات الإسلامية والآثار العربية فى مصر والقاهرة): «لا يكاد الناظر إلى هذه المدرسة من الوجهة الفنية يُنعم النظر فيها مليًا حتى تأخذه الدهشة كل مأخذ، إذ إنه يرى فيها جديدًا، ويرى أن العمارة الإسلامية أخذت تشق طريقًا فى النظام المدرسى لم تكن لتعرفه من قبل، ويبدو ذلك ظاهرًا جليًا فى الزخارف التى أُدخلت على هذه المدرسة فى محرابها ووجهتها وبلاطها وزخارفها... والمجموعة من البلاطات والرخام التى تكسو محراب هذه المدرسة تكاد تبلغ فى الدقة والإتقان مبلغًا عظيمًا». تعد قبة قلاوون تحفة معمارية مكتملة الأركان، فرغم أن القبة هُدمت وبُينت أكثر من مرة، إلا أن الجمال الباهر كله يقع داخل القبة، فعندما تدخل من بوابة المجموعة بديعة التكوين باستخدام الرخام بصورة مبهرة، تجد مدخل القبة على يمينك، هنا سينعقد لسانك من الدهشة، تصاب بفيض من الجمال الذى يقدمه أجمل أضرحة القاهرة وأحد أجمل الأضرحة فى العالم، حتى أن البعض يرى فيه ثانى أجمل ضريح في العمارة الإسلامية بعد تاج محل، لكن المتأمل فى تفاصيل القبة الداخلية سيجدها أجمل وأرق، فالأعمدة الرخامية الضخمة تحمل القبة فى رشاقة، واستخدام الرخام يفيض رونقا وبهاءً، بينما تتدلى المقرنصات المصرية بدقتها المتناهية من أسقف مرتفعة كأنها شموس تسبح فى فضاء المكان، والأعمال الزخرفية من الجص (الجبس الأبيض) تتناغم مع أعمال الأرابيسك الخشبية فى إبداع لا يقدر عليه إلا الفنان المصري.