لم تكن مجرد ملكة، بل لغزًا تاريخيًا حيّر علماء الآثار لعقود، فما بين تماثيل محطمة ونقوش ممسوحة، ظلت قصة حتشبسوت تُروى باعتبارها ضحية انتقام سياسى قاسٍ من تحتمس الثالث، لكن ماذا لو كانت هذه القصة خاطئة؟ دراسة حديثة تقلب الرواية رأسًا على عقب، وتطرح تساؤلات صادمة: هل كان ما حدث مجرد طقس دينى لتعطيل قوة الملكة بعد موتها؟ وهل أساء المؤرخون فهم الأدلة لقرون؟ فى هذا الحوار الخاص، نواجه الباحث جون يى وونج، المتخصص فى علم المصريات بجامعة تورنتو، والذى أثارت دراسته الأخيرة جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية، بعد أن أعاد تفسير الأدلة المتعلقة بتدمير تماثيل حتشبسوت، مقدمًا قراءة مغايرة تمامًا للرواية التقليدية. لسنوات طويلة، صُورت الرواية السائدة حتشبسوت كمغتصبة للعرش تم محوها بدافع الانتقام ما الذى دفعك للتشكيك فى هذا الافتراض الراسخ؟ للدقة، أنا لست أول من شكك فى هذا الافتراض على الإطلاق، فهذا الطرح موجود منذ عقود. فعلى سبيل المثال، نعلم أن العديد من كبار المسئولين الذين خدموا خلال حكم حتشبسوت استمروا فى مناصبهم فى عهد تحتمس الثالث، ولم تحدث أى تصفية سياسية كما كنا نتوقع إذا كان هناك عداء عميق تجاهها، لذلك كان معروفًا منذ زمن أن القصة على الأرجح أكثر تعقيدًا من ذلك. هل نشهد تصحيحًا تاريخيًا حقيقيًا، أم مجرد إعادة تفسير حديث متأثر برؤى معاصرة؟ من الصعب قول ذلك بالطبع، لأن تفسيراتنا تتشكل دائمًا وفقًا لبيئتنا المعاصرة، لكن يمكننى القول إن لدينا فرصة أفضل لأن نكون أقرب إلى الحقيقة، ببساطة لأن هناك قدرًا أكبر بكثير من الأبحاث والتحليلات والنقاشات منذ أن طُرحت التفسيرات الأولى حول حتشبسوت. أما ما إذا كانت هذه التفسيرات ستصمد أمام اختبار الزمن، فهذا أمر متروك بالطبع للأجيال القادمة لتحكم عليه. ما مدى ثقتك فى أن علماء المصريات الأوائل أساءوا قراءة الأدلة الأثرية بدلًا من أنهم كانوا يفتقرون ببساطة إلى البيانات المتاحة لنا اليوم؟ أعتقد أن علماء المصريات الأوائل كانوا ببساطة يركزون على أسئلة أخرى، فعلى سبيل المثال، عندما تم اكتشاف تماثيل حتشبسوت، كان التركيز منصبًا على إعادة تجميعها ودراستها من الناحية الأثرية، وهذا أمر مفهوم تمامًا.. أنا أمتلك إمكانية الوصول إلى نفس البيانات التى كانت متاحة لهم، لكننى تمكنت من التركيز فقط على مسألة تدميرها، وهو ما أتاح لى فحص الأمور من منظور مختلف قليلًا، وهى ميزة لم تكن متاحة لعلماء المصريات الأوائل. تشير دراستك إلى أن تحتمس الثالث لم يكن يتصرف بدافع الكراهية الشخصية بل كان ينفذ طقسًا من طقوس اتعطيل القوةب، فما هو أقوى دليل يدعم هذا الادعاء؟ بعد إخراجها من المعبد أُعيد استخدام تماثيل حتشبسوت كمواد خام فى القرون التى تلت عهد تحتمس الثالث (لدينا أدلة على أن بعضها حُوّل إلى أعمدة خلال العصر اليونانى الروماني، على سبيل المثال)، لذا من الواضح أنه لا يمكن نسب تدميرها بالكامل إلى تحتمس الثالث وحده. لقد حددت فى دراستى مجموعة من التماثيل التى تبدو الأقل تأثرًا بعمليات إعادة الاستخدام هذه، حيث عُثر على هذه التماثيل فى حالة مكتملة نسبيًا، ووُجدت جميع شظاياها ضمن نطاق ضيق ومحدد، ومن المثير للاهتمام أن الأضرار التى لحقت بها كانت محدودة نسبيًا، إذ كُسرت عند مستوى الرقبة والخصر والقدمين، بينما ظل وجه حتشبسوت سليمًا (وهو ما يشار إليه غالبًا باتعطيلب التماثيل المصرية)، وقد عُثر على بعض التماثيل التى تحمل هذه الخصائص أسفل الطريق الصاعد لمعبد تحتمس الثالث، مما يؤكد لنا أنها لم تتعرض لأى عبث أو اضطراب بعد عهده. هذا يوضح الفرق الجوهرى بين االتدمير العشوائيب واالتعطيل الطقسيب الذى كان يهدف إلى إبطال القوة الرمزية للتمثال مع الحفاظ على ملامحه، وهو طرح قوى جدًا فى سياق الأبحاث الأثرية الحديثة. قد يجادل علماء الآثار بأن هذا التفسير يقلل من شأن ما قد يبدو فعلًا سياسيًا يهدف إلى المحو والإزالة، فبماذا ترد؟ أعتقد أن هناك بالتأكيد عنصرًا سياسيًا ضخمًا وراء تدمير صور حتشبسوت. إن تفسيرى يشير إلى أن التماثيل قد حُطمت لأسباب طقسية وعملية (بدلًا من تحطيمها بعنف كما كان يُفترض سابقًا)، وهذا لا ينفى الدوافع السياسية الكامنة وراء هذا التدمير. إذا لم يكن الدافع هو الانتقام، فلماذا تم استهداف حتشبسوت بهذه الدقة، خاصة فى الأماكن البارزة سياسيًا؟ أعتقد أنا والعديد من علماء المصريات فى العقود الأخيرة أنه كان هناك على الأرجح دافع سياسى قوى وراء تدمير صور حتشبسوت، لذا فمن المنطقى أن هذه الصور، التى كانت تعتبر قوية جدًا ومؤثرة فى العصور القديمة، كان لا بد من تدميرها. بالطبع، لن نعرف أبدًا ما الذى كان يدور فى خلد تحتمس الثالث، لكن الطريقة التى دُمرت بها التماثيل، كما أوضحت سابقًا، تشير إلى أن عملية التدمير تمت بشكل منهجى للغاية، مما يوحى بأنها كانت مدفوعة بأسباب عملية وليس بدافع الانتقام الشخصي. لقد اعتمدت بشكل كبير على تحليل يشبه الأسلوب الجنائى (Forensic-style) للتماثيل المتضررة. كيف يختلف هذا النهج عن الأساليب التقليدية فى علم المصريات؟ أعتقد أن هناك نزعة فى علم المصريات التقليدى لرؤية هذه المقتنيات كقطع فنية؛ مما يعنى وجود ميل دائم لتحليلها من الناحية الأسلوبية، ودراسة دلالاتها الرمزية، واستنتاج الموقع الذى كانت تشغله سابقًا فى المعبد، أما أنا، فقد تدربت فى الأصل كعالم آثار، لذا فإن أحد الجوانب التى تذهلنى هو كيفية إيداع أو ترسيب هذه المقتنيات (لماذا وُجدت هنا؟ ولماذا تفتقد العديد من التماثيل أجزاء جوهرية؟ ولماذا عُثر أحيانًا على شظايا من نفس التمثال على بعد مئات الأمتار من بعضها البعض؟). ربما هذا ما سمح لى بمقاربة الأدلة من منظور مختلف قليلًا. هل يمكن لأنماط الضرر المادى أن تكشف حقًا عن النوايا، أم أننا لا نزال نؤوّل الأمور من خلال منظور شخصي؟ هذا سؤال رائع! نحن نتحدث دائمًا عن دوافع تحتمس الثالث، ولكن بالطبع لا يمكننا أبدًا معرفة ما كان يدور فى ذهنه حقًا، ويجب التأكيد على أن الضرر الذى لحق بصور حتشبسوت لم تسببه يدا تحتمس الثالث نفسه، فنوايا الملك، أيا كانت، كان يجب أن تُنقل إلى مسئول رفيع المستوى، ثم تتحول إلى أوامر عمل، وصولًا فى النهاية إلى أيدى العمال، ومن المرجح أن الكثير من نواياه قد فُقدت خلال مراحل النقل هذه. ومع ذلك، فإن البقايا المادية لهذا الدمار هى كل ما نملكه لنتعلم المزيد عن هجومه على صور حتشبسوت. تشير أبحاثك إلى أن الكثير من الدمار حدث لاحقًا من خلال إعادة استخدام المواد، هل يعنى هذا أن التاريخ كان يلوم االجانى الخطأب لقرون؟ ظل تحتمس الثالث مسئولًا عن الكسر الأولى للتماثيل، لذا فهو ليس االجانى الخطأب بحد ذاته، لكن حجم الدمار الذى تسبب فيه كان محدودًا بشكل أكبر بكثير مما كان يُعتقد فى البداية. قبل أربعة عشر قرنًا من كليوباترا، حكمت حتشبسوت كبملك أنثىب هل تعتقد أن جنسها لعب دورًا فى كيفية التعامل مع إرثها بعد وفاتها؟ بكل تأكيد، كانت إنجازات حتشبسوت مثيرة للإعجاب للغاية، سواء بالنسبة لملك ذكر أو أنثى، ولكن غالبًا ما كان يتم النظر إلى تلك الإنجازات من خلال عدسة جنسها، وآمل أن نتمكن من تصحيح بعض هذه وجهات النظر. يقول بعض الباحثين إن محو أثرها يعكس عدم الارتياح تجاه وجود حاكمة أنثى قوية، هل تتفق مع هذا الطرح، أم أن هذه قراءة حديثة مبالغ فيها؟ هذا احتمال وارد بالتأكيد، ولا أعتقد أنها بالضرورة مجرد قراءة حديثة، لأن الحاكمات الإناث كن نادرات بالفعل. ومع ذلك، تكمن المشكلة فى أننا نملك القليل جدًا من المعلومات المتعلقة بحاكمات إناث أخريات مثل سوبك نفرو وتوسرت، لذا فمن الصعب جدًا معرفة كيف كان موقف المصريين القدماء الحقيقى تجاه الحاكمات الإناث. إذا ظهرت أدلة جديدة غدًا تتعارض مع استنتاجاتك، فما مدى صمود نظريتك؟ سيكون من المثير للاهتمام حقًا أن نعثر على اخبيئةب أخرى لتماثيل حتشبسوت، فنحن، على سبيل المثال، لا نملك أدنى فكرة عن المكان الذى ذهبت إليه تماثيلها التى كانت فى الكرنك، لقد قدمت تفسيرات أعتقد أنها الأرجح بناءً على الأدلة الحالية، وإذا أثبتت الأدلة الجديدة أننى مخطئ، فأنا مخطئ، فهذه هى ببساطة طبيعة البحث العلمي. أخيرًا، ما هو أكبر مفهوم خاطئ عن حتشبسوت تعتقد أنه لا يزال قائمًا حتى اليوم؟ عندما كنت أعمل فى معبد حتشبسوت بالدير البحري، كنت أسمع السياح غالبًا وهم يتلقون معلومات تفيد بأن تدمير تحتمس الثالث لصور حتشبسوت كان عنيفًا ومدفوعًا بالكراهية والغضب، ربما تكون هذه القصة أكثر إثارة، لكننى أعتقد أن القليل من الباحثين يتفقون مع ذلك تمامًا، كما تشير أبحاثى أيضًا إلى أن هذا لا يبدو هو واقع الأمر. اقرأ أيضا: حتشبسوت| امرأة كسرت كل القواعد الصارمة وحكمت مصر ب «لحية مستعارة»