في قلب شارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث تتعانق المآذن مع القباب، وتتناثر على الجانبين شواهد ألف عام من التاريخ، تقف مجموعة السلطان قلاوون شامخة كأنها درة تاج تزين جبين القاهرة القديمة. ليست مجرد مبانٍ متجاورة، بل منظومة حضارية متكاملة جمعت بين العبادة والعلم والطب، في مشهد يعكس ذروة الازدهار المعماري والفكري في العصر المملوكي. من هنا، في الشارع الذي يبدأ من باب زويلة جنوبًا حتى باب الفتوح شمالًا بطول يقارب 1200 متر، تتجسد طبقات التاريخ المصري الإسلامي، منذ أن جاء الفاطميون من بلاد المغرب ليبنوا القاهرة على مساحة 340 فدانًا، كأربع مدينة إسلامية كبرى في مصر، محاطة بثمانية أبواب لم يبقَ منها سوى ثلاثة. اقرأ أيضا |طلاب آداب المنوفية في زيارة تثقيفية للمتحف المصري الكبير وشارع المعز.. صور - شارع المعز.. متحف مفتوح للتاريخ يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن شارع المعز يُعد أكبر تجمع للآثار الإسلامية في شارع واحد على مستوى العالم. فمن العصر الفاطمي نرى أبواب القاهرة التاريخية، ومسجد الحاكم بأمر الله ثاني أكبر مساجد مصر مساحة، وجامع الأقمر، إضافة إلى معبد موسى بن ميمون أقدم المعابد اليهودية في مصر. ويُذكر أن الفيلسوف والطبيب اليهودي موسى بن ميمون قدم إلى مصر في أواخر العصر الفاطمي، وتعلم الطب فيها، وأصبح الطبيب الخاص للقائد صلاح الدين الأيوبي، ويتكون المعبد من قاعة كبيرة تضم "الهيكل" ويتوسطها "البيما" (منبر الوعظ)، ويُخصص الدور الأرضي للرجال والعلوي للسيدات، وملحق به عيادة نسبت للطبيب موسى بن ميمون. ومن العصر الأيوبي، تظهر مدرسة الكاملية وقبة الصالح نجم الدين أيوب، لتتواصل حلقات التاريخ حتى العصر المملوكي حيث تتوج المجموعة القلاوونية هذا المشهد الفريد. مجموعة السلطان قلاوون.. مشروع حضاري متكامل أنشأ السلطان المنصور المنصور قلاوون مجموعته فيما بين عامي 683 – 684ه / 1284 – 1285م، على أنقاض القصر الفاطمي الغربي. وتتكون المجموعة من مسجد، ومدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، وبيمارستان (مستشفى)، وقبة دفن - مئذنة من أضخم مآذن مصر ويشير الدكتور ريحان إلى أن المجموعة بُنيت على يد المهندس القبطي سنجر الشجاعي، في نموذج فريد للتكامل الحضاري، حيث يعلو باب المدخل الخشبي المغطى بالنحاس نص تأسيسي يحمل ألقاب السلطان وتاريخ الإنشاء، وتتوجه ثلاثة شبابيك يعلوها صليب كنوع من التكريم للمهندس القبطي، في دلالة واضحة على روح التعايش الفني والإنساني. - قبة الدفن.. تحفة عالمية تُعد قبة دفن السلطان قلاوون من أجمل قباب القاهرة، بل ويصفها الدكتور ريحان بأنها ثاني أجمل مكان للدفن في العالم بعد تاج محل، لما تحمله من ثراء زخرفي مذهل. القبة ترتكز على أربعة أعمدة رئيسية وأربعة فرعية، وتغطي جدرانها زخارف من الفسيفساء المصنوعة من الصدف المعشق بالرخام، إلى جانب عناصر خشبية وجصية وزجاجية ملونة تعكس ذروة الفن المملوكي. وتضم القبة رفات السلطان قلاوون وابنه الناصر محمد. المكان يجمع بين أعمدة مصرية قديمة وأخرى يونانية رومانية، وزخارف قبطية وفن إسلامي، في تناغم معماري فريد يلخص الحضارات التي مرت على مصر. - المدرسة.. منبر للفقه والعلوم تتكون المدرسة من صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات، أكبرها إيوان القبلة، لم تقتصر الدراسة على الفقه فقط، بل شملت الطب والهندسة والفلك، ما يعكس طبيعة التعليم الموسوعي في العصر المملوكي. ويزين المحراب فسيفساء ذات طابع مسيحي، في امتداد للتنوع الفني داخل المجموعة. - البيمارستان.. أول مستشفى نفسي في العالم يوضح الدكتور ريحان أن كلمة "بيمارستان" فارسية الأصل وتعني "بيت المريض"، أنشأ السلطان قلاوون هذا المستشفى لعلاج العامة والخاصة، الغني والفقير، بالمجان. ويرجع سبب بناء البيمارستان إلى أن السلطان مرض ذات مرة، وسافر للعلاج في بيمارستان السلطان محمود الدين زنكي، عم صلاح الدين الأيوبي، فنذر أنه إذا شُفي سيبني مستشفى يخدم الناس جميعًا. ضم البيمارستان أقسامًا متعددة، وكان يتوسطه إيوانان بينهما مجرى مائي للزينة ولأن صوت المياه يهدئ الأعصاب. وتضمن أول قسم متخصص لعلاج الأمراض النفسية في العالم، يتكون من فناء يتوسطه حوض مياه كبريتية لتهدئة المرضى، وغرف مفتوحة يجلس فيها المرضى مع الأطباء للاستماع إليهم، مع تخصيص أقسام للرجال وأخرى للنساء. وقد هُدم جزء من البيمارستان لاحقًا، وأقيمت على أنقاضه مستشفى للعيون والأسنان لا تزال تعمل حتى اليوم. - عروس المعز.. رمز حضاري خالد مجموعة السلطان قلاوون ليست مجرد أثر معماري، بل مشروع دولة جمع بين الإيمان والعلم والطب والخدمة الاجتماعية في بناء واحد، هنا تتجسد روح القاهرة التي بناها الفاطميون، وازدهرت في العصور التالية، مدينةً تتعايش فيها الثقافات وتتجاور فيها المساجد والمعابد والمدارس والمستشفيات. ولهذا استحقت أن تُلقب ب "عروس شارع المعز"، لأنها تمثل ذروة الجمال المعماري، وواحدة من أعظم الشواهد على عبقرية الإنسان المصري في صناعة الحضارة.