محمد فرغل الربط بين أزمة الصومال والاتهامات الإثيوبية ليس تعسفًا، بل قراءة منطقية لمسار واحد يعتمد على تفكيك الدول من الأطراف، وتشجيع الانفصال ليست المصادفة بريئة، ولا التوقيت عابرًا، حين تختار أديس أبابا أن توجه أصابع الاتهام إلى القاهرة بزعم تقويض مصالحها فى الوصول إلى البحر الأحمر، فى اللحظة ذاتها التى تتعرض فيها أطراف إقليمية لضغوط أخلاقية وسياسية حادة وصل صداها إلى مجلس الأمن بسبب محاولات شرعنة كيانات انفصالية فى القرن الإفريقي، فالتاريخ يعلمنا أن الضجيج غالبًا ما يكون ستارًا، وأن الاتهام حين يخرج متأخرًا ومشحونًا، يكون فى العادة محاولة للهروب إلى الأمام، أو لإعادة رسم صورة الجانى فى هيئة الضحية. الادعاء الإثيوبى لا يمكن فصله عن المناخ المضطرب فى القرن الإفريقي، ولا عن لحظة انكشاف سياسى تلت اعترافًا مريبًا بكيان انفصالى فى الصومال، اعترافاً فتح أبواب الأسئلة حول من يسكب الوقود على النار، ثم يتصدر المشهد مطالبًا بإطفائها، ففكرة أن تتحول أزمة داخلية إثيوبية ممتدة إلى اتهام خارجى مباشر، تكشف عقلية «مُحتل»؛ يرى فى الجغرافيا حقًا مكتسبًا، وفى السيادة المجاورة عائقًا يجب تجاوزه. منذ سنوات، تتصرف إثيوبيا وكأن البحر الأحمر وعد مؤجل، وكأن الجغرافيا خانتها، فقررت أن تعاقب الواقع عبر السياسة، وأن تعوض غياب السواحل بخلق أزمات، مرة عبر خطاب الحق التاريخي، ومرة عبر استدعاء مخاوف الأمن القومي، ومرة عبر تصوير أى شراكة دفاعية فى الإقليم باعتبارها مؤامرة موجهة ضدها، وهو منطق لا يختلف كثيرًا عن منطق فرض الأمر الواقع بالقوة ثم المطالبة بالاعتراف به. سد النهضة، فى جوهره، لم يكن يومًا مشروع تنمية بقدر ما كان إعلان نية سياسية، وسيلة ضغط دائمة، وأداة لإعادة هندسة موازين القوة فى حوض النيل، وحين تعجز أديس أبابا عن انتزاع الشرعية القانونية لهذا السد، تلجأ إلى شرعنة الأمر الواقع، وتوسيع دائرة الاشتباك السياسي، وربط ملف المياه بملفات الأمن الإقليمي، فى محاولة لتحويل النزاع من قضية قانونية إلى معركة نفوذ. المفارقة أن إثيوبيا التى تتهم غيرها بتقويض مصالحها، هى ذاتها التى تجاهلت على مدار سنوات قواعد القانون الدولي، وأدارت ظهرها لمبدأ عدم الإضرار، ورفضت كل محاولات الوساطة الجادة، ثم فوجئت بأن الإقليم لم يعد يتسامح مع سياسة حافة الهاوية، وأن الصبر الذى طال، بدأ ينفد، ليس فى القاهرة فقط، بل لدى أطراف عديدة باتت ترى فى السلوك الإثيوبى مصدر عدم استقرار مزمن. الربط بين أزمة الصومال والاتهامات الإثيوبية ليس تعسفًا، بل قراءة منطقية لمسار واحد، مسار يعتمد على تفكيك الدول من الأطراف، وتشجيع الانفصال، ثم استخدام الكيانات الهشة كأدوات ضغط، فحين يتم التعامل مع الانفصال باعتباره ورقة تفاوض، ومع الاحتلال باعتباره مانحًا للشرعية، يصبح كل شيء مباحًا، وتتحول السيادة إلى سلعة، والحدود إلى خطوط قابلة للمحو. إن أخطر ما تكشفه هذه اللحظة ليس فقط طبيعة الاتهام الإثيوبي، بل المنهج الذى يُعاد إنتاجه؛ منهج يقوم على صناعة الأزمات بدل حلها، وعلى تحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز، وعلى التعامل مع القانون الدولى باعتباره خيارًا انتقائيًا لا التزامًا مُلزِمًا.. هذا المنهج لا يهدد مصر وحدها، بل يفتح الباب أمام تدويل الفوضى فى القرن الإفريقي، ويمنح القوى الباحثة عن النفوذ فرصة لاستثمار الانقسامات، وتغذية النزاعات، وإعادة رسم خرائط المنطقة على حساب الشعوب والدول. الموقف المصري، فى هذا السياق، لم يتغير، ولم ينزلق إلى خطاب الاستفزاز، بل ظل متمسكًا بالقانون، وبوحدة الدول، وبفكرة أن الأمن الإقليمى لا يُبنى على حساب الآخرين، ولا عبر صفقات خلف الستار، القاهرة لم تسعَ إلى تطويق أحد، لكنها ترفض أن تُطوَّق، ولم تتحرك خارج قواعد الشرعية، لكنها تدرك أن الفراغ السياسى يُملأ دائمًا بمن لا يؤمن إلا بالقوة. الأخطر فى الخطاب الإثيوبى أنه يستدعى سرديات جاهزة، صيغت فى غرف مغلقة، وتُضخ فى التوقيت المناسب لإرباك المشهد، وإعادة توجيه الغضب، وهى سرديات تتقاطع بشكل لافت مع مواقف قوى اعتادت الاستثمار فى الفوضى، وشرعنة الانتهاك، وتقديم نفسها كوسيط وهى تمسك بأعواد الثقاب، من غزة إلى القرن الإفريقي.. فى النهاية، تبدو إثيوبيا- ومن معها-لا تكتفى بترويج رواية مأزومة، بل تصر على إعادة تدويرها، مخاطبة نفسها قبل أن تخاطب العالم، ومراهنة على أن تكرار الادعاء قد يحول الكذب إلى حقيقة، ليس بتصديق تلك الثرثرة؛ إنما باختبار إلى أى مدى يمكن للعالم أن يتعايش معها.