بينما هو يجلس فى بيته ويشاهد التلفاز ونشرات الأخبار ويرى تلك المذبحة المستمرة ليلا ونهارا والتى تفنن فيها الاحتلال الغاشم وعمل بكل أدواته وآلاته الوحشية، وصب جام غضبه لينتقم من شعب برىء أعزل فلم يفرق فى إبادته الوحشية لهذا الشعب بين طفل أو امرأة أو شيخ عجوز أو شاب أعزل، بل حتى الحجر والشجر لم يسلما من شراره وناره .. إذا بعم ربيع هذا الرجل البسيط تذرف عيناه بالدموع ويقشعر جسده النحيل ألما لما يرى ويسمع من أنات وآهات وبكاء لأطفال غزة ونسائها وشيوخها ويرفع أكفه إلى السماء متضرعا اللهم عليك بهم.. اللهم عليك بقتلة الأطفال.. اللهم انصر أهل غزة.. ثم يذهب إلى عمله فى الصباح الباكر بائعا للفاكهة من على فرشه البسيط ليعول نفسه وأبناءه عن السؤال، ثم يذهب آخر النهار بقروشه القليلة إلى بيته ليطعم أطفاله راسما على وجهه ابتسامة الرضا، أنهم يعيشون فى أمن وأمان لا خوف عليهم من بطش احتلال أو جبروته، لأن هناك جيشا عظيما يقف كالصخرة الصلداء أمام أى معتد يحاول أن يعبث أو حتى مجرد التفكير بأرض مصر .. وبينما هو على تلك الحالة إذ به يسمع أنباء جديدة عن أهلنا فى غزة الأبية وتشرئب رأسه ليشاهد، لعله يسمع خبرا يثلج صدره بانتهاء تلك المجزرة المتواصلة على هذا الشعب البرىء الأعزل، فيخيب أمله وتكسو وجهه علامات الحزن والضيق، بعد أن كانت تعلوه منذ قليل علامات الرضا والسرور. وهكذا دواليك وبشكل يومى يظل عم ربيع بين هاتين الحالتين .. حالة الرضا والسعادة بإطعام أطفاله الصغار من قروشه القليلة وهم ينعمون بالأمن والأمان فى بلدهم .. وحالة الحزن والكآبة لما آل إليه حال إخوته فى غزة الحبيبة .. ويسائل نفسه كل يوم: ماذا أفعل لهؤلاء المعذبين والمظلومين والمكلومين !! فأنا لا أملك من حطام الدنيا شيئا أقدمه لهم !! اللهم إلا تلك الدعوات والتضرع لله عز وجل أن ينصرهم على عدوهم، وبينما هو على هذه الحالة إذا بشاحنات من المساعدات المحملة بالغذاء والدواء والكساء تمر من أمام فرشه البسيط المتواضع من الفاكهة، وإذا به وبشكل لاإرادى يلقى بتلك الفاكهة على شاحنة المساعدات (مصدر رزقه البسيط وكل ما يملك) أملا أن تصل فاكهته إلى إخوته من أبناء شعب غزة الحبيبة.. حركة عفوية بسيطة من رجل بسيط لكنها تحمل فى طياتها معانى عظيمة تنم عن طبيعة إنسانية رفيعة المستوى من الأخلاق والقيم والقلب النقى وإخلاص وحب منقطع النظير مع شعبنا المكلوم والجريح بغزة الأبية.. فأصبح عم ربيع بين عشية وضحاها حديث العالم لأنه قدم نموذجا إنسانيا متفردا فى العطاء والبذل والتضحية بكل ما يملك للوقوف إلى جوار أشقائه فى غزة الصامدة ولم يدر فى خلد عم ربيع وهو يفعل هذا الشىء البسيط الكبير أن الكاميرا قد التقطت هذا المشهد الإنسانى الرائع.. وأن هذا المشهد أصبح نموذجا يقتدى به ومثالا على الإخلاص والعطاء مهما كان صغيرا لكنه كبير عند الله وعظيم. لذا لا عجب أن ينتشر هذا المشهد وأصبح حديث العالم.. وهناك على الجانب الآخر أناس تفننوا فى الخطب الرنانة والشعارات البراقة ليستدروا عطف الجماهير والمتعاطفة أصلا مع أهلنا فى غزة الجريحة ويبحثون عن أى وسيلة للوقوف إلى جوارهم ومساعدتهم و تقديم كافة أشكال الدعم لهم.. لكن كيف السبيل إلى ذلك !! يلتقط المتاجرون بدماء شعبنا الجريح فى غزة هذه العواطف المتأججة تجاه أهلنا المكلومين ويستغلونها ليتربحوا من ورائها ويجنوا الأموال لينعموا ويتلذذوا بحياتهم على حساب دماء هذا الشعب البرىء الأعزل .. إنه الانحطاط الآدمى فى أبهى صوره فلا فرق بين ما يرتكبه الاحتلال من مجازر تنال من شعب غزة وبين ما يرتكبه هؤلاء المتاجرون بتلك المجزرة؛ فكلاهما سطر سطور الخسة والنذالة والانحطاط البشرى فى سجلات التاريخ لتلعنهم السماء والأرض إلى أبد الآبدين. فها هم من دشنوا ما يسمى ب (وقف الأمة) يطلقون العشرات بل والمئات من الحملات الإعلانية والدعائية لجمع التبرعات بحجة توصيلها إلى أهلنا بغزة الحبيبة ويستغلون منابرهم الإعلامية ومحطاتهم الفضائية ولجانهم الإلكترونية والمنتشرة بكثافة على مواقع السوشيال ميديا والتواصل الاجتماعى ليروجوا لتلك الحملات عبر دعاتهم من الشيوخ والأئمة والإعلاميين والقادة من رموز ذلك التيار والمسمى نفسه زورا وكذبا وبهتانا بالإسلامى !! والمنتمى لتلك الجماعة المارقة جماعة الإخوان او بالأحرى والأدق أن نقول الخوّان المتأسلمون. وتحت الإلحاح والضغط واستغلال عواطف الجماهير المتأججة إذا بهم يجمعون ملايين الدولارات وتزداد تلك الغلة لتصل إلى نصف مليار من الدولارات تبرع بها أبناء شعبنا العربى ثقة فى تلك اللافتة المرفوعة (وقف الأمة)، وهم لا يعلمون أن المستتر من خلفها جماعة الإخوان المارقة.. والتى أدمنت المتاجرة بالدين والوطن ودماء شعب غزة .. فخانوا تلك الأمانة وسرقوها ليشبعوا بها بطونهم ويملأوا بها كروشهم ويتلذذوا بمتع الحياة الفانية بعد أن سرقوا تلك الأموال ووضعوها فى جيوبهم لا إلى بطون وجيوب أهل غزة الجوعى والمشردين ... لكن يد الله تعمل فى الخفاء ففضحهم شر فضيحة أمام الملأ وتناقل قادتهم التهم لبعضهم البعض ونشروا غسيلهم المتسخ ليفيق الجميع من هول الصدمة أهؤلاء دعاة الدين والأخلاق والفضيلة!! أهؤلاء من ينصبون أنفسهم بالمدافعين عن فلسطين وأهلها!! لكن لا عجب فى ذلك فهذه ليست الأولى فى تاريخهم فها هو إمامهم ومرشدهم قد بذر تلك البذرة وكأنه قانون قد سنّه لقادة الجماعة أن يجمعوا التبرعات لفلسطين ثم يسرقوها كما حاول أن يتنصل من جريمته تلك حين جمع التبرعات إبان حرب 48 وواجهه رفيق دربه أحمد السكرى حين لاحظ اختفاء تلك الأموال فقال له البنا بكل تبجح : لقد ذهبت إلى سبيل الله !! نعم هذا هو تاريخهم الملطخ بالفساد والسرقة فهو ليس بجديد لذا لم أتعجب أن يفضحهم الله على الملأ ليعلم الناس حقيقتهم ويعلموا مدى انحطاطهم وخداعهم وغشهم .. فما أسوأ المتاجرة بالدين والوطن ودماء الأبرياء .. فلتهنأ يا عم ربيع بعظيم صنعك ولترفع رأسك للسماء عاليا أيها الرجل البسيط لكنك الكبير عند الله فى عليائه وكبير عند الناس .. أما الخوّان المتأسلمون فليذهبوا إلى مزابل التاريخ كالحشاشين والقرامطة قديما .. فما كان لله دام واتصل .. وما كان لغير الله انقطع وانفصل.