يكتسب الرابع عشر من يناير 1953 دلالته التاريخية ليس بوصفه مجرد تاريخ إداري، بل باعتباره لحظة مفصلية في مسار السيادة الثقافية المصرية. اقرأ أيضا | الفقي: مصر غيّرت فلسفة التسليح منذ الستينيات وتنوع السلاح ضرورة استراتيجية ففي هذا اليوم، وبعد أشهر قليلة من ثورة يوليو، انتقلت إدارة التراث من الوصاية الأجنبية إلى الأيدي المصرية لأول مرة، حين تولى العالم الدكتور مصطفى عامر رئاسة مصلحة الآثار. كان القرار إعلانًا مبكرًا بأن حماية الماضي ليست شأنًا علميًا فحسب، بل فعلًا من أفعال الاستقلال الوطني. لأكثر من ثمانين عامًا ظل العمل الأثري في مصر خاضعًا لإدارة غير مصرية، وأُغلقت أبواب القيادة أمام العلماء الوطنيين، حتى جاء عام 1953 ليكسر هذا الاحتكار العلمي بتعيين الدكتور مصطفى عامر رئيسًا لمصلحة الآثار، في خطوة حملت معنىً سياسيًا وثقافيًا يتجاوز حدود المنصب. يمثل مصطفى عامر إحدى القامات العلمية الكبرى في مصر والعالم العربي، خاصة في مجال الجغرافيا والآثار. فقد أسهم في تأسيس ما يُعرف بالمدرسة الجغرافية الحديثة في مصر، وجمع في مسيرته بين البحث الأكاديمي الرصين والعمل الإداري المؤثر. وُلِد عامر في أواخر القرن التاسع عشر، وتلقى تعليمًا متميزًا أهّله ليكون من أوائل المصريين المتخصصين في الجغرافيا بأسلوب علمي حديث، حصل على بعثات دراسية في أوروبا، ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالمدارس الجغرافية الغربية، وهو ما انعكس لاحقًا على منهجه البحثي الذي مزج بين الدقة العلمية والرؤية المحلية. كان من المؤسسين لجامعة الإسكندرية (جامعة فاروق الأول سابقًا)، وتولى رئاستها بين عامي 1952 و1954، حيث أسهم في بناء هياكلها الأكاديمية الأولى، وتطوير المناهج، وترسيخ تقاليد البحث العلمي بها. وعلى صعيد الآثار، برز اسمه في مجال عصور ما قبل التاريخ، إذ ترأس بعثة جامعة القاهرة للتنقيب في منطقة المعادي، أحد أهم مواقع العصر الحجري النحاسي في مصر. كما قاد مصلحة الآثار المصرية في منتصف الخمسينيات، حيث عمل على تنظيم العمل الأثري، وضبط آليات الحفائر، وتعزيز دور المصريين في إدارة تراثهم. عُرف عن عامر انضباطه العلمي وقدرته على الربط بين الجغرافيا والتاريخ، إذ كان يرى أن المكان ليس مجرد مسرح للأحداث، بل عنصر فاعل في تشكيل الحضارات، لذلك جاءت أبحاثه دائمًا متقاطعة بين تضاريس الأرض وحركة الإنسان عبر الزمن. لم يكن مصطفى عامر إداريًا أو باحثًا فحسب؛ بل كان مربّيًا للأجيال، فقد عمل أستاذًا للجغرافيا بجامعة القاهرة، وأسهم في تخريج جيل كامل من الجغرافيين والآثاريين الذين قادوا لاحقًا مؤسسات علمية في مصر والوطن العربي. جاء تعيينه رئيسًا لمصلحة الآثار ليجمع بين عقل العالم المدقق وضمير المواطن الغيور على تراثه، فكان رمزًا للمثقف الموسوعي الذي مزج بين الإدارة والبحث الميداني والعمل العام. وفي عيد الآثاريين، يبقى اسم الدكتور مصطفى عامر شاهدًا على لحظة استعاد فيها المصريون حقهم في إدارة ذاكرتهم وحماية حضارتهم بأيدي أبنائها.