■ كتب: أحمد ناصف بعد الانتهاء من أطول ماراثون برلمانى شهدته مصر، ومنافسة شرسة خاضها المرشحون فى جميع دوائر الجمهورية، تتجه الأنظار داخل أروقة البرلمان إلى معركة جديدة لا تقل أهمية أو تأثيرًا، وهى معركة انتخابات اللجان النوعية بمجلس النواب. فهذه الانتخابات لا تعد إجراءً شكليًا أو تنظيميًا فحسب، وإنما تمثل حجر الزاوية فى رسم خريطة العمل التشريعى والرقابي خلال دور الانعقاد، باعتبار أن اللجان النوعية هى المطبخ الحقيقي لعمل البرلمان، ومنها تخرج القوانين والتقارير ومناقشات القضايا الحيوية التى تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ◄ بالتوافق والأغلبية.. هشام بدوي رئيسًا ل«النواب» والوحش والجزار «وكيلين» حددت المادة (37) من لائحة مجلس النواب إنشاء اللجان النوعية المختلفة بالمجلس، التي يبلغ عددها 25 لجنة نوعية، تغطى مختلف القطاعات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والخدمية، بما يضمن التخصص وتقسيم العمل داخل المؤسسة التشريعية. وتتعاون هذه اللجان مع المجلس في ممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية، من خلال مناقشة مشروعات القوانين، ودراسة طلبات الإحاطة والاستجوابات، ومتابعة أداء الحكومة في ملفاتها المختلفة. تنص اللائحة على أن تتكون كل لجنة نوعية من عدد من الأعضاء يحددهم المجلس في بداية كل دور انعقاد عادى، وذلك بناءً على اقتراح مكتب المجلس، وبما يكفل حسن قيام هذه اللجان بمهامها. كما وضعت اللائحة قيدًا مهمًا لتحقيق التوازن الجغرافى، حيث لا يجوز فى جميع الأحوال أن يزيد عدد أعضاء اللجنة من محافظة واحدة على ربع مجموع أعضائها، بما يمنع تركز النفوذ ويضمن التمثيل العادل. ويتلقى رئيس المجلس فى بداية كل دور انعقاد عادي، وفي الموعد الذى يحدده، طلبات الأعضاء الراغبين في الترشح لعضوية اللجان، ويتولى مكتب المجلس التنسيق بين هذه الطلبات، مع مراعاة التخصص والخبرة وطبيعة اختصاص كل لجنة قدر الإمكان. تُلزم اللائحة كل نائب بالاشتراك في لجنة واحدة على الأقل، ويجوز له، بموافقة مكتب المجلس، الاشتراك فى لجنة ثانية للاستفادة من خبرته وتخصصه، على ألا يكون له حق التصويت فى اللجنة الثانية ولا يحصل على أى مزايا مالية مقابل حضور اجتماعاتها، كما لا يجوز لرئيس إحدى اللجان أو أى عضو بهيئة مكتبها الجمع بين عضوية لجنتين، إلا بموافقة مكتب المجلس، حفاظًا على التفرغ والانضباط المؤسسى. ◄ اقرأ أيضًا | «الوطنية للانتخابات» تعلن نتيجة إعادة 27 دائرة ب«النواب».. اليوم ◄ كعكة اللجان والأحزاب وفي هذا السياق تنظر الأحزاب السياسية إلى انتخابات اللجان النوعية باعتبارها معركة نفوذ حقيقية، حيث تسعى كل قوة حزبية للفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد داخل اللجان المؤثرة، وعلى رأسها: الشئون الدستورية والتشريعية، الخطة والموازنة، الشئون الاقتصادية، الدفاع والأمن القومي، والصحة. فالسيطرة على رئاسة اللجان أو مواقع الوكلاء وأمناء السر تعنى امتلاك أدوات مؤثرة فى توجيه الأجندة التشريعية، وترتيب أولويات المناقشة، وإدارة ملفات الرقابة على الحكومة، وهو ما يجعل هذه الانتخابات ساحة تنافس لا تقل سخونة عن الانتخابات البرلمانية نفسها. ويمكن القول إن انتخابات اللجان النوعية تمثل الامتحان الأول للتوازنات السياسية داخل البرلمان بعد اكتمال تشكيله، وتعكس خريطة التحالفات، وحجم كل حزب وقدرته على إدارة التفاوض والتوافق. وما بين النصوص اللائحية الصارمة، والطموحات الحزبية، يبقى الرهان الحقيقى على أن تُفرز هذه الانتخابات لجانًا قادرة على أداء دورها التشريعى والرقابى بكفاءة، بما يخدم المواطن ويعزز من أداء المؤسسة البرلمانية ككل. وفي هذا السياق يقول د. صلاح فوزي أستاذ القانون الدستورى وعضو مجلس النواب إن اللجان النوعية تمثل العمود الفقرى للعمل البرلمانى، مشيرًا إلى أن أهميتها لا تقل عن الجلسة العامة نفسها. وأوضح فوزي أن اللجان النوعية هى المكان الحقيقى لصياغة القوانين، ومناقشة تفاصيلها الفنية والدستورية، كما أنها الساحة الأوسع لممارسة الدور الرقابى على الحكومة، وبالتالى فإن اختيار رؤسائها وأعضائها يجب أن يقوم على الخبرة والتخصص، وليس فقط التوازنات السياسية. وأضاف أن لائحة مجلس النواب وضعت ضوابط دقيقة لتشكيل اللجان وهيئات مكاتبها، بما يضمن عدم احتكارها من فئة أو محافظة بعينها، وتحقيق قدر معقول من التوازن داخل البرلمان. 10 وزراء سابقون وفي السياق ذاته، كشفت مصادر برلمانية مطلعة أن هناك 10 وزراء سابقون داخل مجلس النواب يتوقع أن يتولوا رئاسة عدد من اللجان النوعية، خاصة اللجان ذات الطابع الفنى أو الخدمى المرتبط بخبراتهم السابقة في العمل التنفيذي. وأكدت المصادر أن الخبرة الوزارية السابقة تمنح هؤلاء النواب أفضلية واضحة فى إدارة اللجان، والتعامل مع ممثلى الحكومة، وفهم آليات العمل التنفيذى، وهو ما يجعلهم مرشحين طبيعيين لرئاسة لجان مؤثرة خلال دور الانعقاد الحالى. وأشارت المصادر إلى أن أسماء هؤلاء الوزراء تُطرح بقوة داخل الكواليس البرلمانية، فى ظل توجه عام داخل المجلس للاستفادة من الخبرات المتراكمة فى قيادة العمل النوعى. وضم المجلس 10 وزراء سابقين، أصحاب الخبرات التنفيذية، من بينهم أشرف الشيحى وزير التعليم العالى والبحث العلمى الأسبق، واللواء محمود شعراوى وزير التنمية المحلية السابق، والمهندس عاصم الجزار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية السابق، والسفير سامح شكري وزير الخارجية السابق. كما يضم المجلس علاء الدين فؤاد وزير شئون المجالس النيابية السابق، ومحمد سعفان وزير القوى العاملة السابق، والدكتور أشرف حاتم وزير الصحة والسكان الأسبق، والسيد القصير وزير الزراعة واستصلاح الأراضي السابق. ويأتي ضمن القائمة أيضًا محمد عباس وزير الطيران المدني السابق، وطارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية السابق، بما يعكس حضورًا لافتًا لخبرات حكومية سابقة داخل التشكيل البرلمانى الحالي. وبحسب ذات المصادر فإن حزب مستقبل وطن بصفته صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر داخل مجلس النواب ب231 نائبًا، يُتوقع أن يحجز عددًا معتبرًا من المواقع القيادية داخل اللجان النوعية، سواء على مستوى رئاسة اللجان أو مواقع الوكلاء وأمناء السر. ◄ المرتبة الثانية ويأتي المرتبة الثانية المستقلون الذين يشكلون ثانى أكبر رقم بعد حزب مستقبل وطن ويشكلون 109، وبالتالى سوف يكون لهم جزء من كعكة اللجان. وتمثل هذه اللجان بمجموعها العمود الفقرى للعمل التشريعى والرقابى داخل مجلس النواب، حيث تُصاغ داخلها السياسات العامة، وتُناقش مشروعات القوانين والاقتراحات بقوانين قبل خروجها إلى الجلسة العامة. وطبقًا للائحة الداخلية للمجلس، تختص هذه اللجان بدراسة وإبداء الرأى فى مشروعات القوانين، والقرارات بقوانين، وسائر الموضوعات المرتبطة باختصاص كل لجنة، وتختص لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمراجعة دستورية القوانين، وتطوير التشريعات، وشئون اللائحة والعضوية والحصانة البرلمانية، وصياغة النصوص التشريعية، والتشريعات المتعلقة بالجهات والهيئات القضائية. ◄ الأحزاب والمستقلون و10 وزراء سابقون يتنافسون في «مطبخ القوانين» شهدت الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب، فوز المستشار هشام بدوي برئاسة المجلس بأغلبية أصوات الأعضاء ولمدة خمس سنوات، وذلك في أجواء عكست حالة من التوافق السياسي والحزبي الواسع بين مختلف القوى الممثلة داخل المجلس، حيث حظي الاختيار بإجماع جميع الأحزاب والكتل البرلمانية، في رسالة واضحة تؤكد الرغبة في مرحلة جديدة من العمل التشريعي المنضبط القائم على الخبرة القانونية والدستورية. ويأتي انتخاب المستشار هشام بدوي رئيسًا للمجلس تتويجًا لمسيرة قضائية ورقابية طويلة، خاصة أنه تم تعيينه عضوًا بمجلس النواب بقرار من رئيس الجمهورية ضمن المعينين، في إطار الصلاحيات الدستورية، بهدف دعم المجلس بكفاءات مشهود لها بالنزاهة والخبرة، قبل أن يحظى بثقة النواب. ويعكس اختيار المستشار هشام بدوي لرئاسة مجلس النواب توجهًا واضحًا نحو الاعتماد على الخبرات القضائية والدستورية في إدارة العمل البرلماني، بما يضمن الانضباط التشريعي وتفعيل الدور الرقابي للمجلس وتعزيز التعاون بين السلطات في إطار الدستور، خاصة في مرحلة دقيقة تتطلب تشريعات داعمة للتنمية ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وعقب الانتهاء من إعلان نتيجة التصويت وفوز المستشار هشام بدوي رسميًا، صعد إلى منصة الرئاسة وتسلم إدارة الجلسة من النائبة عبلة الهواري، بصفتها أكبر الأعضاء سنًا، والتي كانت قد ترأست الجلسة الإجرائية منذ انطلاقها، وفقًا للائحة الداخلية للمجلس، إلى حين انتخاب رئيس المجلس وهيئة مكتبه، في مشهد عكس احترام التقاليد البرلمانية واستقرار الإجراءات الدستورية. وأجرى المجلس الانتخابات على منصبي وكيلي مجلس النواب، والتي أسفرت عن فوز الدكتور محمد الوحش نائب حزب مستقبل وطن بمنصب الوكيل الأول، وفوز المهندس عاصم الجزار نائب حزب الجبهة الوطنية بمنصب الوكيل الثاني، ليكتمل بذلك تشكيل هيئة مكتب مجلس النواب في ظل حالة من التوافق والهدوء. وبهذا التشكيل، يبدأ مجلس النواب فصلًا تشريعيًا جديدًا، وسط تطلعات واسعة إلى أداء برلماني أكثر فاعلية، يقود عملية تشريعية متوازنة ويعبر عن آمال المواطنين، في ظل قيادة تحظى بثقة سياسية وحزبية كاملة، وخبرة مؤسسية ممتدة.