شهدت قاعة الندوات المتخصصة ندوة «مقومات صناعة النشر في الوطن العربي»، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال57، بحضور كلٍّ من الإماراتي زاهر السوسي مسؤول الأنشطة الثقافية بالشارقة، والناشر شريف بكر، والدكتور والكاتب محمد الباز، والناشر هاني عبد الله، وأدار الندوة الجميلي أحمد. قال الجميلي أحمد إننا نحتفي اليوم بصناعة النشر في الوطن العربي ومقوماتها، بمشاركة نخبة من المتخصصين في مجالي الكتابة وصناعة النشر، مؤكدًا أهمية استمرار وجود صناعة النشر وتطورها عامًا بعد عام. وأضاف أن هذا الاحتفاء يأتي في ظل ما تمر به صناعة النشر في الوطن العربي من أزمات وتحديات، مشيرًا إلى أن الهدف هو تسليط الضوء على هذه الصناعة باعتبارها أحد مصادر قوة الوطن، مؤكدًا أن الكتاب يظل الوسيلة الأهم للتفكير وبناء الوعي. ومن جانبه، قال شريف بكر إنه يعمل في مجال النشر منذ 28 عامًا، وشارك في العديد من المعارض الدولية، موضحًا أن هناك برنامجًا للتعاون مع الناشرين الأجانب تم إنشاؤه منذ 9 سنوات. وأكد بكر أن العالم العربي يمتلك مقومات جيدة في صناعة النشر، على عكس ما يُردد عن ضعف القراءة أو عدم تحقيق الكتب أرباحًا، أو أن القطاع الثقافي متراجع، مشيرًا إلى أنه رغم وجود العديد من المشكلات، فإن هناك أيضًا إمكانات ومقومات حقيقية. وأشار إلى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يستقبل نحو 5.5 مليون زائر، في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، لافتًا إلى أن الإقبال لا يقتصر على العاصمة فقط، بل يمتد إلى المحافظات، ما يجعله من أكبر المعارض الثقافية من حيث عدد الزوار على مستوى العالم. وأضاف شريف بكر أن الناشر المصري لا يحصل على أي دعم من الدولة، وهو ما يخلق نوعًا من المنافسة غير العادلة بينه وبين بعض الجهات الرسمية، مثل الهيئة العامة للكتاب، والمركز القومي للترجمة، وقصور الثقافة. وأوضح أن هناك العديد من القضايا التي يمكن الحديث عنها، في ظل التحديات التي يواجهها الناشرون، حيث يتحملون أعباء كبيرة، ويتحدون الظروف الاقتصادية وارتفاع التكاليف، إلى جانب بُعد أماكن إقامة بعض الفعاليات، وهو ما يزيد الأعباء المالية عليهم بما يصل إلى أضعاف مضاعفة، في الوقت الذي يُطالبون فيه بتوفير هذه المتطلبات دون وجود آليات واضحة لتحقيق ذلك. وقال الإماراتي زاهر السوسي، مسؤول الأنشطة الثقافية بالشارقة، إن عام 1992 مثّل تحديًا حقيقيًا مع الناشرين العرب وسوق النشر في العالم العربي، مشيرًا إلى أن حبه للمهنة دفعه إلى التعلم واكتشاف آليات سوق النشر، والاطلاع على تجارب عديدة، ظهر بعضها إلى السطح بينما اختفى ناشرون آخرون من الساحة. وأضاف أن هناك مقترحات عدة طُرحت لتطوير صناعة النشر، وقد رحّبت الهيئة العامة للكتاب بهذه الأفكار ووفرت الدعم اللازم، ما أسهم في تنفيذ أنشطة وبرامج ثقافية، إلى جانب منح للترجمة، ودورات تدريبية للناشرين بجامعة نيويورك، الأمر الذي ساعده على التعمق أكثر في فهم سوق النشر. وأشار إلى أن هناك العديد من الناشرين الذين عملوا بجد واجتهاد، مؤكدًا أن الانتقال بين معرض وآخر يُعد تجربة مهمة للناشر في الوقت الحالي، تُسهم في تطوير خبراته من خلال البرامج المهنية والمؤتمرات. واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية إتاحة الفرص لإقامة مثل هذه الفعاليات في الدول العربية، لما تتيحه من لقاءات مباشرة مع الناشرين الدوليين، معربًا عن أمله في أن تتطور مهنة النشر عربيًا بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة. وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد الباز إن الحديث عن مقومات صناعة النشر في العالم العربي يجب أن يبدأ بضبط المصطلحات والمفاهيم الأساسية المرتبطة بصناعة الكتاب، معتبرًا أن كثيرًا من مشكلات النشر ترجع إلى اختلاف نظرة أطراف العملية كاملةً إلى الكتاب. وأوضح أن هناك تساؤلات جوهرية تتعلق برؤية المؤلف للكتاب: هل يراه مصدر دخل وعائدًا ماديًا فقط، أم منتجًا ثقافيًا؟ وكذلك دور الناشر، ونظرة الموزع الذي قد يعتدي في بعض الأحيان على حقوق كلٍّ من الناشر والمؤلف، مؤكدًا أن الإشكالية الأهم تتمثل في نظرة الدولة نفسها إلى الكتاب. وأشار إلى وجود تجارب عربية ناجحة تنظر إلى الكتاب باعتباره أداة من أدوات قوة الدولة الناعمة، مستشهدًا بتجربة الشارقة بوصفها نموذجًا واضحًا، حيث تُعامل الثقافة باعتبارها شأنًا استراتيجيًا، ويُنظر إلى الكتاب نظرة حضارية تستهدف وصوله إلى أوسع شريحة من الجماهير. وأضاف أنه في ظل التعداد السكاني الضخم، إذا أُجريت إحصائية سنوية للإصدارات، سنجد أن عدد العناوين يتراوح بين 23 و25 ألف عنوان، إلا أن نحو 90٪ من هذه الكتب لا يُطبع منها سوى ما بين 200 إلى 500 نسخة، وفي بعض الأحيان أقل، بينما يُفترض أن يصل متوسط الطبعة إلى 5 آلاف نسخة، وهو أمر يصعب تحقيقه في الواقع الحالي. وتابع أن مصر في مراحل سابقة كانت تشهد صدور كتاب جديد كل ست ساعات، وكانت نظرة المجتمع للكتاب مختلفة، حيث لم يكن المؤلفون يعانون من مشكلات النشر أو ضعف التوزيع كما هو الحال الآن، مؤكدًا أن الحديث عن اختفاء الكتاب الورقي بحلول عام 2050 غير دقيق، لأن الورق لا يزال يمثل القوة الضاربة في تشكيل وعي الأجيال، ولا يمكن الاستغناء عن العلاقة الإنسانية المباشرة مع الكتاب المطبوع. ولفت إلى أن النسبة الأكبر يُطلق عليهم تجار لا ناشرون، لكنهم في الوقت نفسه جزء مؤثر من منظومة صناعة النشر، مضيفًا: «نحن أمام جوهر المشكلة: ما حدود دور الناشر الخاص، وما دور الناشر الحكومي؟». وفي السياق ذاته، قال الناشر هاني عبد الله إن فكرة ومهنة النشر تُعد من المهن ذات التحديات العظيمة، مشيرًا إلى أنه بدأ العمل في المجال كمندوب مبيعات، واصفًا إياها بأنها من أكثر المهن التي تتطلب صبر أيوب ورأس مال طويل الأجل. وأوضح أن مهنة الناشر لا بد أن تقوم على أهداف واضحة ورؤية محددة، باعتبارها مهنة تراكمية تعتمد على الأجيال، مؤكدًا أن الجيل الحالي بدأ يجني ثمار ما تم بناؤه خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. وأضاف أن تحديد الرؤية الواضحة لمسار العمل يساعد على إبراز المشكلات الجوهرية للنصوص واختلافها، ويستلزم تقديم أفكار جديدة والتواصل مع أجيال مختلفة من القراء، متسائلًا: «أول كتاب سأصدره، سأتوجه به إلى أي فئة؟»، وهو ما يدفع دور النشر إلى وضع خطط تهدف إلى الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور. وأشار إلى أن نحو 67% من القراء تتراوح أعمارهم بين 18 و23 عامًا، وهو ما يفرض على الناشرين فهم طريقة تفكير هذه الفئة والتعامل معها بوعي. وأكد أن التسويق والتوزيع يأتيان في مراحل لاحقة لا تقل أهمية، لافتًا إلى أن مهنة النشر تمر بدورة عمل مليئة بالتحديات، إلا أنها تشهد منذ عام 2011 تطورًا ملحوظًا في معدلات القراءة لدى فئة الشباب.