في الرابع عشر من يناير، ومع احتفاء مصر بعيد الآثاريين، تتجدد الذاكرة المهنية لاستحضار أسماء تركت بصمة راسخة في خدمة التراث الوطني. اقرأ أيضا | في عيد الآثاريين.. وزير السياحة يكرّم الدكتور محمد الكحلاوي تقديرًا لدوره في حماية التراث العربي ومن بين هذه القامات تبرز الدكتورة ضياء أبو غازي، التي جسدت نموذجًا نادرًا للعالِمة الباحثة والقيّمة الأمينة على المعرفة، لم تكن مسيرتها مجرد رحلة عمل داخل المتحف المصري، بل كانت مشروعًا متكاملًا لحماية الذاكرة العلمية وتيسير البحث الأثري للأجيال المتعاقبة، في زمن كانت فيه مشاركة المرأة في هذا المجال تتطلب شجاعة علمية وإصرارًا استثنائيًا. تُعد الدكتورة ضياء أبو غازي إحدى العلامات البارزة في تاريخ العمل الأثري المصري الحديث، ليس فقط بوصفها عالمة آثار، بل باعتبارها ركيزة أساسية في بناء البنية المعرفية للمتحف المصري بالقاهرة. ارتبط اسمها ارتباطًا عضويًا بمكتبة المتحف المصري، حتى أصبحت جزءًا من هويتها العلمية، وتقديرًا لعطائها، أُطلق اسمها على قاعة الدراسة والاطلاع بالمكتبة، تكريمًا لدورها المحوري في تطويرها وصون محتوياتها النادرة. فقد كرست سنوات طويلة من حياتها المهنية لتنظيم الأرشيف العلمي، وفهرسة الكتب والدوريات والمخطوطات، وضبط آليات الحفظ والتوثيق بما يتوافق مع المعايير الدولية للمكتبات المتحفية. ولم يكن دورها إداريًا فحسب؛ إذ كانت حاضرة يوميًا بين الباحثين والدارسين، تقدم لهم التوجيه العلمي، وتساعدهم في الوصول إلى المصادر النادرة، وتفتح أمامهم مسارات بحثية جديدة، ولهذا اكتسبت بين الأوساط الأكاديمية لقب «المرجع الحي» لتاريخ مصر القديمة وتاريخ العمل الأثري ذاته. كما أسهمت بشكل كبير في إثراء المكتبة العربية والعالمية عبر أعمال ببليوجرافية رصينة، هدفت إلى حصر وتصنيف كل ما كُتب عن الآثار المصرية، هذه الأعمال أصبحت لاحقًا أدوات أساسية للباحثين، ووفرت عليهم سنوات من البحث المشتت، ورسخت منهجًا علميًا دقيقًا في التوثيق والمراجعة. اليوم، ومع الاحتفال بعيد الآثاريين، لا يُستعاد اسم الدكتورة ضياء أبو غازي بوصفه ذكرى شخصية راحلة، بل كمدرسة علمية متكاملة في الانضباط البحثي، واحترام الوثيقة، وحماية المعرفة، فما زرعته داخل أروقة المتحف المصري لا يزال حاضرًا في كل رسالة علمية، وكل باحث يجلس في مكتبة المتحف، وكل كتاب يوثق حضارة مصر العريقة. لقد كانت وستظل حارسة للذاكرة، وجسرًا بين الماضي والباحثين، ونموذجًا مهنيًا يُحتذى به للأجيال الجديدة من الآثاريين.