■ كتبت: مي فرج الله كشفت مجلة «ذا جارديان ويكلي» البريطانية كواليس محاكمة الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، الذى أنكر جميع التهم الموجهة إليه والمتعلقة بتهريب المخدرات والأسلحة والإرهاب المرتبط بالمخدرات، وذلك بعد يومين فقط من اعتقاله على يد القوات الخاصة الأمريكية فى عملية أمر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأثارت صدمة واسعة على المستويين الإقليمى والدولى. ◄ اعتقال مادورو وزوجته استغرق ساعتين و28 دقيقة ◄ مادورو كان يقضى ليله متنقلاً بين 8 مواقع قبل اعتقاله وقالت المجلة إن قِصر جلسة الاستماع الرسمية فى المحكمة الفيدرالية بمانهاتن، والتى لم تتجاوز ثلاثين دقيقة، لا يعكس خطورة وتداعيات العملية الأمريكية. وخلال الجلسة، طُلب من مادورو فقط تأكيد هويته والإقرار بفهمه للتهم الأربع الموجهة إليه، فى مشهد قد يخفى عواقب سياسية وأمنية بالغة. وأضافت أن تزامن المحاكمة مع تطورات دولية لافتة، إذ بينما كان مادورو وزوجته سيليا فلوريس يمثلان أمام المحكمة فى مانهاتن السفلى، كان مجلس الأمن الدولي يعقد اجتماعًا طارئًا على بُعد كيلومترات قليلة، أدانت خلاله اثنتا عشرة دولة ما وصفته ب«جريمة العدوان» الأمريكية، كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إلى أن العملية تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولى. وخلال الجلسة، أصر مادورو، البالغ من العمر 63 عامًا - أمام القاضى الفيدرالى ألفين هيلرستين - على أنه «لا يزال رئيسًا لفنزويلا»، مؤكدًا أنه «أُسر بطريقة غير شرعية» ويُعامل ك«أسير حرب»، وقال مادورو بالإسبانية أثناء محاولات متكررة لمقاطعة القاضي: «أنا برىء، لست مذنبًا، أنا رجل شريف». وأشارت المجلة إلى أن أولى التهم وُجهت إلى مادورو عام 2020 ضمن قضية تهريب مخدرات واسعة شملت مسئولين فنزويليين ومقاتلين كولومبيين، لافتة إلى أن العقوبة المحتملة لكل تهمة قد تصل إلى السجن المؤبد. وفى السياق ذاته ذكرت المجلة أن زوجته، سيليا فلوريس أُلقى القبض عليها خلال غارة نُفذت فجر السبت الماضى - وأسفرت، بحسب التقارير - عن مقتل ما لا يقل عن أربعين شخصًا، بينهم مدنيون وعناصر من القوات الأمنية الفنزويلية والكوبية. وأفاد محاميها، مارك دونيلى بأنها تعرضت «لإصابات بالغة أثناء اختطافها».. وظهرت فلوريس فى المحكمة وهى تضع ضمادات على صدغها وجبهتها، مؤكدة عند إقرارها بالبراءة أنها «بريئة تمامًا». وذكرت «ذا جارديان ويكلى» أن احتمالات فرض الولاياتالمتحدة سيطرة مباشرة على فنزويلا بدت وكأنها تراجعت بعد أقل من 48 ساعة على الإطاحة المفاجئة بمادورو، إلا أن مسئولين أمريكيين حذروا من إمكانية تنفيذ تدخل عسكرى جديد فى حال عدم استجابة الرئيسة المؤقتة ديلسى رودريجيز للمطالب الأمريكية. ◄ تدخل عسكري وفى تصريحات للصحفيين، لوّح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بإمكانية التدخل العسكرى فى المنطقة، مشيرًا إلى أن الولاياتالمتحدة قد تتولى إدارة فنزويلا، الدولة الواقعة فى أمريكا الجنوبية والبالغ عدد سكانها نحو ثلاثين مليون نسمة. كما حذر ترامب من أن بلاده قد تشن «ضربة ثانية» إذا لم يتعاون أعضاء الإدارة المتبقون مع الجهود الأمريكية لإصلاح البلاد. وكانت رودريجيز، البالغة من العمر 56 عامًا، قد أعلنت فى وقت سابق ولاءها لمادورو، ووصفت اعتقاله ب«الفظاعة»، قبل أن تدعو لاحقًا إلى علاقة «متوازنة ومحترمة» مع الولاياتالمتحدة. وقالت رودريجيز عقب أول اجتماع لمجلس وزرائها منذ الإطاحة بمادورو: «نوجّه دعوة إلى حكومة الولاياتالمتحدة للعمل معًا على أجندة تعاون تهدف إلى التنمية المشتركة». وأشار ترامب إلى أن ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكى أجرى اتصالًا مع رودريجيز، التى قالت له: «سنفعل كل ما تحتاجه». وفي المقابل، قلّل ترامب من شأن زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو الحائزة على جائزة نوبل للسلام، معتبرًا أنها تفتقر إلى «الدعم» داخل فنزويلا، رغم ما تحظى به من احترام واسع لدى ملايين الفنزويليين، مقابل رفض واضح من القيادة العسكرية الداعمة للنظام. وفي سلسلة من المقابلات التليفزيونية قلّل ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكى من احتمالات غزو فنزويلا أو احتلالها، مؤكدًا فى الوقت ذاته أن الولاياتالمتحدة تُبقى على قوة قوامها نحو 15 ألف جندى فى منطقة الكاريبى، وقال روبيو لشبكة NBC: «لا توجد حرب. نحن فى حرب ضد منظمات تهريب المخدرات، وليست حربًا ضد فنزويلا، ليست لدينا قوات على الأرض». ومن جانبه، أكد رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر أن بلاده لم تكن متورطة فى العملية، لكنه امتنع عن إدانتها صراحة، كما أصدرت جميع دول الاتحاد الأوروبى، باستثناء المجر بيانًا دعا إلى ضبط النفس من جانب «جميع الأطراف» واحترام الشعب الفنزويلى، من أجل «استعادة الديمقراطية» فى البلاد. وفى تقريرها قالت المجلة البريطانية إن الولاياتالمتحدة استغرقت ساعتين و28 دقيقة فقط لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس فجر السبت قبل الماضى، فى عملية وُصفت بأنها استعراض غير مسبوق للقوة، أدخلت نحو ثلاثين مليون فنزويلى فى حالة عميقة من عدم اليقين، رغم أن التخطيط لها استمر عدة أشهر. وأشارت المجلة إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وأجهزة استخبارات أخرى لعبت دورًا حاسمًا فى عملية أُطلق عليها اسم «العزم المطلق»، حيث ركزت منذ أغسطس على تتبع ما يُعرف ب«نمط حياة» مادورو، أى تحركاته وأماكن إقامته وسفره وأنشطته اليومية، وفق ما وصفه الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية. ◄ اقرأ أيضًا | الولاياتالمتحدة تطلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن حول الوضع في إيران ◄ مواقع مختلفة ومع تعزيز الوجود العسكرى الأمريكى فى منطقة الكاريبى منذ سبتمبر شدد مادورو إجراءاته الأمنية، فكان يقضى ليله متنقلًا بين ستة إلى ثمانية مواقع مختلفة، معتمدًا بشكل متزايد على الاستخبارات المضادة الكوبية وحراسه الشخصيين، إلا أن تلك الإجراءات لم تكن كافية. ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز» تم تحديد موقع مادورو مساء الجمعة قبل الماضية داخل مجمع ثابت فى قاعدة فورتى تيونا العسكرية فى كاراكاس، بعد تحسن الأحوال الجوية بما سمح بتنفيذ العملية.. واستخدمت طائرات تجسس مسيّرة ضمن عمليات المراقبة، كما كشفت وكالة الاستخبارات الأمريكية لاحقًا عن وجود مصدر بشرى داخل الحكومة الفنزويلية، فى خطوة اعتُبرت محاولة لتقويض ثقة خلفاء مادورو فى المنظومة الأمنية. وأوضحت المجلة أن ما يصل إلى ربع سفن البحرية الأمريكية الحربية كانت متمركزة فى البحر الكاريبى منذ نوفمبر، مدعومة بأكبر حاملة طائرات فى العالم «يو إس إس جيرالد فورد»، وعلى متنها نحو أربعة آلاف بحار وطاقم جوى. وكان الهدف فى تلك الليلة تحقيق عنصر المفاجأة والسيطرة الجوية. وأصدر ترامب الأمر النهائى ببدء العملية فى تمام الساعة 11:46 مساءً بتوقيت كاراكاس، حيث جرى أولًا تأمين ممر جوى للمروحيات التى تقل قوات «دلتا فورس» عبر تدمير منظومات الطيران والدفاع الجوى الفنزويلية. ورغم امتلاك فنزويلا منظومات دفاع روسية متقدمة، من بينها طائرات «سو-30» وصواريخ «إس-300» و«بوك»، فإنها دُمّرت سريعًا، مع قصف القواعد الجوية ومراكز الاتصالات. وأفادت التقارير بمشاركة أكثر من 150 طائرة أمريكية فى الغارة الليلية، إلى جانب استخدام محتمل لهجمات إلكترونية، بحسب تلميحات ترامب، كما شهدت العاصمة الفنزويلية كاراكاس انقطاعًا واسعًا للتيار الكهربائى، وأظهرت صور الأقمار الصناعية قصف محطة كهرباء في فورتي تيونا. ووفقًا للجنرال كين حلّقت مروحيات «دلتا فورس» على ارتفاع منخفض جدًا لتجنب الرصد الرادارى، مستفيدة من التضاريس الجبلية المحيطة بالعاصمة. وعند وصولها إلى مجمع مادورو فى الساعة 2:01 صباحًا تعرضت لإطلاق نار، مما أدى إلى تضرر إحدى المروحيات دون تعطّلها. ◄ مجمع مادورو وكان الأمريكيون بنوا نسخة مطابقة لمجمع مادورو في قاعدة عسكرية داخل الولاياتالمتحدة، وامتلكوا معلومات دقيقة عن تصميمه وإجراءاته الأمنية. واندلعت اشتباكات مسلحة فور وصول القوة، وأسفرت عن مقتل عدد كبير من فريق حماية مادورو، بحسب ما أعلنه وزير الدفاع الفنزويلي لاحقًا. وأكد مسئولون فنزويليون مقتل ما لا يقل عن أربعين شخصًا فى أنحاء البلاد، بينما لم يُقتل أى جندى أمريكي، رغم إصابة عدد محدود منهم، وحاول مادورو الفرار إلى غرفة آمنة، إلا أنه لم يتمكن من إغلاق بابها الواقى قبل القبض عليه، بحسب ما قاله ترامب: «لقد هوجم بسرعة كبيرة». وعادت المروحيات إلى البحر الكاريبي في الساعة 4:29 صباحًا، حيث نُقل مادورو وفلوريس إلى متن الحاملة الهجومية «يو إس إس إيو جيما»، واعتبر محللون أن العملية شكّلت استعراضًا عسكريًا ناجحًا، وقال ماثيو سافيل المحلل في معهد الخدمات الملكية المتحدة: «لقد أزال الأمريكيون اثنين، إنجاز مثير للإعجاب، لكنه لا يُعد قطعًا للرأس».