مهما مرّ الزمان وتغيرت الظروف والأجيال والتكنولوجيا، إلا أن المخرج يوسف شاهين أو كما يلقبه محبوه وعشاقه ب«جو»، سيظل باقيًا فى ذاكرة الملايين بأعماله السينمائية التى قدمها طوال مشواره الفنى. وفي مئوية يوسف شاهين، تحدثنا إلى النقاد عن أهم المحطات فى حياته، وأكثر ما يميزه عن غيره، والمواقف التى جمعتهم به.. فماذا قالوا؟. تحدث الناقد طارق الشناوى قائلًا: أعتبر يوسف شاهين موسيقارًا؛ لأنه حوّل الحالة الموسيقية السمعية إلى فيلم سينمائى مرئى، وهو يمتاز بالحس الإيقاعى العالى سواء فى الجمل الحوارية أو فى تتابع اللقطات أو فى استخدام الموسيقى، ويُعد أستاذ الجمال فى الصورة، وقادرًا على تكوين اللقطة بإحساس جمالى متفرد، فلا من قبله وصل إلى ما وصل له، ولا حتى من هم فى جيله، فهو حالة سينمائية حقيقية. وأضاف: جو يمتلك كاريزما جعلت وجوده فى الحياة، وليس فقط على الشاشة، مهمًا ومؤثرًا على قطاع كبير، كما أن له طريقته الخاصة فى الحوار، التى أعطته اختلافًا وتفردًا، فضلًا عن أن تلاميذه كُثر فى كل الأجيال، بداية من جيل داود عبد السيد وخيرى بشارة وعلى بدرخان، مرورًا بيسرى نصر الله وخالد يوسف، وصولًا إلى المخرج أمير رمسيس. واستكمل حديثه: شاهين كان يجيد الدفاع عن فنه وعن نفسه، واستطاع أن يجد معادلة إنتاجية فى كل زمن، طوال مشواره الذى قدم خلاله ما يقرب من 42 فيلمًا سينمائيًا، فقدم أفلامًا مع الدولة المصرية، ومع الجزائر، ومع أوروبا، وتحديدًا مع الجانب الفرنسى، وفى كل تلك المراحل كان يحقق أحلامه حتى لو كانت تغيرات السوق مختلفة من زمن لآخر. واختتم قائلًا: يُحسب ليوسف شاهين أنه قدم كل الأنماط وكل الأنواع من الأفلام، سواء الغنائى أو التاريخى أو الفانتازيا أو الواقعى، ولكن فى كل عمل سنجد الإحساس الخاص ليوسف شاهين. ◄ ليس مجرد مخرج أما الناقدة ماجدة خير الله فتقول: يوسف شاهين ليس مجرد مخرج متميز، بل إنه صانع سينما ومؤسسة كاملة؛ لأنه كان يقوم بالإنتاج والتوزيع لعدد من الأفلام السينمائية، كما أن له تلاميذ فى الإخراج السينمائى، ورغم أنهم لم يتقيدوا بأسلوبه، فإنهم ساروا على نفس تفكيره، وهو الأمر الذى يصنع منه شخصية لم تتكرر. وأضافت: أفلام شاهين قدمت تاريخ مصر، وعرفت الأجيال القادمة ما كان يحدث فى العصور التى لم يعاصروها، ومن أبرز تلك الأفلام فيلم «العصفور» الذى تحدث عن نكسة 1967، و«الناس والنيل» الذى تحدث عن بناء السد العالى، و«جميلة بو حريد»، و«الأرض»، و«الاختيار»، و«عودة الابن الضال»، و«باب الحديد» الذى شارك فيه بالتمثيل وأظهر أنه ممثل رائع، وكان يمكن أن يستمر، لكن طريقة حديثه فى الكلام حالت دون ذلك. واستكملت حديثها: يُحسب ل«جو» أنه هو من فتح الباب لمصر على المهرجانات الدولية، إذ كان يشارك فى العديد من المهرجانات الدولية بأعماله السينمائية، مثل مهرجان كان وموسكو وبرلين وغيرها، وهو كان المخرج المصرى الوحيد الذى وصل إلى العالمية، وللأسف ليس لدينا مخرج آخر يتولى الراية من بعده، سواء محليًا أو دوليًا، حتى تلاميذه لم يستطيعوا أن يكونوا مثله. واختتمت «خير الله» قائلة: يوسف هو صاحب الفضل فى إنشاء سينما كريم، وكان حلم حياته أن يقدم «هاملت»، لكنه لم يستطع تحقيق هذا الحلم حتى وفاته. ◄ اقرأ أيضًا | مئوية يوسف شاهين.. المخرج الذي عاش في الاشتباك ◄ جو الإنسان وتقول الناقدة مها متبولى: أكثر ما يميز يوسف شاهين هو الكادرات الخاصة به، فهو أفضل مخرج فى العالم فى تلك الجزئية، كما أنه قدم العديد من الأعمال المهمة، وأبرزها «المصير» و«المهاجر» و«الآخر» و«الأرض»، وعلى الرغم من أنه مخرج عالمى إلا أنه كان لديه بعض العيوب، أبرزها أنه كان يفرض طريقته على أداء الممثلين، ولذلك تجد تشابهًا فى الأداء بين الفنانين فى أفلامه، وربما الوحيد الذى خرج من تلك المنطقة هو الفنان الراحل محمود المليجى عندما شارك معه فى فيلم «الأرض". وأضافت: هناك موقف جمعنى ب«جو» عندما كنت أذهب إلى مكتبه من أجل إجراء حوارات صحفية معه، وكنت أواجه مشكلة فى لقاءاتى معه، وهى أنه كان لديه كلام يرغب فى قوله ولا ينتظر الأسئلة، والأمر الآخر هو خفة ظله المعتادة، وكان يلقى بالإفيهات أثناء الحوار، فهو على المستوى الإنسانى كان لديه ثقة كبيرة فى نفسه وموهبته، وهذا أحد أسباب نجاحه، وكان يتعب جدًا من أجل توصيل أفلامه إلى العالمية، ولا يكل أو يمل من هذا الأمر؛ لأنه كان هدف أساسيًا يسعى للوصول إليه. واختتمت حديثها: هناك موقف حكاه لى يوسف شاهين بنفسه عندما كان عضو لجنة تحكيم فى أحد المهرجانات العالمية، وقام بترشيح أحد الممثلين للحصول على جائزة أفضل ممثل، وجاء رئيس اللجنة وأبلغه أن الجائزة ستذهب لممثل آخر لأنه يعانى من مرض السرطان، والمهرجان يرغب فى مساندته ودعمه فى تلك الأزمة الصحية، لكنه أخبرهم أنه على المستوى الفنى لا يستحق الجائزة، وأن المرض ليس له علاقة بالفن والإبداع، ولكنهم أصروا على إعطاء الممثل المريض الجائزة، فترك لهم اللجنة ولم يُكمل أيام المهرجان، وحكى لى هذا الموقف ليؤكد لى أن حتى المهرجانات العالمية بها مجاملات. ◄ رسالة شكر وتقول الناقدة ماجدة موريس: على الرغم من عدم مقابلتى بيوسف شاهين طوال حياته، إلا أن هناك موقفًا له لا يمكن أن أنساه، وهو عندما كان يتعرض لهجوم كبير أثناء عرض فيلمه «المصير»، وكتبت وقتها مقال إشادة بالفيلم، وفوجئت بحرصه واهتمامه على إرسال رسالة شكر لى على دعمه فى تلك الفترة، والحقيقة أننى أراه واحدًا من أهم المبدعين فى السينما المصرية بشكل عام؛ لأن ما قدمه من أفلام يصعب أن يفعله مخرج آخر غيره. وأضافت: كل أفلام شاهين مهمة ومختلفة من حيث التفكير، إذ قدم أربعة أفلام عن رحلته العائلية، وهى «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية نيويورك»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«حدوتة مصرية»، ليحكى لنا من خلال تلك الأفلام جزءًا مهمًا من تاريخ مصر، إلى جانب الأفلام الأخرى التى قدمها مثل «الأرض»، و«الاختيار»، و«الناصر صلاح الدين»، و«المهاجر»، و«المصير»، و«باب الحديد»، وغيرها الكثير، ولو نظرنا بعمق سنجد أنه بعد رحيل «جو» لم تُقدم فى السينما المصرية تلك النوعية من الأفلام التى تحمل أفكارًا مختلفة. واختتمت حديثها قائلة: يوسف شاهين يستحق أكثر مما حققه فى حياته، وحصوله على «فرنسوا كاليه» من مهرجان كان السينمائى عن فيلم «الآخر» عام 1999 يستحقه، ولا توجد به أى مجاملة، ويكفى أننا نتذكر أعماله حتى الآن، وسيظل هو من أهم مبدعى السينما المصرية على مدار تاريخها.