مع حلول عيد الآثاريين المصريين في 14 يناير، لا يقتصر الاحتفاء على الاكتشافات والمعارض والبعثات، بل يمتد ليشمل الرواد الذين شقّوا الطريق أمام الأجيال الحالية. اقرأ أيضا | يل سميث يختار القاهرة وجهة لزيارته الخاصة.. والأهرامات على جدول جولته ومن بين هؤلاء يبرز اسم أحمد باشا كمال، الرجل الذي حوّل علم المصريات من مجال يكاد يكون أجنبيًا خالصًا إلى علم يقوده المصريون، مؤسسًا لمرحلة جديدة في قراءة تاريخ مصر بعين مصرية خالصة. يُعد أحمد باشا كمال (1851–1923) أحد أعمدة النهضة الأثرية المصرية الحديثة، حتى استحق عن جدارة لقب «عميد الأثاريين المصريين»، فقد كان أكثر من باحث؛ كان صاحب رسالة وطنية تهدف إلى استعادة المصريين لدورهم الطبيعي في دراسة تاريخهم وحماية آثارهم. وُلد كمال في القاهرة، وتلقى تعليمه المبكر في «مدرسة اللسان المصري القديم» على يد العالم الألماني هينريش بروكش، حيث أظهر نبوغًا لافتًا في اللغات، إذ أتقن سبع لغات بينها المصرية القديمة والقبطية والفرنسية والألمانية. ورغم هذا التفوق، واجه واقعًا قاسيًا في زمن كانت فيه المصريات حكرًا شبه كامل على الأجانب، وكان يُنظر إلى المصري على أنه غير مؤهل لقيادة هذا المجال، إلا أن أحمد كمال لم يقبل بهذا الواقع؛ بدأ مترجمًا وكاتبًا، ثم أثبت نفسه تدريجيًا بجهده وعلمه، حتى أصبح أول مصري يُعيَّن أمينًا بالمتحف المصري بالقاهرة، ليبدأ مرحلة ما يمكن وصفه ب«التمصير الحقيقي» لعلم الآثار، بدلًا من التمصير الشكلي الذي كان قائمًا آنذاك. ميدانيًا، كان كمال حاضرًا في لحظات مفصلية من تاريخ العمل الأثري المصري، فقد شارك في عملية إنقاذ خبيئة الدير البحري عام 1881، التي نُقلت فيها مومياوات كبار ملوك مصر وعلى رأسهم رمسيس الثاني وتحتمس الثالث إلى المتحف المصري لحمايتها من النهب والتهريب، كما قاد وأشرف على حفائر مهمة في عين شمس، وأسيوط، ومنف، مؤكدًا قدرة الباحث المصري على قراءة الأرض وفهم طبقاتها التاريخية. لكن أعظم إنجازاته ظل مشروعه الضخم: قاموس اللغة المصرية القديمة، الذي كرّس له نحو عشرين عامًا من حياته، جاء هذا العمل في 22 مجلدًا بخط يده، جامعًا بين الدقة العلمية والرؤية الحضارية، وطرح فيه رؤية تربط بين جذور اللغة المصرية القديمة والعربية، ليؤكد استمرارية ثقافية ولغوية بين المصري القديم والمصري الحديث، ويكسر فكرة الانقطاع التاريخي. إدراكًا منه بأن التغيير لا يصنعه فرد واحد، ناضل أحمد كمال لفتح باب تعليم المصريات للمصريين داخل الجامعات، وساهم في تخريج الجيل الأول من علماء الآثار الوطنيين، ومن أبرزهم سليم حسن صاحب موسوعة مصر القديمة، ومحمود حمزة، اللذان واصلا المسيرة بعده. رحل أحمد باشا كمال عام 1923، لكنه ترك إرثًا علميًا وأخلاقيًا راسخًا، وتجسدت رسالته في مقولته الخالدة: «آثاركم هي هويتكم، فكونوا حراسها الأمناء»، وفي عيد الآثاريين، يظل اسم أحمد باشا كمال شاهدًا على أن المتحف المصري لم يكن ليصبح رمزًا وطنيًا كما هو اليوم لولا رجال آمنوا بأن التراث المصري يجب أن يُدار بعقول وقلوب مصرية.. كل عام والآثاريون المصريون أوفياء لأمانة التاريخ، وحراسًا أمناء على حضارة لا تنضب.