كشف تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن لحظة حرجة يمر بها النظام العالمي في ظل السياسات الأمريكية خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية. وشن ترامب، هجوما متواصلا على أسس النظام الدولي، مهددا التعاون متعدد الأطراف، وفرض تعريفات جمركية أحادية الجانب، وسحب الولاياتالمتحدة من عدة هيئات عالمية هامة. بينما أعاد هذا الوضع تعريف الدور الأمريكي، ليصبح العالم اليوم "ناقص واحد"، أي غياب القيادة الأمريكية التقليدية عن إدارة النظام العالمي. اقرأ أيضًا| ترامب: قراراتي تحكمها معاييري الأخلاقية وعقلي الخاص لا القانون الدولي إدارة النظام العالمي «بلا واشنطن» أكد التقرير أن الولاياتالمتحدة لم تكن يوما الدولة المثالية في التعاون الدولي. فقد اتجهت إلى الانعزالية حين كانت قوة صاعدة، وإلى الأحادية حين أصبحت قوة عظمى. وفي ولاية ترامب، ظهر مزيج جديد من الانعزالية والتوسع، يجمع بين رفض التعددية والتركيز على ممارسة القوة بشكل مفرط، ما يخلق واقعا دوليا جديدا يعكس "العالم ناقص واحد". ويشير المحللون، إلى أن ترامب سرّع ظهور هذا الواقع، فبينما تبقى الولاياتالمتحدة الدولة الأقوى اقتصاديا وعسكريا، فهي غائبة أو معادية للنظام الدولي القائم، وهو وضع يختلف عن التعددية التقليدية. تاريخيا.. العالم استمر رغم غياب القوة المهيمنة يستعرض التقرير تجارب القرن العشرين، حيث أثبتت بعض المؤسسات الدولية قدرتها على الصمود رغم غياب الولاياتالمتحدة. وعلى سبيل المثال، حركات إنهاء الاستعمار والمساواة العرقية تحققت غالبا بدون دعم أمريكي مباشر، مثل مؤتمر باندونج عام 1955 الذي تبنى إنهاء الاستعمار ومبادئ المساواة، رغم معارضة واشنطن. أيضاً، تم تأسيس مؤسسات مثل عصبة الأمم، والأممالمتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، واستمرت في أداء مهامها حتى عند عدم التزام واشنطن، مما يؤكد قدرة المجتمع الدولي على العمل رغم غياب أو عداء القوة المهيمنة. أمثلة حديثة على استمرار التعاون الدولي - اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، رفضت واشنطن التوقيع رسميا، لكنها ما زالت تستفيد من آليات الاتفاقية في النزاعات البحرية، مثل مواجهة المطالبات الإقليمية للصين. - اتفاقية باريس للمناخ، وكان انسحاب الولاياتالمتحدة قد قلل فعالية الاتفاقية ماليا، لكن دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي والهند استمرت في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات. - المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، فرغم معارضة واشنطن وفرض عقوبات على المحكمة، واصل حلفاء الولاياتالمتحدة دعم استقلالها، لتظل رادعا ضد الإفلات من العقاب. اقرأ أيضًا| خبراء السياسة الخارجية يحذرون من بؤر تهدد الاستقرار العالمي خلال 2026 الهجوم الأمريكي على التعددية أكدت «فورين بوليسي»، أن ترامب رسخ عداءه للمؤسسات الدولية ضمن استراتيجيته للأمن القومي لعام 2025، معتبرا أن شبكة المؤسسات الدولية تسعى لتقويض سيادة الدول. ومنذ عام 2016، انسحب أو أعلن ترامب نيته الانسحاب من اتفاقيات مثل: اتفاقية باريس، والاتفاق النووي الإيراني، ومجلس حقوق الإنسان، ومعاهدة السماوات المفتوحة، بالإضافة إلى تهديده بخفض ميزانية الأممالمتحدة وعمليات حفظ السلام بنسبة تصل إلى 25%، ما اضطر الأممالمتحدة لتقليص ميزانيتها وتسريح موظفين. ورغم سياسة ترامب، استمر التعاون الدولي بفضل قوى صاعدة ومؤسسات متعددة الأطراف، مثل:- - مجموعة البريكس، التي تحدت سياسات ترامب ورفضت خفض اعتمادها على عملتها المحلية أو تبني العملة الموحدة التي تهدد الدولار. - منظمة شنجهاي للتعاون، والتي أيضًا أظهرت تماسكا في العلاقات بين الصين والهند رغم التهديدات الأمريكية. - مجموعة العشرين، حيث ركّزت على التنوع والشمول والمساواة، وعقدت قمة جوهانسبرج 2025 رغم مقاطعة واشنطن. - العمليات الإقليمية لحفظ السلام، حيث أدار كلا من الاتحاد الأفريقي والمؤسسات دون الإقليمية عشر عمليات في 17 دولة، ممولاً بشكل كبير من الاتحاد الأوروبي مع دور محدود للولايات المتحدة. صعود آسيا وأوروبا فضلا عن دور الصين والهند والاتحاد الأوروبي في ملء الفراغ الأمريكي: فالصين، عززت مشاركتها في عمليات حفظ السلام والأممالمتحدة، وتوسعت في اتفاقيات التجارة الإقليمية مثل RCEP وCAFTA. والهند، وسّعت علاقاتها التجارية مع آسيان، واليابان، والمملكة المتحدة، مع الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي تجاه روسيا. أما الاتحاد الأوروبي، فقد أطلق خطة "البوابة العالمية" بقيمة 300 مليار دولار لتعزيز البنية التحتية والطاقة وحماية المناخ، خاصة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بالتوازي مع مبادرات الصين. الأممالمتحدة بين التحديات والفرص رغم مقاطعة واشنطن لمؤتمرات رئيسية، استمر عمل الأممالمتحدة في حماية الحياة البحرية، ومواجهة تغير المناخ، وحشد الدعم المالي للدول النامية. وأشار التقرير إلى ضرورة إصلاح المنظمة، من خلال تقليل الميزانية، والتخلص من الازدواجية، وربما نقل مقرها خارج نيويورك لتجنب الاعتراض الأمريكي المستمر. سيناريوهات المستقبل بحسب المجلة ذاتها، يتوقف مستقبل "العالم ناقص واحد" على السياسة الداخلية الأمريكية والضغوط الدولية: 1. «الابن الضال»، وهو عودة واشنطن إلى النظام الدولي بقبول العالم، لكن العالم لن ينسى سنوات ترامب. 2. «المرقّة التي لا غنى عنها»، حيث تظل الولاياتالمتحدة قوة مهمة عسكريا واقتصاديا، لكنها لن تستعيد زمام القيادة العالمية، ما يخلق نظاما عالميا أكثر تعقيدا ولا مركزي، مع دور أكبر للقوى الصاعدة والمؤسسات متعددة الأطراف. وسواءًا كان السيناريو الأول أو الثاني هو الذي سيحدث، فلا شك أن سياسات ترامب خلقت نظاما عالميا جديدا.. حيث أصبح التعاون الدولي أكثر تنوعا واعتمادا على مجموعة من القوى الإقليمية والمؤسساتية، بينما تظل الولاياتالمتحدة دولة مؤثرة لكنها لم تعد القائد الأول للنظام العالمي. اقرأ أيضًا| أمريكا غير المتوقعة.. كيف يتعلم العالم إدارة علاقته مع ترامب؟