لن أزيد كثيرا، بالحديث عن الخطوط الحمراء التى رسمها البيان المصرى، الصادر الخميس الماضى عن الحالة السودانية، فقد تناولها العديد من الكتابات المتميزة، خاصة وأنها ثمثل موقفا يتسم بالوضوح الشديد والحزم المطلق، تجاه رفض إنشاء كيانات موازية فى السودان، والتى تمس وحدة البلاد وسلامة أراضيه، مع التأكيد على الحفاظ على مؤسسات الدولة، وحق مصر فى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة فى إطار القانون الدولى، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك، ولكنى سأحاول رصد المشهد السياسى والعسكرى السودانى، الذى أصبح يمثل خطرا حقيقيًا على الإستقرار، ليس عليه فقط ،بل على دول الجوار، خاصة وأن كافة السيناريوهات المطروحة مخيفة، فى ظل التعقيد الشديد للأزمة، مع تعدد التحالفات الإقليمية والدولية، ناهيك عن حالة الهشاشة التى تمر بها البلاد، بما فيها انهيار المؤسسات الأمنية والإدارية، وفقدان السيطرة على الموارد، والمناطق الحدودية، وتصاعد النزاعات القبيلة، مما تتضاءل معه فرصة التوصل إلى حل سلمى، وأصبح هناك مخاوف حقيقية من وصول الأمور إلى خيارات (أحلاها مر). ويكشف المشهد السودانى عن حالة من التأزم غير المسبوق، بعد سنوات من الحرب من خلال بعدين، وهما كالتالى : الأول : عسكرى، حيث تشير خريطة العمليات القتالية ، عن سيطرة القوات المسلحة على أجزاء من شمال وشرق السودان، وقد حقق الجيش نجاحات مهمة فى مارس الماضى، باستعادة السيطرة على القصر الجمهورى ومواقع سيادية عديد فى العاصمة الخرطوم، بعد أشهر من سيطرة الدعم السريع عليها ،وسط توقعات بأن الأمر سيمثل نقطة فاصلة فى حسم الأمور، إلا أن توافد المرتزقة من دول عديدة، وجسر الإمداد العسكرى للأخيرة، وبمعدات متطورة ومنها الطيران المسير، ساهم فى تعديل موازين القوى، بعد سقوط الفاشر، مما مكن الدعم من تعزيز خطوط إمداده عبر الحدود مع تشاد وليبيا ، كما بسط سيطرته على أجزاء من غرب وجنوب وشمال ولاية كردفان، والتى تمثل حلقة وصل بين وسط وغرب السودان، كما تتحكم فى عدد من الطرق المهمة التى تربط الخرطوم ناهيك سيطرتها فى يونيو الماضى على منطقة المثلث الحدودى، الذى يجمع مصر وليبيا والسودان، وكذلك جنوب النيل الأزرق، وآخر ما حققته سيطرتها على حقول النفط فى منطقة هجيلج ، بعد انسحاب قوات الجيش من المنطقة خوفا عليها من التدمير، وبالمجمل فالواقع على الأرض يكشف عن غياب الحسم العسكري، وعدم قدرة الأطراف على إنهاء الصراع لصالحه. الثانى : على المستوى السياسى، فهناك محاولة لتغيير المعادلة، بعد أن تم تعيين كامل إدريس كأول رئيس للوزراء فى مايو الماضى، وكان قد شغل منصبا دوليا، وليس له أى انتماءات سياسية، مع حكومة من التكنوقراط والخبرات، والغريب أن الدعم السريع حاول القفز على حقيقة، أنه ميلشيا عسكرية، وسعى إلى الإعلان عن تحالف (تأسيس) فى يوليو الماضى كواجهة مدنية من القوى المساندة له، وتشكيل مجلس رئاسى بقيادة حميدتي، ويتكون من 18 عضوا ، مع حكومة موازية ، مع إصدار ميثاق سياسى، فى توقيت غير مناسب حتى على الصعيد العسكرى ، بعد أن فقد مناطق استراتيجية مثل الخرطوم العاصمة ووسط السودان والنيل الأزرق والجزيرة، وكان من الطبيعى غياب أى اعتراف عربى او اقليمى او دولى بها . وبعد فإن السودان أمام مفترق طرق، وخيارات محدودة، فى مقدمتها سيناريو (الفوضى) ، فى ظل مخاوف من صراعات بين القوى المتحالفة مع الدعم ، خاصة فى ظل غياب إجماع على فكرة حق تقرير المصير أو الإنفصال فى دارفور ، مما يفتح الباب للحرب، بين مجموعات دارفور العربية الحاضنة الأساسية للدعم، وأصحاب الأصول الإفريقية، والأخيرة، لم تنس ما حدث لها على يد ميلشيات الجنجويد،) ، ولك أيضا أن تتوقع انعكاسات ذلك على دولة مثل السودان، متعدد الأعراق، ولها حدود مشتركة مع سبع دول،وكثير منها له امتدادات عريقة مع السودان، ويعانى أصلا من حالة عدم استقرار مزمن، وتوترات عرقية وأزمات سياسية ،أو (العودة إلى التسوية السياسية) فى ظل المتغيرات الجديدة، منها الموقف المصرى الأخير بخطوطه الحمراء، والرغبة الأميركية فى التوصل الى حل ،وهو ما أعلنه وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، من أن العام الجديد، يمثل فرصة لهدنة إنسانية فى السودان وأن 99 بالمائة من الجهد والتركيز ينصب على التوصل إليها فى أسرع وقت، ودخول السعودية أيضا على الخط ،وقد زارها البرهان مؤخرا، كما كان الملف السودانى مطروحا للحوار بين ترامب وولى العهد الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارته لواشنطن منذ أسابيع. وظنى، أن المبادرة التى طرحها رئيس الوزراء السودانى كامل إدريس أمام مجلس الأمن منذ يومين، والتى كما قال، تتكامل مع الجهد المصرى الأمريكى السعودى، جديرة بالاهتمام، وكان عليها أن تؤكد أن المبدأ الأساسى هو رفض السلاح خارج الدولة، ورفض أى وجود لجماعات مسلحة، حتى تلك التى انحازت للحكومة مؤخرا ، دون اقتصار الحديث عن نزع سلاح الدعم بمراقبة دولية وتجميعها فى معسكرات مراقبة و متفق عليها دوليا وإقليميا وعربيا.