»اثار الحكم الذي أصدره القضاء الإداري مؤخرا بأحقية سيدة في قيد طفلها في سجلات مصلحة الأحوال المدنية بصفة مؤقتة بإسم زوجها استنادا الي عقد زواجها العرفي جدلا واسعا.. وانقسمت الاراء الي اتجاهين الأول مؤيدا للحكم وإعتبره منصفا لحقوق الطفل التي رسخها الدستور المصري وقانون الطفل في المادة 4 منه التي تنص علي ان للطفل الحق في نسبه لوالديه الشرعيين والتمتع برعايتهما كما ان الحكم شمل تأكيدا لنص اقرار حق الطفل في استخراج الاوراق الرسمية لشخصه بينما الاتجاة الثاني ان الحكم يشجع علي فكرة الزواج العرفي.. كما انه قد يؤدي الي خلط الانساب بسبب إمكانية إدعاء الأم بنسب الطفل لرجل غير ابيه الشرعي.. السطور التالية توضح مفهوم الحكم وتفسر الصفة المؤقتة التي ذيل بها وتستطلع رأي علماء الدين من الناحية الشرعية.» يقول المستشار محمد الشاذلي رئيس محكمة استئناف القاهرة للاسرة ان الأصل في اثبات نسب الاطفال هو اللجوء الي محكمة الاسرة صاحبة الاختصاص الاصيل في هذه المسألة ولذلك مسار طبيعي تتبعه وهو ان تقيم دعوي اثبات نسب استنادا للعقد العرفي والمحكمة تتولي التحقيق في الواقعة والاثبات. أما اذا كانت الأم لا تملك العقد فتلجأ الي البينة للاثبات أنها متزوجة من هذا الشخص وأن الزواج أثمر عن هذا الطفل والمقصود البنية هو شهادة الشهود من الجيران الذين شهدوا الزيجة أو شاهدوا الزوجين مجتمعين في أماكن عامة أو شهدوا أعراض الحمل أو الانجاب. وهنا تقوم المحكمة باثبات النسب دون العقد وهذا الدور تقوم به محاكم الاسرة منذ سنوات عديدة.. أما ما حدث في حالة هذا الحكم فإنه علي الاغلب ان الأم توجهت لتسجيل طفلها في سجلات الأحوال المدنية دون الانتظار لاثبات نسبه لابيه وفقا للمسار الطبيعي المذكور سلفا وأمام رفض الجهات الرسمية لذلك قام الدفاع الخاص بها برفع دعوي أمام القضاء الإداري بإعتبار الرفض قرارا إداريا سلبيا من قبل وزارة الداخلية ممثلة في السجل المدني.. فقضت محكمة القضاء الاداري بمجلس الدولة بأحقية السيدة في قيد طفلها في سجلات الأحوال المدنية بإسم زوجها إستنادا الي عقد زواجها العرفي.. ويوضح المستشار الشاذلي أن المحكمة استندت الي أن عقد الزواج العرفي يعد في حد ذاته سندا لإصدار وثيقة ميلاد للطفل مثبتا فيها اسمه منسوبا للزوج في ذات العقد. ويضيف المستشار الشاذلي ان وثيقة شهادة الميلاد ليست حجة في إثبات النسب وإنما تعد قرينة وتلك القرينة تزول بمجرد صدور حكم من محكمة الأسرة المختصة بإثبات نسب الطفل ولهذا تم تذيل الحكم بكلمة »بصفة مؤقتة» أي أن هذا التسجيل بالسجل المدني هو مرحلة تيسيرية لحين لجوء الأم الي محكمة الأسرة والفصل في نسب ولدها رسميا إذا أنكر الأب ويترتب علي هذا الاثبات والزواج العرفي كل الاثار والحقوق المترتبة علي الزواج الرسمي من نفقة ومواريث. ويقول المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة سابقا أن حكم القضاء الاداري جاء وفق صحيح القانون لأنه لاثبات نسب الطفل يكفي ان يكون بوجود العقد أو حتي شهادة الشهود وإثبات نسبه يتبعه وجوب قيد ميلاد الطفل وهذا ليس بجديد أما الاختلاف في هذا الحكم هو أن الزام الدولة بقيد الطفل بمصلحة الأحوال المدنية جاء دون النظر الي إنكار الزوج لبنوة الطفل أو لوجود نزاع من عدمه بين الزوجين وهو ما يمثل إعلاء لمصلحة الصغير وحماية له ولحقوقه وحتي يتمكن من استخراج الأوراق الرسمية والالتحاق بالمدارس والحصول علي الخدمات الطبية والتمتع بالشخصية القانونية. ويشير المستشار الجمل أن الهجوم حول أن الحكم يساعد علي ترسيخ فكرة الزواج العرفي وتيسيرها أو حتي حدوث الخلط في الانساب فإن هذا غير صحيح لأن الحكم يؤكد نسبة الابن لوالده بمجرد اثبات الزواج العرفي سواء بالعقد أو بشهادة الشهود وهو ما يجعل الشباب من الذكور المقبلين علي هذا النوع من الزواج ظنا منهم انه يعفيهم من المسئولية ويتهرب من الانفاق والرعاية فهذا الحكم سيعدل من هذا الأمر ويحملهم المسئولية بقيد الطفل باسم والده وينتج عن ذلك كل حقوقه.. وهذا هو المبدأ الذي تبناه القضاء الإداري وقرر أنه يجب تسمية الطفل لأبيه وفقا للعقد العرفي والزم الدولة باصدار شهادة ميلاده إلا أن هذا القرار لا يكون بصفة دائمة وإنما مؤقتا ويقصد به أنه تسجيل للطفل لحين أن تقوم والدته بإثبات نسبه برفع دعوي بمحكمة الأسرة . ومن الناحية الشرعية يقول د. أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن و الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أنه من المقرر شرعا ان عقد الزواج الصحيح له مقدمات ومكونات ومتممات أما المقدمات فهي الخطبة وحسن الإختيار وهي ليست جزءا من العقد أما المكونات فهي أركان وشروط العقد وهي الإيجاب والقبول من الطرفين وتحديد المهر أو الصداق والولي عند جمهور الفقهاء خاصة المرأة البكر والشهود أما المتممات من الوليمة والإعلان والزفاف وهي ليست جزءا من العقد.. وبناء علي ذلك اذا توافرت أركان العقد وشروطه فهو صحيح سواء وقع في محررات الدولة الرسمية- وزارة العدل- أو في محررات عرفية أو حتي شفوية فالزواج من الوجهة الفقهية صحيح ويترتب عليه أثاره من الحقوق المشتركة للزوجين ومما يتصل بهذا الأمر نسب الطفل الناتج عن هذه الزيجة فالشرع إحتاط للأنساب احتياطا كبيرا فجعل كل دليل يثبت النسب ولو كانت قرينة فيعمل بها كذلك لعظم أمر النسب وعليه فاثبات أي فرد أو أي جهة لنسب المولود يكون صحيحا اذا كان عقد الزواج صحيحا سواء وثق هذا النسب أم لم يوثق فالاصل اثبات النسب ثم يأتي القيد والتسجيل مكملا لأن الاجراءات الإدارية هي أمور توثيقية لا تنفي صحة النسب بأي حال من الأحوال.