"الفجر" في لقاء مع محافظ البحيرة عقب تجديد الثقة: رضا المواطن على رأس الأولويات    "نفسنا نعيش زي الناس".. أهالي جزيرة الفوال بالبحيرة: احنا معزولين عن الحياة    الذهب يهتز في سوق الصاغة.. عيار 21 يفاجئ المواطنين وأسعار السبائك تتصدر المشهد في 18فبراير ببني سويف    قاضية أمريكية ترفض محاولة إدارة ترامب ترحيل طالب فلسطيني    تشييع جثمان الزميل محمود نصر بمسقط رأسه فى قنا.. فيديو وصور    لابيد يحذر من خسارة المعارضة الانتخابات إذا استمر الانقسام    بالسلالم، لحظة انتشال ركاب "ميكروباص" سقط في بيارة صرف صحي بالزاوية الحمراء (فيديو)    بلاغات عن عطل واسع النطاق فى يوتيوب    في طنطا والمحلة.. ثقافة الغربية تحتفل بليلة رؤية هلال شهر رمضان    لعزومة أول أيام رمضان، معهد التغذية يقدم نصائح لشراء الخضراوات والفاكهة الجيدة    مجلس النواب الإسباني يرفض مشروع القانون حول حظر النقاب والبرقع    فى أولي جولاته: محافظ دمياط يوجه بالتصدى للإشغالات وتحقيق الانضباط بالشارع    أحمد سمير زكريا: «الجبهة الوطنية» يطلق «مليون هدية» دعمًا للمواطنين    محمد علي السيد يكتب: السادات    «هدية رمضان» تنطلق من القاهرة إلى محافظات الجمهورية بدعم الجبهة الوطنية    الحلقة الأولى من مسلسل "سوا سوا"، إلغاء زواج أحمد مالك وهدى المفتي ومفاجأة بشأن مرضها    محافظ البحر الأحمر يفتتح جولته في معرض "أهلاً رمضان" منذ أول يوم    هيئة الدواء تكشف فوائد صيام رمضان في خفض مستويات الإنسولين بالدم    آلاف من طائرات الدرونز ترسم لفظ الجلالة واسم الله "الودود" في سماء القاهرة    هل يجوز صيام يوم الشك؟ الأزهر يجيب    الكابتن مصطفى عفروتو يشيد بمبادرة الجبهة الوطنية: دعم يصل لجميع محافظات مصر.. فيديو    رئيس تحرير الجمهورية يشيد بالجبهة الوطنية: بداية جديدة نموذج للحزب القريب من المواطن ومساندته.. فيديو    الكاتب عادل عصمت يتسلم جائزة كفافيس الدولية للأدب    درع حتحور والماتريوشكا الروسية في يوبيل إبراهيم عبد المجيد    ويتكوف وكوشنر بين إيران وأوكرانيا.. دبلوماسية متسلسلة تثير التحذيرات    سقوط مفاجئ.. انقلاب ميكروباص داخل حفرة عميقة أسفل كوبري الزاوية الحمراء    اعتقال شاب مسلح قرب الكونغرس.. والتحقيقات جارية    أرنولد: ما حدث في مباراة بنفيكا عار على كرة القدم    اللواء علي الدمرداش: مبادرة بداية جديدة لكل أهالينا فى مصر من شرقها لغربها    أولى حلقات المداح 6 تكتسح المنصات الرقمية والجمهور يتفاعل مع أغنيات حمادة هلال في مدح الرسول    نائب محافظ القاهرة تقود حملة مكبرة لمنع تحويل شقق إلى محال تجارية بمصر الجديدة    جنايات بورسعيد تسدل الستار على قضية قاتل زوجته.. إحالته للمفتي وفرحة لأبناء الضحية.. صور    باريس سان جيرمان ينتصر على موناكو بثلاثية    دورتموند يضرب أتالانتا بثنائية ويضع قدما في ثمن نهائي دوري الأبطال    نشرة الرياضة ½ الليل| خناقة في الزمالك.. رد عبد المجيد.. العنصرية ضد فينيسيوس.. استعدادات الأهلي    ريال مدريد يحقق فوزا مثيرا أمام بنفيكا بدوري أبطال أوروبا    الأهلي يفوز على مصر للتأمين في دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    فيتوريا يتفوق على النحاس.. الوصل يقلب الطاولة على الزوراء في دوري أبطال آسيا 2    فانس: إيران لا تعترف ب«الخطوط الحمراء» التي وضعها ترامب    «صحاب الأرض» تهز إسرائيل.. دراما رمضان 2026 تزعج الاحتلال قبل «صافرة البداية».. المسلسل سيكون درة إنتاج مصر الدرامي.. وتؤكد: سنشاهده ونتحدث عنه ونحتفي به وبصناعه.. والأرض ستعود يومًا لأصحابها    عقوبات محتملة من يويفا.. تفاصيل العنصرية ضد فينيسيوس نجم ريال مدريد    ما حكم الصيام عند السفر بين دولتين مختلفتين في بداية رمضان؟ الإفتاء تُجيب    كرة طائرة - الزمالك يختتم الجولة الرابعة بالفوز على الجزيرة    رئيس معهد الفلك: دخلت في جدل مع المفتي قبل نصف دقيقة من كتابة بيان رؤية هلال رمضان    21 لواء وفريقًا .. "المحافظين" توسع نفوذ حكم العسكر في غير الملابس الرسمية    فى ظروف غامضة.. العثور على جثمان طفل وآخر مصاب بأسيوط    خالد الجندي يقبّل يد الدكتور حسام موافي بعد شائعة وفاته    الصحة توضح الحالات الممنوع فيها صيام الحامل حفاظًا على الأم والجنين    رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية يهنئ رئيس الجمهورية وشيخ الأزهر بحلول شهر رمضان    السماء تتحدث بكلمات الترحيب الرمضانية التراثية فوق مآذن الحسين.. صور    ما بعد زراعة النخاع العظمي؟ في ضوء اليوم العالمي لمرضى الطرد العكسي ضد النخاع    بعد موجة الدفء.. كتلة هوائية شمالية تعيد الشتاء من جديد| خاص    الشهابي: تشكيل المجالس المحلية ضرورة وأمن قومي    طلب إحاطة بشأن تأخر تسليم الكتب المدرسية    نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا يستقبل رئيس جامعة ناجويا اليابانية    أوقاف القليوبية تطلق حملة نظافة مكبرة بجميع المساجد استعدادا لشهر رمضان    بعد انتهاء بناء سد النهضة، شراقي يكشف سر صراع آبي أحمد الجديد في المنطقة    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحديات الهجرة غير الشرعية في إفريقيا

تعد الهجرة غير الشرعية واحدة من آفات العصر وهي هجرات كلها من دول الجنوب الافريقي نحو الشمال الاوروبي عبر دول الشمال الافريقي مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب‏..‏
وقدم الدكتور سمير بودنيار ورقة في مؤتمر التكامل الاقليمي في افريقيا واسقاط الحاجز بين شمال القارة وجنوبها والتي نظمتها مؤسسة شركاء التنمية بحوث تدريب واستشارات المصرية مؤخرا بالقاهرة وتناولت الورقة كل الظروف المحيطة بهذا النوع من الممارسات غير الشرعية واقترحت كثيرا من الحلول وجاء في ورقته‏:‏
تعدالهجرة واحدة من أكثر ظواهر الاجتماع الإنساني تعقيدا‏,‏وذلك بالنظر إلي تعدد مجالات تأثيرها خاصة مع التزايد المطرد في أعداد المهاجرين عبر العالم‏.‏
فتقديرات الأمم المتحدة تشير إلي أن هناك مالا يقل عن‏200‏ مليون مهاجر في العالم‏,‏ وهو عدد مرشح للارتفاع اعتبارا لوجود بيئة طاردة تشجع علي الهجرة مع التزايد الحاد للفوارق في الدخل بين الدول وكمثال علي ذلك فقد كان الفرق قبل عشرين سنة بين معدل الدخل الإفريقي والأمريكي‏1‏ إلي‏22,‏ أما الآن فقد ارتفع ليبلغ‏1‏ إلي‏70.‏
وتهم الزيادة حركة الهجرة عموما سواء كانت قانونية أوغير قانونية غير أن الهجرة غير القانونية بشكل خاص أصبحت في السنوات القليلة الماضية‏,‏ تطرح إشكالات وتحديات مستجدة‏,‏
لا علي صعيد الدول المصدرة أو المستقبلة للهجرة‏,‏ أو علي المهاجرين أنفسهم في المستويات الإنسانية والاجتماعية والقانونية وغيرها فحسب‏,‏ بل كذلك علي الدول التي تقع بحكم موقعها الجغرافي في الطرق الرئيسية للهجرة العالمية وخاصة غيرالقانونية منها‏.‏
لقد فرض تزايد وتيرة الهجرة غير القانونية وتعقد ظروف المهاجرين السريين‏,‏ علي كثير من دول العبور وضعا يتسم بمشكلات من نوع جديد تتعلق بموقع هذه الدول الوسيطة من المعادلة الدولية للهجرة‏,‏ والخلل في معدلات استفادة أبنائها من فرص متساوية للهجرة القانونية‏,‏ وعدم تمكنها من بنيات مراقبة واستقبال ومتابعة موازية لحجم الهجرة العابرة لترابها الوطني‏.‏
ورقد تفاقمت جميع هذه المشكلات مع تشديد الإجراءات القانونية علي حركة الهجرة‏,‏ إذ تحولت بلدان العبور في كثير من الحالات وبحكم الأمر الواقع إلي بلدان مستقرة للمهاجرين السريين العابرين في الأصل ومن ثم الي بلدان مستقبلة للهجرة‏,‏ وذلك في غياب رؤية شاملة تستوعب هذه الأوضاع الطارئة وفق رؤية تشاركية علي مستوي دولي تعني بدول العبور كجزء أساسي من معادلات التنمية والهجرة‏,‏ وتعمل بالتالي علي تقوية قدرات التعامل الإيجابي لتلك الدول مع ظاهرة الهجرة غير القانونية‏.‏
ولعل هذه الظاهرة تجسد مايطلق عليه في علم الاجتماع‏(‏ دينامية الثقافة غير الشرعية‏)‏ فالظاهرة تزداد يوما بعد يوم وتتعقد أكثر اعتبارا لتداخل المصالح السياسية والخلافات بين الدول ومدي الاتفاق وعدم الاتفاق‏.‏
ففي عام‏1994‏ أقر المجتمع الدولي في القاهرة للمرة الأولي خطة لإدارة الهجرة‏,‏ وتم إقرار عدد من القوانين التي تغطي الحقوق وتطور برنامج للهجرات‏,‏ وتسعي إلي تخفيض هذا النوع من الهجرة بتطوير مستويات التعاون بين الدول لإدارة المشكلات الخاصة بالهجرة غير القانونية وبعد حوالي العقد والنصف من مؤتمر القاهرة بخصوص الهجرة اتضح أن مستوي الاهتمام بقضية الهجرة وإدارتها لايتوافق مع حجم التعقيدات التي تحيط بهذه الظاهرة العالمية‏.‏
ثم جاء إقرار مايطلق عليه علي المستوي الدولي بمقاربة الهجرة والتنمية‏,‏ المتعلقة بالهجرة الدائرية كمدخل للتعامل مع ما يتعلق بمسألة الهجرة‏,‏ وهي المقاربة التي اعتمدتها الأمم المتحدة كمحاولة لاستفادة الدول النامية من المهاجرين من خلال التجويلات المالية‏,‏ أو مما يتمكن المهاجرون من الحصول عليه من مزايا أو تقنيات أو تعليم لتنمية بلدانهم المصدر‏,‏ في مقابل هذه المقاربة ظهرت مقاربة التحريم التي اعتمدتها الدول المقصد في الاتحاد الأوروبي‏,‏ وتتجلي في تجريم الهجرة في غير الإطار المرسوم من قبل دول الاستقبال‏,‏ وقد اتخذت هذه المقاربة طابعا شبه قانوني مع بروتوكول تهريب المهاجرين‏,‏ وبروتوكول‏(‏ باليرمو‏)‏ الملحق بالاتفاقية الدولية بشأن الجريمة الدولية‏,‏ ومجمل السياسات الأوروبية بعد اتفاقية ماستريخت‏,‏ من خلال التركيز علي الحد من الهجرة القادمة من دول العالم الثالث وخصوصا الهجرة الإفريقية والآسيوية‏,‏ في مقابل استيعاب الهجرة من دول شرق أوروبا‏,‏ بما يحقق المزيد من الاندماج الأوروبي‏,‏ هذه المقاربة وإن كانت قد تبدت في صورة غير مباشرة‏,‏ إلا أنها تمثلت في تشديد إجراءات محاربة تهريب المهاجرين وملاحقة المتسللين منهم في عرض البحار بهدف منعهم من الوصول إلي الشواطيء الأوروبية‏,‏ رغم تنافي ذلك مع القانون الدولي للبحار‏,‏ وهكذا أفرزت مقاربة التجريم العديد من الاتفاقيات خصوصا بين دول شمال بحر المتوسط وجنوبه‏,‏ وتم الاتجاه إلي محاولة تقنين المقاربة جهويا من خلال الاتفاقيات البينية مع الدول المصدر أو الممر كما هو الحال في الاتفاقية الليبية الإيطالية والأوروبية مع دول المغرب العربي‏,‏ وهي الاتفاقيات التي تحاول توثيق التعاون لمنع وصول المهاجرين‏,‏ والأهم أنها تحمل دول الشمال الإفريقي تكلفة إعادتهم إلي أوطانهم‏,‏ أي الاتجاه العام الذي يهدف الي تقليص الهجرة إلي أوروبا من الناحية التشريعية أو من الناحية القانونية بالتعاون مع دول الجنوب‏.‏
‏1‏ الهجرة بين شمال القارة وجنوبها‏:‏ السمات الأساسية
تعتبر الهجرة واحدة من أهم الظواهر الحديثة ارتباطا بالمسارات التنموية للدولة في إفريقيا‏,‏ سواء من حيث التأثيرات المختلفة لهذه الظاهرة علي اقتصاديات الدول الإفريقية‏,‏ وانعكاساتها سلبا وإيجابا علي مجتمعاتها‏,‏ أو من حيث الواقع المستجد الذي أفرزته الظاهرة فقد تزايدت الحاجة إلي التنسيق والتعاون بين دول القارة‏,‏ اعتبارا لكونها دولا مصدرة للهجرة بشكل عام‏.‏
مع مايعنيه ذلك من مواجهتها جميعا للتداعيات التي أفرزتها ظاهرة الهجرة الحديثة‏,‏ وخضوعها مجتمعة لآثارها علي تركيبتها الديمغرافية وأمنها الاجتماعي واقتصادياتها النامية‏.‏
وإذا كان السعي إلي توحيد مواقف الدول الإفريقية علي الصعيد الدولي في مجال القواعد العامة للهجرة‏,‏ واعتماد سياسات مشتركة بينها في هذا المجال ضرورة ملحة‏,‏ فإن التعاون الإفريقي شمال جنوب‏(‏ المقصود به هنا التعاون بين دول الشمال الإفريقي ودول إفريقيا جنوب الصحراء‏)‏ يظل أكثر جوانب الموضوع إلحاحا‏,‏ وذلك بالنظر إلي وقوع منطقة الشمال الإفريقي بدولها الخمس المطلة علي البحر الابيض المتوسط أساسا‏(‏ مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب‏)‏ في منطقة العبور لحركة الهجرة الإفريقية نحو أوروبا‏,‏ مما يضع عليها في غياب استراتيجية إفريقية موحدة أعباء كبيرة في التعامل مع الهجرة غير القانونية علي وجه التحديد‏,‏ والتي تمثل دول إفريقيا جنوب الصحراء أهم مصادرها‏,‏ إلي جانب دول العبور نفسها كذلك‏.‏
وبفعل انتظام حركة الهجرة الإفريقية نحو الشمال الأوروبي‏,‏ وتحول الهجرة غير القانونية والسرية الي ظاهرة فقد وجدت دول العبور نفسها أمام وضعية جديدة في مسار حركة الهجرة‏,‏ فرضت عليها تحديات طارئة‏,‏ إذ بالإضافة إلي القرب الجغرافي الشديد من أوروبا‏,‏ والذي حول بلدان الشمال الإفريقي إلي منطقة جذب للمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء أثناء رحلاتهم الطويلة عبر آلاف الأميال باتجاه الشواطيء الجنوبية لأوروبا فإن هذه الدول نفسها تعد من دول المصدر في حركة الهجرة العالمية‏,‏ بما في ذلك حركة الهجرة غير القانونية‏,‏ ولو كان ذلك بنسبة متناقصة‏(‏ كما هي حالة المغرب مثلا‏).‏
وإذا وضعنا في الاعتبار الوضع الاقتصادي والاجتماعي الهش إجمالا لهذه الدول بدت لنا خطورة التحديات التي يفرضها الوضع المستجد لهذه الدول ضمن الخرائط الراهنة للهجرة العالمية‏,‏ لجهة تواضع إمكاناتها المادية واللوجيستية كدول فرض عليها أن تكون دول عبور للهجرة غير القانونية وبالتالي دول يقع عليها الجزء الأكبر من أعباء ضبط حركة العبور في أراضيها بمنع تسلل المهاجرين غير القانونيين إلي أروبا والتعامل في هذه الحالة مع شبكات واسعة وعابرة للدول لتهريب والاتجار في البشر‏,‏ ذات علاقات متشابكة استطاعت أن تكتسب خبرة واسعة في هذا المجال‏.‏
هذا بالإضافة إلي الإشكالات القانونية التي يطرحها غياب قوانين واتفاقيات بين الدول تنظم المجهودات التي تبذل بصدد التعامل مع الظاهرة‏.‏
أضف إلي ماسبق أن وضع هذه الدول باعتبارها دول عبور لم يمنع من تحولها بالفعل في كثير من الحالات إلي دول إقامة مؤقتة‏,‏ تطول مدتها أو تقصر بحسب ظروف رحلات المهاجرين السريين وعبورهم أراضي هذه الدول‏,‏ بل حتي تحولها إلي دول استقرار نهائي في حالة تعذر إتمام المسار المرسوم للهجرة من قبل المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء‏,‏ ومايثيره ذلك كله من مشكلات الاستقرار والإقامة ووضعية الأطفال الذين يولدون بهذه الدول‏,‏ وفرص تأمين العيش الكريم‏...‏
ويمكن ملاحظة التباين الواضح في السياسات المتبعة في هذا المجال من قبل دول العبور في الشمال الإفريقي‏,‏ والتي تختلف باختلاف الدولة وسياساتها العامة والخارجية وإمكاناتها المادية‏,‏ومدي تأثرها بظاهرة عبور الهجرة غير القانونية وحجم تدفقها‏,‏ ومستويات تنسيق الدولة المعنية مع الدول الأوروبية الأقرب من الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط‏,‏ وغيرها من العوامل‏.‏
وإذا كانت تأثيرات هذه الظاهرة تبدو في المدي المنظور مرتبطة بالناحية الاجتماعية والأمنية أساسا فإن المسارات التي أصبحت تتخذها مسارات الهجرة من إفريقيا عموما‏,‏ والهجرة غير القانونية المنطلقة من دول إفريقيا جنوب الصحراء خاصة‏,‏ أضحت تطرح قضايا جديدة بالغة الأهمية تتعلق بتكامل إمكانات الدول الإفريقية في إدارة الملف علي الصعيد الدولي والمتعدد الأطراف وهو أمر يستدعي الوقوف عند بعض المقاربات التي اعتمدتها بعض دول الشمال الإفريقي في التعامل مع هذه الظاهرة ونتائجها في مستويات متعددة‏.‏
‏2‏ السياسات الأوروبية تجاه الهجرة الإفريقية
تمثل العلاقات بين أوروبا وافريقيا نموذجا للعلاقات غير المتكافئة بين طرفين دوليين‏(‏ الاتحاد الأوربي والاتحاد الافريقي‏)‏ وبالمقارنة بين الكتلتين يتضح لنا من الوهلة الأولي أن القارة الافريقية تتفوق علي القارة الأوروبية من حيث الجغرافيا والديموغرافيا‏,‏ ولكن الوضع الاقتصادي هو مايعكس حقيقة الخلل بينهما‏,‏ فالناتج القومي الإجمالي الأوروبي يزيد‏17‏ مرة عن نظيره الإفريقي‏,‏ ورغم أن مساحة افريقيا تبلغ‏10‏ أضعاف مساحة أوروبا وعدد سكانها ضعف عدد سكان أوروبا‏,‏ غير أن أفريقيا لاتزال تضم أفقر دول العالم بينما يضم الاتحاد الأوربي دولا تعتبر مستويات المعيشة فيها الأعلي عالميا‏.‏
وفي محاولة لتخفيف ضغط هجرة العمالة غير القانونية إليها والقادمة من افريقيا‏,‏ حاولت أوروبا تقديم بعض الدعم والمساعدة للقارة الإفريقية‏,‏ وفي هذا الإطار تعامل الاتحاد الأوروبي مع القارة الافريقية بشكل جماعي بل وفي إطار يضم دولا أخري خارج القارة كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية لومي‏,‏ وكذلك اتفاقية كوتونو التي تغطي الفترة من‏2000‏ إلي‏2020,‏ وتضم الاتفاقيتان نحو‏77‏ دولة منها‏48‏ دولة افريقية و‏15‏ دولة من دول الكاريبي و‏14‏ دولة من دول المحيط الهادي والجزر التي يطلق عليها أقاليم ماوراء البحار وهذا يبين وضع أفريقيا ضمن دائرة اهتمام واسعة لاتحظي باهتمام خاص يتناسب وموقعها الحساس ومشاكلها المرتبطة بالمجال الأوروبي‏.‏
والملاحظ في شأن العلاقات الأوروبية الإفريقية وخاصة فيما يتعلق بموضوع الهجرة غير القانونية أن التفاوض بين الطرفين يتم في إطار هيمنة أوروبية مطلقة‏,‏ حيث تتعامل دول الاتحاد الأوروبي كقوة موحدة بصوت واحد قوي‏,‏ في مقابل المجموعة الإفريقية التي تدخل دولها فرادي ضمن مجموعات أخري من الكاريبي والمحيط الهادي‏,‏ ومما يعزز الموقف الأوروبي كونه الطرف القوي المانح يقابله الموقف الإفريقي الضعيف المتلقي‏,‏ كما يلاحظ الإصرار الأوروبي علي وقف تيار الهجرة غير القانونية‏,‏ وتقل هذه المعركة إلي خارج القارة الأوروبية من خلال دعم برامج تقوم علي الآتي‏:‏
‏1‏ إقامة معسكرات تجميع لهؤلاء المهاجرين غير القانونيين في دول العبور مثل ليبيا ومن ثم إعادتهم إلي بلدانهم الأصلية‏.‏
‏2‏ تكثيف الإجراءات الأمنية لمنع تسلل المهاجرين غير القانونيين‏,‏ وتشمل هذه الإجراءت مراقبة مكثفة لنقاط العبور البحرية للهجرة غير القانونية‏,‏ وقد أثبتت هذه الإجراءات الرادعة فعاليتها عبر مضيق جبل طارق‏.‏ الأمر الذي شجع علي تطبيقها علي السواحل الليبية بالتعاون مع السلطات الليبية‏,‏ وفي سبيل ذلك قدم الاتحاد الأوروبي دعما في شكل معدات وطائرات لتشديد الرقابة علي نقاط العبور لدول شمال إفريقيا‏.‏
‏3‏ دعم برامج التنمية في دول المصدر لتوفير فرص عمل من أجل تثبيت المهاجرين في بلدانهم حتي لا يفكروا في الهجرة‏,‏ غير أن الخلاف ظل دائما حول حجم المساعدات‏,‏ فما يراه الاتحاد الأوروبي دعما كافيا لاتراه أغلب دول المصدر الإفريقية مجديا لإحداث أثر فعال في تنمية الاقتصاد الإفريقي‏.‏
غير أنه من الممكن القول أن اغلب تلك الإجراءات ظلت مفتقرة إلي الفعالية وعاجزة الي اليوم عن وقف الهجرة غير القانونية‏,‏ وماينتج عنها من مآس أثناء عملية العبور‏,‏ فقد بدأت ظاهرة الهجرة السرية عبر ماسمي لاحقا بقوارب الموت من الناحية الرسمية قبل‏20‏ سنة كاملة‏.‏
وخلال الفترة الممتدة منذ نهاية الثمانينيات إلي سنة‏2005‏ من القرن الواحد والعشرين قدرت المنظمات الدولية المختصة أن عدد القتلي في منطقة جبل طارق والمنطقة الواقعة بين الضفة الجنوبية الغربية للمتوسط وجزر الخالدات نتيجة هذه الظاهرة فاق‏18‏ ألفا‏,‏ بينما لاتنزل أقل التقديرات عن‏10‏ آلاف ضحية نصفهم من دول المغرب العربي‏(‏ الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا‏)‏ والبقية من إفريقيا جنوب الصحراء ودول أخري‏.‏
ومنذ عام‏1997‏ وحتي عام‏2001‏ تم انتشال ثلاثة آلاف ومائتين وست وثمانين جثة‏(3286)‏ عبر مضيق جبل طارق وأن عشرات منهم غرقوا أثناء المحاولة‏.‏
ووفقا لإحصائيات الاتحاد الأوروبي فإن مايزيد علي نصف مليون مهاجر سري دخلوا القارة الأوروبية خلال السنة الماضية‏,‏ كما تعتقل فرنسا سنويا مايقارب‏15‏ ألف مهاجر علي طول سواحلها‏.‏
وقد أوقفت السلطات الإسبانية أكثر من‏13‏ ألف مهاجر سري علي سواحلها منذ مطلع العام‏2008‏ وحتي‏31‏ غشت الماضي‏,‏ كما ذكرت أنه تم العثور علي‏130‏ جثة مهاجر غير شرعي قضي معظمهم غرقا دون حساب الجثث التي لم يلفظها البحر‏.‏
يقول نيفيز بينيطو خبير شئون الهجرة في رابطة حقوق الإنسان بإسبانيا‏:‏ إن القوارب التي تقل هؤلاء المهاجرين تغادر السواحل الإفريقية حوالي الساعة الثامنة مساء عندما يكون البحر هادئا‏,‏ إلا أن العواصف يمكن أن تهب بعد مرور ساعتين فقط‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.