دائمًا ننظر للفقير نظرة تملؤها الشفقة على حاله وحياته التي تسير بشكل يشوبها الاحتياج كما يراها الناس؛ فغالبًا الفقير في حاجة سواء للمال أو غيره من مقتضيات الحياة؛ كالطعام والعلاج وخلافه. وفي مقابل ذلك هناك الثري؛ الذي وهبه الله من نعم الحياة ما لذ وطاب؛ من مال ونفوذ وسطوة وجاه وخلافه؛ ولا شك أن نظرة الناس للفقير تختلف تمامًا عن نظرتهم للغني؛ باعتباره أفضل حالًا من الفقير. وكثيرًا ما كانت تدور الأسئلة؛ من نوعية لماذا خلق الله الناس فقراء وأغنياء؟ وهل الأغنياء أفضل حظًا؟ وقد يكون السؤال السابق غريبًا؛ لأن الإجابة البديهية هي نعم. لكن للتدليل على منطقية السؤال السابق؛ هل الغني أفضل حظًا؟ تعالوا نلقي الضوء على ما هو آت، يقول الرسول الكريم "كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته" أي أن كل إنسان تقع تحت مسئوليته رعاية بعض الأفراد؛ هو مسئول عنهم؛ وسيسأل عنهم أمام الله. وبالتالي فالأب مسئول عن أسرته؛ والمدير مسئول عن إدارته؛ وهكذا كلُ في نطاق مسئوليته؛ وأيضًا صاحب العمل؛ سيسأل عمن تحت نطاق مسئوليته؛ ولا خلاف أن عماله سيسألون عن كيفية أداء عملهم. أما الأمر الأهم؛ فهو السؤال عن مالك فيما أنفقته بعد الموت؛ وهو سؤال صعب للغاية؛ وصعوبته تتجلى في كم المال؛ فكلما زاد المال؛ كانت الإجابة صعبة؛ ولنا أن نتخيل العكس؛ كلما قل المال؛ كانت الإجابة أيسر؛ لنصل إلى الفقير معدم المال؛ هل يمكن أن نتخيل إجابته. (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) الآية (92) من سورة آل عمران؛ تشرح الكثير مما خفي علينا؛ فهذا أمر من الله؛ يقرر فيه؛ أن أي إنسان لن ينال البر؛ حتى ينفق مما يحب؛ ولأن المال هو زينة الحياة الدنيا كما قال الله؛ فهو أكثر ما يحب الإنسان؛ لذلك لن ينال البر بخيراته؛ حتى ينفق من المال. فهل ينفق الأغنياء من مالهم بغرض أن ينالوا البر؟ وهل يدفعون زكاة مالهم؛ كما أمر الله؟ أسئلة إجاباتها؛ تبين أن الله عندما خلق الفقير فقيرًا؛ قد اختصه بنعم وميزه بها عن الغني؛ لأن له حقًا معلومًا في مال الغني؛ حدده الله سبحانه وتعالى؛ وألزم الغني بقضائه للفقير، وللحقيقة؛ لو دفع الغني ما عليه من التزامات نحو الفقير؛ لما وصلت نسبة الفقر لما وصلت إليه الآن؛ أتحدث عن العالم وليس مصر فقط. لذلك سيأتي الفقير يوم القيامة؛ وله حق في مال فلان وفلان الأغنياء؛ لم يأخذه في حياته؛ لنكتشف في يوم الحساب؛ بعد أخذ الحقوق؛ أن يصير الغني فقيرًا؛ بعد أن أُخذت منه حسنات كثيرة لصالح فقير كان معدمًا؛ وقتها يتحول الفقير إلى ثري بدرجة لم يتوقعها؛ ويجد نفسه في مرتبة عالية؛ والغني الذي لم يعط الفقراء حقهم في مرتبة أدنى بكثير. كلنا نرى المال نعمة من الله؛ ولكنها نعمة بمثابة اختبار؛ فإذا استطعت أن تنجح فيه؛ وتعطي الفقراء حقهم المعلوم؛ فقد فزت بالآخرة؛ والعكس يعني خسارة الآخرة بلا شك؛ وهذا ينقلنا لنقطة مهمة؛ أن الله عادل خلقنا كلنا لنعبده؛ وحدد طريق العبادة ووضحه تمامًا؛ وأنه حينما جعل شخصًا ما فقيرًا؛ فليس لغضب منه عليه؛ ولكنه في الحقيقة قد أنعم عليه؛ حينما عفاه من مسئولية حسابه عن مال رزقه إياه. فهل يعي الأثرياء قيمة الاختبار الذي وضعهم فيه رازقهم؛ ويوقنوا أن الحياة قصيرة للغاية؛ ويعطون الفقراء حقوقهم في الدنيا؛ قبل أن يأخذوها منهم في الآخرة؟ ووقتها لن ينفعهم الندم على التفريط في هذه الفرصة بعد ضياعها؛ حينما يكتشفوا وقتها أنهم فقراء بدرجة لم يتوقعوها. وأن الفقراء تحولوا إلى أثرياء بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ جميلة، فتحية إلى الفقراء الأثرياء؛ الذين صبروا واحتسبوا؛ وعوضهم ربهم بنعم الآخرة التي لا تقارن بنعم الدنيا. والله من وراء القصد،،، [email protected]