توقفنا فى مقالة الجمعة الماضية عند حافة النهاية لمسلسل شغل الناس هذا الشهر: أهُو ده اللى صار.. تلك النغمة الشجية لدرويش البحر وسيده، التى داعب بها أمين بو حافة الموسيقِىّ القدير قلوبنا وهو يصوغ موسيقى تترات ومشاهد المسلسل، مستفيداً من مخزوننا الوجدانى حيث ترقد أنغام سيد درويش، فحرَّك منها النغمة الأولى من لحن: أهُو ده اللى صار، ليفجر فى الوجدان، لا تراث سيد درويش كله فحسب، بل الإسكندرية الكامنة فى قلوب المصريين، والتى يسرى فى هوائها، ممتزجاً برائحة اليود، نغمُ درويش البحر الشجىّ. وكانت الحافة التى توقفنا عندها: هل يستطيع الحفيد يوسف الثالث أن يهزم التلوث السارى فى الهواء وينتصر لحلمه، فيحول قصر جده نوّار باشا، ذلك الكنز المعمارىّ التراثىّ، إلى منفعة عمومية مِلك الدولة والشعب يتلقى فيها النشء مبادئ الجمال والحضارة والقيم السامية؟ تعذبنا مع يوسف وسلمى فى الحلقات الأخيرة، وكاد الحلم ينهزم وتنتصر سحابة الفساد السوداء، حتى جاءت الحلقة الثلاثون بالفرج: اكتملت الحكاية الأم التى يرويها يوسف الثالث لسلمى ولنا، وفى الوقت نفسه استطاع أن يهزم ضعفه ويزف النهاية السعيدة لحكايته الشخصية لمحبوبته سلمى ولنا نحن الأحفاد الوارثين أبناء القرن الحادى والعشرين. إلا أن المسلسل انتهى وبعض عناصر الهدم مازالت تُعمِل معاولها، فى نهاية مفتوحة، حيث تنزل تترات نهاية الحلقة الأخيرة على محاولة إرهابية مترددة للتسلل إلى كنيسة، تتزامن مع انتصار الحب والجمال فى القصر المجاور لها.. فالصراع بين الخير والشر هكذا أراد كاتب النص البديع عبد الرحيم كمال بنهايته المفتوحة أن يقول لنا لم ولن ينتهى، والحب صانع المعجزات، ما زال عذولُهُ السواد الكامن فى قلب الإنسان يزاحمه. ولكن لماذا الإسكندرية؟ هنا يدخل الرمز على الحدوتة. فالإسكندرية عتبة مصر المطلة على البحر حيث تأتى ريح الشمال المتحضر، تماماً مثل نادرة الخادمة الصعيدية التى أحبتها واصطفتها سيدة القصر، فاتخذتها رفيقة لها فى الدور العلوى لقصرها، وعلمتها الآداب والموسيقى وعزف البيانو، فكان ذلك الترقى نعمة ونقمة لنادرة، لأنها صارت ممزقة بين كونها خادمة من الجنوب، وفى الوقت نفسه تحمل وعى وآداب وطموح سيدة.. والأخطر فى حكايتنا، فى قصة الحب هذه: قلب ووجدان سيدة مرهفة مثقفة. لذلك كان للإسكندرية فى هذه الحدوتة مغزى رمزى، وكذلك الصعيد، ويوسف الآتى من الشمال، ليقع هو ونادرة فى فخ التمزق بين ريح الشمال وشمس الجنوب. هذا بعض ما يثيره مسلسل أهُو ده اللى صار فى عقلنا ووجداننا من معانٍ وما يستحقه من تعليق، والباقى كثير ويحتاج صفحات عديدة. ولكن لا يفوتنا فى النهاية أن نُطْرِى التجسيد البصرى للنص، وما لعبه مدير التصوير زبينيو ريبوزينسكى من دور فى تقديم صورة ناعمة وشجية تناسب الموضوع وطبيعة الحدوتة، وكذلك الأداء التمثيلى المبهر لأبطال المسلسل: روبى وأحمد داود وسوسن بدر وأروى جودة ومحمد فراج وعلى الطيب وهشام إسماعيل ومحمود البزاوى، تحت قيادة مايسترو العمل المخرج القدير الرائع حاتم على، الذى قدم أجمل تجسيد لنص عميق وملىء بالشاعرية تفوّق فيه عبد الرحيم كمال على نصوص سابقة له كانت أيضا ممتازة، وأعاد لنا العمل التليفزيونى ذا القيمة الأدبية الرفيعة دون أن يكون مأخوذاً عن عمل أدبىّ. لمزيد من مقالات بهاء جاهين