تزامن مع مئوية ثورة 1919، وعيد ميلاد منشدها سيد درويش السابع والعشرين بعد المائة، عرض مسلسل، أهُو ده اللى صار، للمبدع عبد الرحيم كمال والمخرج الفنان حاتم على. المسلسل مستوحَىً عنوانه من إحدى أغانى خالد الذكر فنان الشعب سيد درويش البحر، أغنية وُلدت مع ثورة 19، وتبدأ بهذا المطلع: أهُو ده اللى صار وادى اللى كان/ مالكش حق تلوم عليّا. ويقول مقطعها الأول: تلوم عليّا إزاى يا سيدنا/ وخير بلادنا ماهوش فى إيدنا/ قول لى على حاجات تفيدنا/ وبعدها ابقى لوم عليّا. إذن هى أغنية سياسية من مواليد ثورة 19 ضد المستعمر، إلا أن الكاتب المبدع عبد الرحيم كمال حين اتخذ مطلعها عنواناً لمسلسله كان يعني به، فيما يعني، قَدَر الحب وسلطان الهوى الغلاب، كما قد يوحى لنا مذهب الأغنية إذا استمعناه وحده دون الكوبليهات، خاصةً مع اللحن الشجىّ الذى يذوب عذوبة الذى فسّر به سيد درويش معانى كلمات رفيقِهِ فى ساحة الثورة الفنية التى فجراها معاً فى رحاب ثورة 19: الشاعر الرائد بديع خيرى. نعم، فرغم أننا نرى بأعيننا ثورة 19 وهى تُولد فى الحلقات الأولى من المسلسل، إلا أنّ حكاية عبد الرحيم كمال، التى صوّرها لنا حاتم على بمنتهى الرقة والنعومة، هى فى الأساس وقبل كل شىء قصة حب. لكنه حب يولد ويكاد يموت فى حِجر نظام اجتماعى ذى تقاليد خانقة وائدة لحرية العاشق فى أن يختار حبيبه. ولهذا لم يحدث اعتباطاً أن خرج العاشقان يوسف بك نوّار ومحبوبته/خادمته نادرة معاً من قصر نوّار باشا ليريا البحر، متحديين النظام الاجتماعى الذى يحرِّم عليهما هذا الحب وهذا الخروج، لم يحدث اعتباطاً أن تزامن خروجهما هذا، من القصر وعلى التقاليد، مع اليوم الأول للثورة. إلا أن هذا مُجَرّد بُعد واحد من أبعاد المسلسل: فالحب كعمل ثورى واختيار يُصرّ عليه صاحبه فى وجه تقاليد المجتمع ليس إلا أحد وجهى العملة، بينما وجهها الآخر، الذى يوحى به عنوان العمل كما ألمحت فى البداية، هو الحب كقَدَرٍ لا يُغلَب ولا يقاوَم. وهذا الجانب هو ما يعطى المسلسل غنائيته العذبة. فإلى جانب يوسف نوّار، هناك «علِي بحر» العوّاد الملحن المغنىِّ الذى عشق هو أيضاً نادرة عشقاً يائساً لا يستطيع أن يتوب عنه. ولو كان المسلسل اقتصر على أحد وجوه الحبُ دون الآخر، لجاء عملاً سطحياً لا يرقى لما تتمتع به دنيا الله من غِنَىً وتركيب وعَجَبٍ عجيب. لكنّ «الذى صار» لم يقتصر على إسكندرية سيد درويش ومِصره، بل الحكاية تمتد وتتعقد وتحيا مائة عام لتصل إلينا نحن وإلى إسكندريتنا ومِصرنا هنا فى القرن الحادى والعشرين، إلينا نحن الأحفاد الورثة لحكاية يوسف نوّار ونادرة زكريا وعلِي بحر وسيد درويش وثورة 19 وقصر الحواديت. لقد ورث القصر يوسف يوسف يوسف نوّار، أو يوسف الثالث، الذى يقف حارساً للجمال فى وجه القبح، وضد تلك الأيدى التى تريد أن تمتد لهدم القصر الجميل، ليحل محله برج سكنى قبيح عُرضة للانهيار السريع على رؤوس ساكنيه. تلك الأيدى لا تمتد فقط للقصر وحكايته، بل لقلب يوسف الثالث حارس الجمال تريد أن تضمه لمافيا الفساد والقبح. وهنا نتوقف وننتظر. لقد وُلدَت حكاية حب أخرى، بين يوسف الثالث وسلمى ابنة الأثرياء الجدد، سلمى طاهرة الفؤاد واليد، التى يريد الفساد أن يتسلل من خلالها لقلب يوسف وعقله وقصره، فهل ينجح؟ هذا ما سنراه معاً فى السطور القادمة. لمزيد من مقالات بهاء جاهين