هذا هو المقال السادس، منذ أن كتبت مقالا بعنوان: «نظرية الاضعاف الاقليمى للقوى الاقليمية الفاعلة» بتاريخ 19 مايو 2016، وتبعته بمقالات تالية فى محاولة لفهم مايحدث فى البيئة الاقليمية المحيطة بمصر فى سياق الحادث من تطورات فى هيكل النظام الدولى الذى تغير مع تفجر الثورات العربية وأصبح ضابطا لايقاع أحداث وتطورات المنطقة إما بشكل عمدى أو بشكل تلقائي. فالعمدى هو جوهر نظرية المؤامرة وبفعل فاعل من أطراف تتآمر على المنطقة العربية وتزكى فى مواجهة أطرافها الفاعلة المنطقة الشرق أوسطية. بينما التلقائى هو كل مايحدث من تداعيات أو وقائع غير محسوبة أو غير مأخوذة فى الاعتبار أى غير متوقعة، ولكن يتم التوظيف السياسى لها من قبل المتآمرين على المنطقة بأسرها. وفى هذا المقال، نثير قضية الدور المصرى وحدوده فى مواجهة المشروعات الاقليمية المتعددة والمتنافرة فى اغلب الأحيان بل والمتنافسة ولاشك أنه يؤخذ فى الاعتبار أن الدور الفعال أيا كان نوعه ومستواه ، له متطلبات وأسس. ومن المستقر تاريخيا ان مصر عادة لها دور اقليمى فعال يتسم بالمبادرة والتأثير فى ضوء رؤية واضحة لأهداف مصر الحقيقية، وأن هناك فترات تاريخية تعيشها مصر بتعطيل عمدى لممارسة هذا الدور والانكفاء على الذات. وقد أثار منظور الحقبة الساداتية والحقبة المباركية من أصحاب التخديم على المشروع الأمريكى وأجندته فى المنطقة، سؤالا هو: وهل يجب أن يكون لمصر دور؟! وقد أجبت عن هذا السؤال فى مقدمة أحد كتبى بعنوان: «ديناميكية السياسة الخارجية المصرية»، وأوجز تركيزا أن الدور المصرى الفعال هو من حتميات السياق التاريخى وتطوراته فى حقب مختلفة، وأن تعطيل هذا الدور هو من العمديات، وكذلك من حتميات الجغرافية حيث إن الموقع الاستراتيجى لمصر وسط العالم يجبر الدولة المصرية على حتمية الاضطلاع بمسئوليات هذا الدور، وإلا فإن المطامع الأجنبية تكون الثمن، ولذلك كانت مصر بحكم الجغرافيا مطمعا للقوى الدولية المهيمنة فى كل العصور، وأن دحر هذه القوى لم يكن له أن يتم إلا فى ضوء ممارسة الدور المصرى فى ظل مشروع واضح ورؤية متكاملة؟ فما هى اذن المشروعات الاقليمية المتنافسة فى الوقت الحاضر؟ الاجابة تتركز فى وجود خمسة مشروعات اقليمية تواجه الدور المصرى وتستلزم وجود مشروع مصرى مستقل، ويمكن توضيح هذه المشروعات فيما يلي: 1 المشروع الصهيونى الأمريكى الغربي، الهادف الى استمرار الكيان الصهيونى وبسط هيمنته على المنطقة، مع تنفيذ مخطط التفتيت على خلفية التباين المذهبى واداته الارهاب. 2 المشروع التركي، الهادف الى بعث الامبراطورية العثمانية وارتداء لباس الاسلام، والتنسيق مع أمريكا وإسرائيل كداعمين ، منفذا للارادة الامريكية فى دعم جماعة الاخوان «الإرهابية»، وايواء قادتها كفزاعة لمصر، وهو الأمر الذى يفسر عدم الاعتراف التركى بثورة 30 يونيو التى أطاحت بالمشروع الإخواني. 3 المشروع الايراني، وهو الهادف الى بعث الامبراطورية الفارسية بغطاء دينى ممزوج بفكر الثورة الخومينية فى عام 1979، ولذلك يلاحظ الدعم الايرانى بكل السبل لكل ماهو «اسلامى»، مع دعم خاص للشيعة ويفسر ذلك تعاطفهم مع جماعة الاخوان عقب ثورة 25 يناير، ورؤية ايران لما حدث فى مصر على أنه ثورة اسلامية، فى اطار القناعة الايرانية بأن كل زعم أنه اسلامى هو جزء من المشروع الايرانى الى أن يثبت العكس ويفسر ذلك أيضا بدعم حماس المقاومة رغم أنها اخوانية، وتراجعها عن دعمها لاسباب أخرى تتعلق بالموقف السوري، والتنسيق مع السعودية ، وبعضا من ممارساتها المرفوضة ايرانيا. فضلا عن دعم فكرة المقاومة الفلسطينية فى الوجود وهى الآلية الدالة على مشروع ايرانى متماسك، كما أن الوجود الايرانى فى سوريا ولبنان والعراق خير مجسد لهذا المشروع، والتنسيق مع موسكو كغطاء دولى فى مواجهة نقيضه وهو الطرف الامريكى الأوروبى المنافس. 4 المشروع السعودى، فى المنطقة، وأداته صنع تحالفات سياسية وأمنية وتلعب الورقة الاقتصادية دورا محوريا فى تشغيل هذه التحالفات. 5 المشروع الإثيوبى وهو الهادف إلى الحصار للدولة المصرية واستثمار الخلافات المصرية السودانية على خلفية إخوانية، وقبول الوجود الصهيونى فى القرار الإثيوبي، والدعم الأمريكى والأوروبى ، بل حتى بعض الدعم من دول الخليج تنكيلا بمصر وشعبها وأداة لممارسة الضغوط على مصر بلاشك حيث إن الإصرار الإثيوبى على بناء سد النهضة دون الرضوخ للمصلحة المصرية ومراعاتها، قد يؤدى الى تفجير الأوضاع وقد تصل الى الحروب غير المأمونة، عواقبها، وفى المشروع الاثيوبى محاولة لبعث الامبراطورية الاثيوبية مرة أخري. وفى ظل هذه المشروعات الخمس، ماذا تفعل مصر؟ أرى أن عليها بالحتم، أن تعيد ترتيب الأوراق وصياغة رؤية استراتيجية لاعادة بعث دورها القيادى الحقيقى والفعال والمؤثر بحيث تصبح مصر دولة يعمل لها ألف حساب، بعد أن اصبحت ملطشة وبدون هيبة اقليمية منذ زيارة السادات وتوقيع كامب ديفيد وطوال عهد مبارك واجمالا لمدة 40 سنة ظل الدور المصرى معطلا ولم يستفد من تراكمات الفعل المبادر والنشيط والقدوة أو نموذج الاحتذاء للآخرين. ولذلك فان تكوين فريق عمل، لفعل ذلك، يبدأ من ضرورة اعادة الوجود المصرى فى قضايا اقليمية مؤثرة فى سوريا وفى اليمن وفى ليبيا وفى العراق، وبالتنسيق مع الجزائر ، دون تجاهل السودان فى هذه المرحلة، وبعيدا عن السعودية ومشروعها دون صدام معها، قد يكون هذا مدخلا رئيسيا لاعادة البعث فى روح الدور القيادى والفعال والمؤثر فى مصر الثورتين (25 يناير 30 يونيو) ، وبمناسبة الذكرى الثالثة للثورة المصرية الأخيرة. لمزيد من مقالات د. جمال زهران