إهمال الضباط والاعتماد على «المسجلين» والشائعات وراء «فبركة» محاضر التحرى «زياد» عمره سنة ونص.. اقتحم وحرق وقتل!! الطفل المعجزة عمره 3 سنوات.. سرق مواد محجرية! إذا كان الحكم القضائى هو عنوان الحقيقة، فإن التحريات الأمنية هي الأساس الذي تبنى عليه الحقيقة.. إذا صدقت فإن الحكم يكون عادلا ومنصفًا، وإذا كذبت يكون معيبًا ويسهل الطعن عليه وإلغاؤه.. ومؤخرًا تحولت التحريات إلى سيف مسلط على رقاب بعض المواطنين، فهى تتحكم في مصائرهم وربما تزج بهم في السجون بلا ذنب ارتكبوه.. فهذا طفل عمره عام ونصف العام حولته التحريات إلى إرهابى خطير ارتكب جرائم قتل وإحراق وترويع المواطنين، وحاز أسلحة وذخائر ومتفجرات.. وطفل آخر عمره 3 سنوات، صورته التحريات وكأنه أحد أبطال سباقات السيارات، قاد سيارة نقل بسرعة جنونية، وعرض حياة "قوة أمنية للخطر" وقاوم السلطات وأطلق أعيرة نارية.. وثالث في الرابعة من عمره، اختطف شابا وقيده بالحبال وعذبه، وغيرهم الكثير والكثير من الضحايا.. التحريات غير الدقيقة وضعت وزارة الداخلية في موقف محرج أمام المنظمات الدولية والمؤسسات الأمنية بمختلف أنحاء العالم.. وحذرت بعض المنظمات من خطورة ذلك الأمر على سير العدالة داخل الدولة المصرية وأن شكوكًا كثيرة تحوم حول أي حكم يصدر عن المحاكم المصرية، بعدما توالت فضائح هزت الرأى العام.. محقق "فيتو" في الملف التالى يرصد أهم القضايا التي كانت التحريات فيها سببًا في حبس مظلوم، وإفلات المتهم الحقيقى من العقاب.. ويكشف طريقة إجراء التحريات والأسباب التي قد تؤدى إلى فسادها، وكذلك كيفية مواجهة الأخطاء التي تحدث فيها. الأمثلة على فساد التحريات كثيرة وصارخة، بل مضحكة في بعض الأحيان.. من بينها واقعة الحكم على طفل لا يزيد عمره على ثلاث سنوات، بالحبس لمدة 10 أعوام، بعد إدانته من ثلاث محاكم مختلفة باتهامات لا يقبلها عقل.. اكتشاف الواقعة جاء بالصدفة، عندما قرر "حسن"، اصطحاب نجله "زياد" البالغ من العمر 3 سنوات، في رحلة العمرة بالمملكة العربية السعودية، وأثناء إنهاء إجراءات سفرهما بمطار القاهرة الدولى، أبلغه ضابط الجوازات بأن نجله ممنوع من السفر.. في البداية ظن الرجل أن الأمر مجرد خطأ بسيط وسيتم إصلاحه في وقت قصير، غير أن الضابط وبعد فحص حالة الطفل، أكد أنه مدرج على قوائم الممنوعين من السفر، لصدور أحكام قضائية ضده صادرة عن 3 محاكم هي: "مدينة نصر، والمعادى، والقاهرة الحديدة".. كادت الصدمة أن تطيح بعقل الأب، وعاد بنجله إلى منزله وفى ذهنه تزاحمت عشرات الأسئلة.. في اليوم التالى توجه الرجل مع محاميه إلى محكمة مدينة نصر، وهناك اكتشفوا مفاجآت مذهلة.. فالطفل "زياد" أحيل إلى المحاكمة بعدة اتهامات منها: "قيادة سيارة محملة بالرمال بسرعة جنونية، وسرقة مواد محجرية، ومقاومة السلطات، وتعريض حياة قوة أمنية للخطر".. وتضمنت أوراق القضية تقرير تحريات أعده ضابط مباحث، أكد فيه أن المتهم "الطفل" كان يعمل في أحد المحاجر بسيارة يمتلكها، وحدثت مشكلة بينه وبين القائمين على المحجر، وعند وصول قوة أمنية، حاول المتهم الفرار بالسيارة المحملة بالرمال، وقادها بسرعة جنونية ما عرض حياة الموجودين في المكان للخطر وبينهم أفراد الشرطة، كما أنه قاوم السلطات وفر هاربا بالسيارة.. وبناء على تلك التحريات، أحالت النيابة العامة المتهم إلى محكمة جنح مدينة نصر التي أصدرت حكما غيابيا بحبس الطفل لمدة سنة.. الأمر الأكثر غرابة هو أن هذا الأمر تكرر في 9 قضايا أخرى، ولم يكلف ضابط المباحث مجرى التحريات نفسه عناء البحث بدقة، أو التأكد من عمر المتهم الحقيقى، الذي لم يتجاوز العامين وقت وقوع الحادث.. تم الطعن على جميع الأحكام الصادرة ضد الطفل، وحصل على البراءة في 4 منها، ومازالت 6 قضايا أخرى منظورة أمام القضاء. واقعة أخرى لا تقل طرافة وغرابة عن سابقتها.. دارت أحداثها في محافظة شمال سيناء.. بطلها هذه المرة أكبر سنا، إذ يبلغ عمره "4" سنوات.. البداية كانت عندما فوجئ "سلامة. خ" بقوة من قسم شرطة ثان العريش، تحضر إلى منزله للقبض على نجله البالغ من العمر 4 سنوات، لتنفيذ حكم قضائى صادر ضده بالحبس.. عقدت الصدمة لسان الأب للحظات، ثم أكد للضابط المسئول أنه هذا الكلام يتنافى مع العقل والمنطق، فابنه المطلوب القبض عليه يبلغ من العمر 4 سنوات فقط، ومعنى صدور حكم عليه، أنه ارتكب الجريمة منذ أن كان يحبو.. لم يستطع الضابط الرد عليه، واكتفى بتأكيد أن نجله، متهم باختطاف صبى عمره "16" سنة، وتقييده بالحبال، وتعذيبه، وقد أحالته النيابة لعامة للمحاكمة، وصدر ضده حكم غيابى بالحبس لمدة شهر، وتغريمه ألف جنيه.. وفى محافظة أسوان، استيقظ "حجاج.م" على صوت طرقات ثقيلة على باب منزله، وعندما فتح فوجئ بمحضر من المحكمة يخبره بان ابنه "محمد" البالغ من العمر 4 سنوات، صدر ضده حكم بالحبس لمدة سنة وكفالة 500 جنيه.. استغرب الأب من كلام المحضر، واستفسر عن الجريمة التي ارتكبها ابنه ذو السنوات الأربع، فأخبره المحضر أن التهمة هي "القتل الخطأ".. ارتدى الرجل ملبسه على عجل، وأسرع إلى المحكمة كى يعرف تفاصيل تلك "المصيبة" التي وقعت على رأس ابنه، وهناك علم أن الطفل متهم بقتل امرأة تدعى "فيفى. م"، إذ صدمها أثناء قيادة سيارة بسرعة جنونية، ولم يراع ظروف الطريق المزدحم بالمارة.. المثير أن تحريات المباحث أكدت أن الطفل المتهم هو من كان يقود السيارة، ما يؤكد أن تلك التحريات أجريت على عجل، ولم يبذل مجريها أي مجهود فيها، وعند تقديم أوراق القضية إلى النيابة العامة، أحالت الطفل إلى المحكمة التي قضت بحبسه.. وبعد الطعن على الحكم كشفت التحريات الجديدة عن أن والد الطفل كتب السيارة باسم نجله، ومن ثم فإن أي مخالفات تتم بواسطة تلك السيارة، تسجل باسم الطفل. وكانت التحريات الخاطئة سببا مباشرا في "فضيحة" شغلت الرأى العام لفترة طويلة، تمثلت في صدور حكم بالسجن 28 سنة على طفل عمره لم يتجاوز السنة ونصف سنة، بتهمة إثارة الشغب، وإحراق منشآت عامة في محافظة المنيا، والاعتداء على رجال الشرطة، وحيازة متفجرات وأسلحة وذخائر ومواد حارقة.. اكتشاف الواقعة جاء بالصدفة عندما ورد اسم الطفل في قائمة المتهمين بأعمال إرهابية، واقتحام وإحراق المنشآت الشرطية، في أعقاب فض اعتصامى جماعة الإخوان المصنفة إرهابية في ميدانى رابعة العدوية والنهضة، وبالاستعلام عن اسم المتهم تمهيدا للقبض عليه وإيداعه السجن، تنفيذا لحكم المحكمة، تبين أنه رضيع عمره عام ونصف العام فقط.. مصدر أمني مطلع رفض الإفصاح عن هويته، أكد لمحقق "فيتو"، أن تحريات المباحث هي الأساس في أي قضية أو حادث سواء جنائى أو غير جنائى، وعليها تعتمد النيابة العامة في قراراتها، وهيئة المحكمة في أحكامها، وأى خلل فيها يؤدى حتما إلى كارثة.. المصدر أوضح أن لكل ضابط أسلوبه في إجراء التحريات، فمنهم من يجريها بنفسه، ومنهم من يعتمد على المصادر السرية، ومنهم من يكلف أمناء شرطة بإنجازها، ومنهم من يستعين بالمخبرين، وهناك من لا يفعل أي شيء من ذلك، ويعتمد على معلومات أو خبرات سابقة، ويكتب محضر التحريات وهو في مكتبه. سأل المحقق مصدره الخاص: "وما هي أسباب الخطأ في التحريات؟".. فأجاب: "هناك أسباب عديدة للخطأ في التحريات، أو بالأحرى "تلفيق" التحريات.. أول هذه الأسباب هو ضعف المستوى المهنى للضابط مجرى التحريات، وبالتالى يعتمد على أشخاص آخرين للقيام بالمهمة، مثل أمناء الشرطة، وهؤلاء لا يهتمون بعملهم وفى معظم الأحيان "يكتبون المحضر" حسب أهوائهم الخاصة.. والسبب الثانى هو الاعتماد على ما يسمى "المصادر السرية"، وهؤلاء من الممكن أن يكونوا "مخبرين" في جهاز الشرطة "مخبر مباحث"، ومن الممكن أن يكونوا من "المسجلين خطر" وأرباب السوابق، وأحيانا يكونون من أهالي المنطقة التي يسكن فيها المتهم.. المصادر السرية هذه من السهل جدا أن تقدم معلومات مغلوطة لضابط المباحث، رغبة في الانتقام من شخص معين، كما أنهم لا يدققون في المعلومات التي يحصلون عليها، ومن ثم قد يزجون ببريء في السجون.. أما السبب الثالث فيتمثل في "كسل" بعض الضباط وتراخيهم في العمل، فيكتبون محضر التحريات بأنفسهم ومن وحى خيالهم، دون الاعتماد على أي مصادر سواء رسمية أو خاصة.. وهناك سبب رابع مهم من شأنه إفساد التحريات نهائيا وخروجها بصورة منافية تماما للحقيقة، وهى اعتماد مجرى التحقيقات مهما كان على الشائعات، وما يتناقله المواطنون حول القضية، أو عن المتهمين فيها، ويتعاملون معها وكأنها حقائق موثقة.. والسبب الخامس يتمثل في اللجوء إلى خصوم المتحرى عنه، واستيقاء المعلومات منهم، وهؤلاء بالطبع سيحاولون إثبات الاتهام عليه، أو اللجوء إلى أقاربه ومعارفه، وهؤلاء بدورهم سيحاولون دفع الاتهامات عنه.. السبب السادس والأخير هو الاستماع لشهود ربما لم يحضروا الواقعة وأخذ كلامهم على محمل الجد".. المصدر تحدث مع المحقق عن الجزاءات والعقوبات التي توقع على مجرى التحريات في حالة ثبوت عدم جديتها أو فبركتها قائلا: "في العديد من القضايا المنظورة أمام المحاكم، يدفع المحامون بعدم جدية التحريات، وبطلان إجراءات الضبط المعتمدة على تلك التحريات، وإذا رأت المحكمة أن هذا الدفع صحيح قانونا، فإنها تأخذ به وتصدر حكما بالبراءة.. في بعض الأحيان يقدم المتهم البرىء شكوى أو تظلما لقطاع التفتيش والرقابة بوزارة الداخلية، ضد الضابط مجرى التحريات، ويتم التحقيق معه في تلك الشكوى ومجازاته وفقا للوائح والقوانين.. وهناك من يقدم بلاغات للنيابة العامة ضد الضباط، يتهمونهم فيها "بتلفيق" الاتهامات"، ويتم التحقيق فيها وفقا للقانون، وتعمل النيابة فيها شئونها. الخبير الأمني العميد محمود قطرى، تحدث مع محقق "فيتو" عن التحريات الأمنية وأهميتها في القضايا المختلفة، مؤكدا أنها الأساس في العمل الشرطى المتعلق بالبحث الجنائى بصفة عامة وقال: "حتى لا تحدث المشكلات والكوارث التي نسمع عنها بسبب عدم دقة التحريات، لا بد من أن تكون التحريات قرينة وليست دليل إدانة في القضايا، أيضا على ضابط المباحث المختص أن يجرى التحريات بنفسه، والذهاب إلى مكان الواقعة بنفسه ومناقشة كل الأطراف بحيادية تامة، واستخلاص الحقائق منهم، ومقارنتها بالمعلومات التي يحصل عليها من المصادر الرسمية الأخرى مثل الأدلة الجنائية وغيرها، وإذا كان مضطرا للاعتماد على مصادر "سرية"، فلا بد من اختيارها بدقة ومن ذوى الخبرات الطويلة في جمع المعلومات، والحرص على التأكد من عدم وجود علاقة بينهم وبين المتهم.. أيضا من المهم جدا أن يقوم مفتش من الداخلية، في وقت لاحق، بالتوجه إلى مكان الحادث وإعادة إجراء التحريات بنفسه، للتأكد من صحة المعلومات المقدمة من الضابط المكلف بالتحقيق في القضية". أما المستشار القانونى محمد رشوان فيرى أن التحريات الأمنية يجب ألا تترك في أيدى جهة واحدة، وألا تعتمد على مجرد تقرير مكتوب، قد يكون من خيال كاتبه كما حدث في العديد من القضايا.. وأضاف: "التحريات غير المدعومة بالصور والفيديوهات، وأقوال الشهود الثقات، أو المستندات والتسجيلات، والأدلة المادية، لا تكفى وحدها لتكون دليل إدانة قاطعًا للحكم بحبس شخص"، واستطرد في حديثه للمحقق: "مجرى التحريات دائما يرفض الإفصاح عن هوية مصادره التي يحصل منهم على المعلومات، ومن ثم فإن تلك المعلومات غالبا تكون محل شك، وسبب عدم إفصاحه عن تلك المصادر هو اعتماده على أشخاص ليسوا أهلا للثقة، مثل المسجلين وأرباب السوابق، ومن الضرورى تحديث وتطوير أساليب إجراء التحريات، وتدريب الضباط على هذا العمل جيدا، فضلا عن إحكام الرقابة عليهم، وتغليظ العقوبات على كل من يثبت تورطه في "فبركة" تحريات قضية أو واقعة معينة. محكمة النقض: "تحريات الشرطة مجرد رأى شخصى يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان" أكدت محكمة النقض أن تحريات الشرطة، لا تصلح أن تكون دليلًا كافيًا، فهى مجرد رأى لصاحبها، يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان، والصدق والكذب، إلى أن يعرف مصدرها ويتحدد، ويطلع القاضى بنفسه على مصدر المعلومات وخاصة برفض مجرى التحريات الإفصاح عن مصدر معلوماته، مما يكون دليلًا للشك. (طعن رقم "24530" لسنة 59ق بجلسة 22 مارس 1990م).