مكتب ستارمر: بريطانيا ستنشر منظومة دفاع جوي في الكويت    صلاح طوق النجاة لسلوت من شبح الإقالة في ليفربول    التحقيق في حادث تصادم سيارتين أعلى الطريق الدائري تسبب في إصابة 6 أشخاص    إعلام عبري: إطلاق أكثر من 60 صاروخا من لبنان باتجاه إسرائيل منذ صباح اليوم    وزير الخارجية يؤكد التزام مصر بدعم جهود تعزيز الأمن بالصومال والقرن الأفريقي    ضبط 277 قطعة أثرية بحوزة شخص قبل بيعهم في المنيا    السيدة انتصار السيسي في يوم اليتيم: «العطاء لهم.. حياة لنا»    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    مجلس الأمن يؤجل التصويت على اقتراح لتأمين مضيق هرمز    إسرائيل تعلن ضرب 3500 هدف في لبنان خلال شهر    البترول: إضافة 4 آبار جديدة إلى خريطة إنتاج الغاز بإجمالي 120 مليون قدم مكعب يوميا    الزمالك يستضيف الأهلي في قمة دوري كرة القدم النسائية    أشرف قاسم: جماهير الزمالك كلمة السر.. والفريق مطالب بالعلامة الكاملة لحسم لقب الدوري    البرتغال تضع اللمسات الأخيرة قبل كأس العالم بمواجهة نيجيريا    توجيهات من وزير الإنتاج الحربي بشأن إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء    وزير الزراعة يعلن فتح أسواق "الأوروجواي" أمام البصل والثوم المصري    محافظ الشرقية يتابع سحب مياه الأمطار بمراكز ومدن المحافظة    ضبط مصنع مقرمشات غير مرخص والتحفظ على 18 ألف كيس و4 أطنان مواد خام مجهولة المصدر بالغربية    ارتفاع طفيف بأسعار الذهب في بداية تعاملات اليوم    23 أبريل.. افتتاح العرض الموسيقي الاستعراضي Friday على مسرح مدينة الإنتاج الإعلامي    استقرار سعر الدولار أمام الجنيه بداية تعاملات اليوم 3 أبريل 2026    بين الإنخفاض والارتفاع..... أسعار الخضروات والفاكهة في المنيا اليوم الجمعة 3 أبريل 2026    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    في يوم اليتيم.. دعاء لمن غابوا عنا بأجسادهم.. ولا تفارقنا أرواحهم    الصناعة: تحديث البرنامج الوطني للسيارات لإنتاج 100 ألف سيارة سنويًا    الصحة: بدء تقديم تطعيمات فاكسيرا داخل مركز الخدمات الطبية بمنطقة التوفيقية    بسبب الحرب.. إلغاء الصلوات وتعليق الأنشطة في كنيسة مارمينا بدبي    انطلاق كأس العالم للجمباز الفني بالقاهرة اليوم    «رعاية وعناية».. أسرار مكانة اليتيم بين القيم الدينية والتربية المجتمعية    وزير الخارجية يلتقي ممثلي كبرى الشركات الروسية بمشاركة نائب وزير الصناعة والتجارة    إخماد حريق شقة سكنية في العمرانية دون وقوع إصابات    إنبي في مواجهة نارية أمام بيراميدز بنصف نهائي كأس مصر    كامافينجا عن مواجهة أوليسي في دوري الأبطال: سأكون مضطراً لقتاله    موعد صلاة الجمعة في المنيا اليوم ومواقيت الصلاة الجمعة 3 أبريل 2026    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    بينهم 5 سيدات، تجديد حبس شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالجيزة    إبراهيم عبد المجيد ينتقد انتخابات اتحاد الكتاب: لماذا يضم المجلس 30 عضوًا؟    توقيع مذكرة تفاهم بين جامعتي القاهرة وبرلين الحرة للتعاون الأكاديمي والبحثي    صورة دقيقة للقوة العسكرية لإيران.. الاستخبارات الأمريكية: نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية سليمة    إيران تحذر مجلس الأمن من أي خطوات استفزازية بشأن مضيق هرمز    تعليم سيناء يهنئ أبطال الجمهورية في مسابقات الأنشطة التربوية    معاينة لمشروع رصف طريق «مدينة السلام - البرث - العوجا»    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    بإطلالة جريئة.. منة فضالي تلفت الأنظار في أحدث ظهور.. شاهد    المؤبد لسائق توك توك وعامل لاتجارهم في المواد المخدرة بشبرا الخيمة    "ماشي بالعصاية".. تعرض محمد محمود عبد العزيز لوعكة صحية    وزارة الصحة: بعض آلام المعدة تكون عرضا لجلطة في القلب    مكتبة الإسكندرية تحتفي بالأعمال المترجمة للشيخ محمد الحارثي    بعدما لوح السيسي بفقدان الاستقرار .. ما إمكانية تداول السلطة برغبة شعبية في مصر؟    الموت يفجع إمام عاشور، وهذا ما كتبه على إنستجرام    اجتماع للجنة التنسيقية لهيئات منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    الصحة العالمية تطلب تمويلا 30.3 مليون دولار للاستجابة للأزمة الصحية المتفاقمة في الشرق الأوسط    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    لحسن العشرة والوفاء صور.. وفاة زوجة بعد ساعة من وفاته حزنا عليه في كفر الشيخ.. فيديو    فلسفة شاعر    بدء غلق كوبري الدقي المعدني جزئيا لمدة 3 أيام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«فيتو» تقتحم إمبراطورية الأغذية الفاسدة فى القاهرة والجيزة والقليوبية

مات الضمير بداخلهم، فتحكم فيهم الطمع والجشع.. أرادوا تحقيق الثراء السريع، فاحترفوا تجارة الموت.. لجأوا إلى مقالب القمامة وأخرجوا منها بقايا الأطعمة والعصائر الفاسدة، وأعادوا تعبئتها وباعوها للفقراء فى الأحياء الشعبية.. استعانوا بعشرات البلطجية والمسجلين خطر لحمايتهم، فكونوا إمبراطورية ضخمة لا يمكن اختراقها.. لكن محقق «فيتو» ومن خلال مغامرة مثيرة.. استطاع اختراق تلك الإمبراطورية، ورصد بالكلمة والصورة خطوات صناعة الأغذية الفاسدة من مخلفات الفنادق بداية من عمليات جمعها من مقالب القمامة، مرورا بتصنيعها وإعادة تعبئتها، وحتى وصولها إلى الغلابة والفقراء من المصريين فى الأسواق الشعبية.. تفاصيل المغامرة تحملها السطور التالية..
فى البداية.. كان لابد من مرافق لنا نستطيع من خلاله اقتحام مقلب القمامة فى صحراء «شق الثعبان» بمنطقة دار السلام، وهو المقلب الذى اختاره بعض الفنادق الكبرى لإلقاء مخلفات المواد الغذائية فيه.. وبعد فترة من البحث توصلنا لمرافق من المنطقة ولكنه اشترط ذكر اسمه خوفا من بطش بلطجية المقلب، ومافيا تجارة الأغذية الفاسدة.. فى ساعة مبكرة من الصباح التقينا فى دار السلام ومنه انطلقنا إلى شق الثعبان، وفى منطقة جبلية متطرفة وجدنا المقلب أو «الكنز» كما يلقبه البعض..
مقلب قمامة.. و3 بلطجية
قلت لمرافقي « ما حكاية هذا المقلب؟».. فقال: «فى التاسعة من صباح كل يوم.. تحضر سيارة نقل كبيرة محملة ببقايا جميع أنواع الأغذية والحلويات والعصائر تفوح منها روائح كريهة للغاية لتلقيها هنا.. بعد دقائق من تفريغ الحمولة يأتى رجل فى حوالى الخمسين من عمره يدعى المعلم «سماكة» وبصحبته فتاتان تبدأن فى فرز المقلب بدقة ليتعرف المعلم على نوعية وحجم المواد الغذائية الموجودة ومن ثم يحدد الأسعار للتجار.. تواصل الفتاتان عملهما بتقسيم الأغذية حسب النوع، بحيث توضع الحلويات من بقايا التورتة والجاتوه مع بعضها، وكذلك الحال مع العصائر بجميع أنواعها والكاتشب والمايونيز والطحينة، والجبنة والتونة.. تنتهى أعمال الفرز هذه مع أذان الظهر تقريبا، وفى حوالى الواحدة يأتى التاجر الذى سيشترى المقلب ويعاين البضاعة ثم يدفع السعر المتفق عليه للمعلم سماكة، ويضع المواد الغذائية على عربة كارو يجرها حمار، وينقلها إلى مكان آخر تجرى فيه عملية إعادة التعبئة والتغليف.. سألت مرافقى: «هل يحتكر سماكة المقلب أم هناك آخرون يشاركونه فيه؟».. أجاب: « بالطبع لا.. هناك ثلاثة أشخاص يتقاسمون السيطرة على المقلب على مدار أيام الأسبوع.. ففى يومى السبت والثلاثاء يكون المقلب من نصيب شخص يدعى «تونسى»، وهو مسجل خطر تم ضبطه فى العديد من قضايا السرقة بالإكراه وتعاطى المخدرات وحيازة أسلحة بدون ترخيص، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.. ويومى الاثنين والأربعاء يكون المسيطر على المقلب هو «حمودة» المعروف بالبلطجة وفرض الإتاوات وسرقة المارة بالإكراه بطريق الأوتوستراد.. أما فى أيام الأحد والخميس والجمعة، فيكون المقلب من نصيب المعلم «سماكة» وهو أشهر فتوات المنطقة، ولا يجرؤ اى شخص آخر على الاقتراب من المقلب أو محاولة مشاركتهم فى هذا العمل خوفا من بطشهم وتجبرهم.
«لهاليبو ودوسة».. وصناعة الموت
قلت لمرافقى: «هذا ما يحدث بالقرب من جبل شق التعبان.. فماذا عن المرحلة التالية وهى إعادة تعبئة وتغليف تلك المأكولات؟».. قال: « هذه العملية يقوم بها أشخاص آخرون فى مناطق أخرى.. أشهرهم المعلمة «لهاليبو» التى تحتكر تجارة هذا النوع من الأغذية منذ أكثر من عشر سنوات فى عزبة «النصر»، و« ترب اليهود» بمنطقة البساتين.. تشترى المقلب كاملا أيام الخميس والجمعة والأحد من المعلم سماكة بمبلغ لا يتجاوز المائة جنيه وتنقل بقايا الطعام إلى منزلها، وبمساعدة مجموعة من السيدات والفتيات تقومن بتفريغها فى آنية كبيرة.. فمثلا تضع بقايا الكاتشب كلها فى إناء واحد وتتولى بعض الفتيات مهمة غسل الزجاجات الفارغة، ثم تبدأ عملية إعادة التعبئة يدويا، ونفس الأمر يتكرر مع المايونيز والطحينة والعصائر بجميع أنواعها.. أما بقايا التورتة وقطع الجاتوه، فيتولى فريق آخر من النساء مهمة إعادة تهذيبها وتغليفها فى أوراق مزركشة ولامعة، وفى بعض الأحيان يتم الاكتفاء بالتهذيب فقط دون التغليف.. وبالنسبة لبقايا الزبادى واللبن والجبنة والتونة، فيتم نقلها إلى مصانع صغيرة تحت بير السلم ويعاد تصنيعها وتعبئتها فى عبوات أخرى.».. استطرد الرجل موضحا: « لهاليبو ليست الوحيدة التى تقوم بهذا النشاط، فهناك أخريات يعملن فى ذات المجال منهن «سنية.م» الشهيرة ب«دوسة»، ويشاركها زوجها فى العمل وتتخذ من منطقة دار السلام مسرحا لمزاولة نشاطها.. وهى ورثت المهنة عن والديها، وتدرب أطفالها الصغار عليها ليرثوها من بعدها، وتكلفهم ببيع العصير الفاسد لطلاب المدارس وتجارتها تزدهر يوما بعد يوم.. وهناك رجال ونساء كثيرون يقومون بنفس العمل فى مناطق أخرى وبذات الطريقة».
المأكولات الفاسدة.. في أسواق الغلابة
«نأتي إلى مرحلة مهمة وهى مرحلة التوزيع فى الأسواق.. كيف تتم؟».. هكذا سألت مرافقى.. فأجاب: « بعد انتهاء عمليات التعبئة والتغليف.. تبدأ مجموعة من الأطفال خصوصا الفتيات فى عرض المنتجات على الأرصفة وفى الشوارع الضيقة المزدحمة بالمارة.. وبعض البضائع يتم نقلها إلى الأسواق فى المناطق الشعبية والعشوائية وبيعها إما لتاجر جملة أو قطاعى من خلال عرضها على فرش صغير فى أسواق قريبة من المنطقة وأخرى بعيدة عنها ومن هذه الأسواق سوق الأحد فى منطقة بيجام بشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، وسوق الثلاثاء بالمرج، والجمعة فى منشأة ناصر، بالإضافة للأسواق المنتشرة فى منطقة دار السلام، وفى محافظة الجيزة تنتشر هذه المنتجات فى أسواق منطقة إمبابة.. الأغرب من ذلك أن بعض الفنادق الصغيرة تتفق أحيانا مع المعلمة لهاليبو وزميلاتها، على توريد كميات كبيرة من تلك الأغذية الفاسدة لتقديمها للنزلاء على أنها طازجة».. قاطعته متسائلا عن الأسعار، فأوضح: « بالطبع هى أسعار زهيدة للغاية لإغراء الزبائن.. فمثلا زجاجة الكاتشب لا يزيد سعرها على جنيه ونصف الجنيه، وزجاجة المايونيز بجنيهين فقط.. وعلبة العصير أيا كان نوعها بجنيه واحد.. وعبوة الجبنة او التونة تتراوح بين نصف جنيه وجنيهين.. أما التورتة كبيرة الحجم فلا يزيد سعرها على العشرة جنيهات.. وقطعة الجاتوه بجنيه واحد، وقد يزيد السعر أو ينقص قليلا حسب إقبال الزبائن على المنتجات.. وبالطبع يقبل الغلابة من سكان العشوائيات على الشراء دون أن يدركوا أنهم يأكلون سموما قد تقتلهم أو على الأقل تصيبهم بأخطر الأمراض.. وقد أصيب بالفعل طفل يدعى محمد سعيد بحالة تسمم حادة بعد تناوله علبة عصير موز باللبن من منتجات المعلمة لهاليبو، وتم نقله للمستشفى وأجريت له عملية غسيل معدة سريعة، ورفضت والدته تحرير محضر بالواقعة واكتفت بمنع طفلها من شراء هذه المنتجات مرة أخرى».. فى نهاية اليوم وبعد هذه الجولة المرهقة، عاد محقق «فيتو» وقد امتلأت نفسه همَا وغمَا، وقال فى نفسه: « ألهذا الحد وصل الطمع والجشع ببعض البشر؟.. ألهذا الحد تجاهلت الحكومة بسطاء المصريين وتركتهم فريسة لتجار الغذاء الفاسد؟.. فتش فى ذهنه عن سبب واحد يجعل دولة تتجاهل أبناءها بهذا الشكل فلم يجد.. فطوى أوراقه.
مات الضمير بداخلهم، فتحكم فيهم الطمع والجشع.. أرادوا تحقيق الثراء السريع، فاحترفوا تجارة الموت.. لجأوا إلى مقالب القمامة وأخرجوا منها بقايا الأطعمة والعصائر الفاسدة، وأعادوا تعبئتها وباعوها للفقراء فى الأحياء الشعبية.. استعانوا بعشرات البلطجية والمسجلين خطر لحمايتهم، فكونوا إمبراطورية ضخمة لا يمكن اختراقها.. لكن محقق «فيتو» ومن خلال مغامرة مثيرة.. استطاع اختراق تلك الإمبراطورية، ورصد بالكلمة والصورة خطوات صناعة الأغذية الفاسدة من مخلفات الفنادق بداية من عمليات جمعها من مقالب القمامة، مرورا بتصنيعها وإعادة تعبئتها، وحتى وصولها إلى الغلابة والفقراء من المصريين فى الأسواق الشعبية.. تفاصيل المغامرة تحملها السطور التالية..
فى البداية.. كان لابد من مرافق لنا نستطيع من خلاله اقتحام مقلب القمامة فى صحراء «شق الثعبان» بمنطقة دار السلام، وهو المقلب الذى اختاره بعض الفنادق الكبرى لإلقاء مخلفات المواد الغذائية فيه.. وبعد فترة من البحث توصلنا لمرافق من المنطقة ولكنه اشترط ذكر اسمه خوفا من بطش بلطجية المقلب، ومافيا تجارة الأغذية الفاسدة.. فى ساعة مبكرة من الصباح التقينا فى دار السلام ومنه انطلقنا إلى شق الثعبان، وفى منطقة جبلية متطرفة وجدنا المقلب أو «الكنز» كما يلقبه البعض..
مقلب قمامة.. و3 بلطجية
قلت لمرافقي « ما حكاية هذا المقلب؟».. فقال: «فى التاسعة من صباح كل يوم.. تحضر سيارة نقل كبيرة محملة ببقايا جميع أنواع الأغذية والحلويات والعصائر تفوح منها روائح كريهة للغاية لتلقيها هنا.. بعد دقائق من تفريغ الحمولة يأتى رجل فى حوالى الخمسين من عمره يدعى المعلم «سماكة» وبصحبته فتاتان تبدأن فى فرز المقلب بدقة ليتعرف المعلم على نوعية وحجم المواد الغذائية الموجودة ومن ثم يحدد الأسعار للتجار.. تواصل الفتاتان عملهما بتقسيم الأغذية حسب النوع، بحيث توضع الحلويات من بقايا التورتة والجاتوه مع بعضها، وكذلك الحال مع العصائر بجميع أنواعها والكاتشب والمايونيز والطحينة، والجبنة والتونة.. تنتهى أعمال الفرز هذه مع أذان الظهر تقريبا، وفى حوالى الواحدة يأتى التاجر الذى سيشترى المقلب ويعاين البضاعة ثم يدفع السعر المتفق عليه للمعلم سماكة، ويضع المواد الغذائية على عربة كارو يجرها حمار، وينقلها إلى مكان آخر تجرى فيه عملية إعادة التعبئة والتغليف.. سألت مرافقى: «هل يحتكر سماكة المقلب أم هناك آخرون يشاركونه فيه؟».. أجاب: « بالطبع لا.. هناك ثلاثة أشخاص يتقاسمون السيطرة على المقلب على مدار أيام الأسبوع.. ففى يومى السبت والثلاثاء يكون المقلب من نصيب شخص يدعى «تونسى»، وهو مسجل خطر تم ضبطه فى العديد من قضايا السرقة بالإكراه وتعاطى المخدرات وحيازة أسلحة بدون ترخيص، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.. ويومى الاثنين والأربعاء يكون المسيطر على المقلب هو «حمودة» المعروف بالبلطجة وفرض الإتاوات وسرقة المارة بالإكراه بطريق الأوتوستراد.. أما فى أيام الأحد والخميس والجمعة، فيكون المقلب من نصيب المعلم «سماكة» وهو أشهر فتوات المنطقة، ولا يجرؤ اى شخص آخر على الاقتراب من المقلب أو محاولة مشاركتهم فى هذا العمل خوفا من بطشهم وتجبرهم.
«لهاليبو ودوسة».. وصناعة الموت
قلت لمرافقى: «هذا ما يحدث بالقرب من جبل شق التعبان.. فماذا عن المرحلة التالية وهى إعادة تعبئة وتغليف تلك المأكولات؟».. قال: « هذه العملية يقوم بها أشخاص آخرون فى مناطق أخرى.. أشهرهم المعلمة «لهاليبو» التى تحتكر تجارة هذا النوع من الأغذية منذ أكثر من عشر سنوات فى عزبة «النصر»، و« ترب اليهود» بمنطقة البساتين.. تشترى المقلب كاملا أيام الخميس والجمعة والأحد من المعلم سماكة بمبلغ لا يتجاوز المائة جنيه وتنقل بقايا الطعام إلى منزلها، وبمساعدة مجموعة من السيدات والفتيات تقومن بتفريغها فى آنية كبيرة.. فمثلا تضع بقايا الكاتشب كلها فى إناء واحد وتتولى بعض الفتيات مهمة غسل الزجاجات الفارغة، ثم تبدأ عملية إعادة التعبئة يدويا، ونفس الأمر يتكرر مع المايونيز والطحينة والعصائر بجميع أنواعها.. أما بقايا التورتة وقطع الجاتوه، فيتولى فريق آخر من النساء مهمة إعادة تهذيبها وتغليفها فى أوراق مزركشة ولامعة، وفى بعض الأحيان يتم الاكتفاء بالتهذيب فقط دون التغليف.. وبالنسبة لبقايا الزبادى واللبن والجبنة والتونة، فيتم نقلها إلى مصانع صغيرة تحت بير السلم ويعاد تصنيعها وتعبئتها فى عبوات أخرى.».. استطرد الرجل موضحا: « لهاليبو ليست الوحيدة التى تقوم بهذا النشاط، فهناك أخريات يعملن فى ذات المجال منهن «سنية.م» الشهيرة ب«دوسة»، ويشاركها زوجها فى العمل وتتخذ من منطقة دار السلام مسرحا لمزاولة نشاطها.. وهى ورثت المهنة عن والديها، وتدرب أطفالها الصغار عليها ليرثوها من بعدها، وتكلفهم ببيع العصير الفاسد لطلاب المدارس وتجارتها تزدهر يوما بعد يوم.. وهناك رجال ونساء كثيرون يقومون بنفس العمل فى مناطق أخرى وبذات الطريقة».
المأكولات الفاسدة.. في أسواق الغلابة
«نأتي إلى مرحلة مهمة وهى مرحلة التوزيع فى الأسواق.. كيف تتم؟».. هكذا سألت مرافقى.. فأجاب: « بعد انتهاء عمليات التعبئة والتغليف.. تبدأ مجموعة من الأطفال خصوصا الفتيات فى عرض المنتجات على الأرصفة وفى الشوارع الضيقة المزدحمة بالمارة.. وبعض البضائع يتم نقلها إلى الأسواق فى المناطق الشعبية والعشوائية وبيعها إما لتاجر جملة أو قطاعى من خلال عرضها على فرش صغير فى أسواق قريبة من المنطقة وأخرى بعيدة عنها ومن هذه الأسواق سوق الأحد فى منطقة بيجام بشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، وسوق الثلاثاء بالمرج، والجمعة فى منشأة ناصر، بالإضافة للأسواق المنتشرة فى منطقة دار السلام، وفى محافظة الجيزة تنتشر هذه المنتجات فى أسواق منطقة إمبابة.. الأغرب من ذلك أن بعض الفنادق الصغيرة تتفق أحيانا مع المعلمة لهاليبو وزميلاتها، على توريد كميات كبيرة من تلك الأغذية الفاسدة لتقديمها للنزلاء على أنها طازجة».. قاطعته متسائلا عن الأسعار، فأوضح: « بالطبع هى أسعار زهيدة للغاية لإغراء الزبائن.. فمثلا زجاجة الكاتشب لا يزيد سعرها على جنيه ونصف الجنيه، وزجاجة المايونيز بجنيهين فقط.. وعلبة العصير أيا كان نوعها بجنيه واحد.. وعبوة الجبنة او التونة تتراوح بين نصف جنيه وجنيهين.. أما التورتة كبيرة الحجم فلا يزيد سعرها على العشرة جنيهات.. وقطعة الجاتوه بجنيه واحد، وقد يزيد السعر أو ينقص قليلا حسب إقبال الزبائن على المنتجات.. وبالطبع يقبل الغلابة من سكان العشوائيات على الشراء دون أن يدركوا أنهم يأكلون سموما قد تقتلهم أو على الأقل تصيبهم بأخطر الأمراض.. وقد أصيب بالفعل طفل يدعى محمد سعيد بحالة تسمم حادة بعد تناوله علبة عصير موز باللبن من منتجات المعلمة لهاليبو، وتم نقله للمستشفى وأجريت له عملية غسيل معدة سريعة، ورفضت والدته تحرير محضر بالواقعة واكتفت بمنع طفلها من شراء هذه المنتجات مرة أخرى».. فى نهاية اليوم وبعد هذه الجولة المرهقة، عاد محقق «فيتو» وقد امتلأت نفسه همَا وغمَا، وقال فى نفسه: « ألهذا الحد وصل الطمع والجشع ببعض البشر؟.. ألهذا الحد تجاهلت الحكومة بسطاء المصريين وتركتهم فريسة لتجار الغذاء الفاسد؟.. فتش فى ذهنه عن سبب واحد يجعل دولة تتجاهل أبناءها بهذا الشكل فلم يجد.. فطوى أوراقه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.