كأنها كانت ترى دائمًا أن وقت المغيب قد حان، فكان يترقرقُ في عينيها السوداوين الشاردتين بريقٌ شفيفٌ من الحزنِ النبيلِ الغائرِ في الأعماق، الذي يحمل من المعاني والدلالات والرؤى والحب العميق والتوجس والبراءة، ما لا يمكن تفسيره، بل إن مجرد الحديث عنه يخدش صفائه الطفُوليّْ البَهيّْ. هي فنانة استثنائية رُوحًا و فكرًا ووجدانًا، لاتشبه إلا نفسها، عصيّة على التقليد، وغير قابلة للمحو أو التجاوز، تجربة متفردة تستمد طاقتها الإبداعية المتجددة من ذاتها وحدها، ذاتها التي أمتصّت رحيقَ الحياة. كانت في تعاملها مع الكلمات تسحضر الحدث بكل أبعاده، كأنها تغترف من رُوحها رأسًا؛ لتُحلّق في عوالم يتداخل فيها السمو الروحي و الأخلاقي والإبداع الوجداني. وهي طفلة كانت تذهب مع أبيها إلى السينما في المنصورة، وتتأمل الممثلين والممثلات بعيون مشدوهة، وعندما ذهبت الفنانة آسيا إلى سينما المنصورة ذات يوم، ورأتها الطفلة من بعيد، متألقة تحت الأضواء، وحولها الناس يصفقون لها، عادت إلى البيت وكأنها رأت حلما عظيمًا. وعندما أعلنت إحدى الصحف عن مسابقة لجمال الأطفال، أرسل أبوها صورتها إلى المسابقة، وفازت الطفلة في مسابقة الصور. كما أرسل والدها صورة لها إلى المخرج محمد كريم الذي كان يبحث عن طفلة تقوم بالتمثيل مع الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم "يوم سعيد" 1940، واقتنع كريم بموهبة الطفلة فقام بإبرام عقد مع والدها ليضمن مشاركتها في أعماله السينمائية المستقبلية. وبعد 4 سنوات استدعاها كريم مرة أخرى لكي تمثل أمام محمد عبد الوهاب في فيلم "رصاصة في القلب" 1944، ومع فيلمها الثالث "دنيا" 1946. ودخلت فاتن المعهد العالي للتمثيل عام 1946. وفي الخمسينيات كان التوجه العام يتجه نحو الواقعية وخاصة على يد المخرج صلاح أبو سيف، فشاركت فاتن بدور البطولة في فيلم "لك يوم يا ظالم" 1952 الذي اعتبر من أوائل الأفلام الواقعية واشترك هذا الفيلم في مهرجان "كان" السينمائي. كما اشتركت في أول فيلم للمخرج يوسف شاهين وهو فيلم "بابا أمين" 1950 ثم في فيلم "صراع في الوادي" 1954 الذي كان منافسًا رئيسيًا في مهرجان "كان" السينمائي. حصلت في عام 1963 على جائزة أحسن ممثلة في الفيلم السياسي "لا وقت للحب" 1963. كانت فاتن تؤمن بإن النساء دورًا يوازي دور الرجال في المجتمع، فمثلت دور الأم التي كانت مسؤولة عن عائلتها في ظل غياب الأب في فيلم "إمبراطورية ميم" 1972. وجسدت دور المرأة المعاصرة التي تحاول أن يعاملها القانون بالمساواة مع الرجل في فيلم "أريد حلا" 1975. ولعبت دور أرملة في عصر الانفتاح والمبادئ المتقلبة، تحمل أعباء ثقيلة جدًا دون أن تشكو وكلها أمل بالوصول إلى يوم حلو لتمسح ذاكرة اليوم المر، في فيلم مع المخرج خيري بشارة وهو فيلم "يوم حلو يوم مر". ويرى معظم النقاد أنها وصلت إلى مرحلة النضج الفني مع فيلم "دعاء الكروان" 1959 هذا الفيلم الذي اختير كواحد من أحسن ما أنتجته السينما المصرية وهو مستوحٍ من رواية لعميد الأدب العربي طه حسين، وكانت الشخصية التي قامت بتجسيدها معقدة جدًا من الناحية النفسية، ومن هذا الفيلم بدأت بانتقاء أدوارها بعناية. فتلى هذا الفيلم فيلم "نهر الحب" 1960 المستوحي من رواية ليو تولستوي الشهيرة "آنا كارنينا". وكان من أهم أعمالها أيضًا فيلم "لا تطفئ الشمس" 1961، عن رواية لإحسان عبد القدوس وفيلم "لا وقت للحب" 1963 عن رواية يوسف إدريس. حازت على لقب "سيدة الشاشة العربية"، واعتبرت من قِبَل الكثيرين العلامة الأبرز في السينما العربية.