منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الكون وميزان الكون تحكمه حسابات ربانية دقيقة، فالكل مسير لما خلق له، وعلمتنا الحروب الكبرى عبر التاريخ أن المنتصر هو من يضع القواعد، ومنذ ظهور الإمبراطوريات والقوى الكبرى لم تنفرد بقيادة الكون قوة منفردة منذ الفرس والروم وصولا للولايات المتحدةالأمريكية والاتحاد السوفيتى. ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتى والولاياتالمتحدة ومعسكرها الغربى هم من يقودون العالم وفق أجندات ومسميات براقة تجذب البسطاء حول العالم "حقوق الإنسان، الديمقراطية... إلخ". وبالتطبيق عند تعرض مصالحهم للخطر يكتشف الجميع أن الشعارات تطبق وفق المصالح، وأن درس احتلال العراق جعل الصراعات بعيدا عن التدخل العسكرى المباشر عبر تحييد القوى العسكرية ووفق نظرية قطع الرأس عن طريق الخيانة الداخلية والعملاء نموذج استهداف أمين عام حزب الله واستهداف علماء إيران وقيادتهم وصولا لاستهداف رئيس فنزويلا المنتخب عن طريق عملية عسكرية التى تمت فى زمن قياسى من قلب العاصمة.. وهذا الاستهداف لرئيس دولة كررته الولاياتالمتحدة فى العراق، وقتلت الرئيس العراقى صدام حسين، وكررته فى بنما واعتقلت الرئيس مانويل نوريجا من قلب دولته. إن ما حدث فى العراقوبنماوفنزويلا لم يكن بهذه السرعة إلا عن طريق الخيانة والحصار والأزمات الداخلية، وعدم قراءة المشهد الإقليمى والدولى من قبل قادة هذه الدول. أما المختلف هذه المرة فى اعتقال الرئيس الفنزويلى هو الانهيار شبه الكامل لشبكات الدفاع الفنزويلية، والأعجب تحليق المروحيات الأمريكية على ارتفاع منخفض فوق مقر إقامة الرئيس الفنزويلى الذى تم اعتقاله فيه، حيث تضاربت الروايات حول مكان وجوده سواء فى القصر الجمهورى أو فى قاعدة عسكرية محصنة، فالنتيجة واحدة اختطافه بسرعة مذهلة دون إصابات فى القوات الأمريكية.. وتعددت التفسيرات والتبريرات لتفسير هذا المستوى من الاختراق، والأقرب إلى الواقع والمنطق هو وجود خيانة داخلية أو توافقات مسبقة بين قيادات فنزولاية والولاياتالمتحدة على تسليم الرئيس الفنزويلى مقابل تفاهمات تضمن بقاءهم وعدم مساءلتهم، وهو ما يعكس هشاشة النظام السياسى فى فنزويلا أكثر مما يعكس قوة الولاياتالمتحدةالأمريكية. فالرئيس الأمريكى ترامب فى ولايته الثانية يعيد إحياء مبدأ "مونرو" لا "كوثيقة تاريخية"، بل "كعقيدة تنفيذية" فالأمن القومى الأمريكى من منظور الولاياتالمتحدةالأمريكية يحتم على الولاياتالمتحدة أن يكون الفناء الجغرافى الخلفى "أمريكا اللاتينية" مجال مغلق تابع للأجندة السياسية الأمريكية بعيدا عن نفوذ القوى الدولية المنافسة أو المعادية للولايات المتحدة "النفوذ الروسى أو الصينى أو التحالف مع إيران... إلخ" كونه يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى الأمريكى. ورغم المبررات الأمريكية تعتبر فنزويلا هدفا مثاليا كونها تمتلك أكبر احتياطى من الغاز والنفط فى العالم، وتمتلك ثروات معدنية استراتيجية، بالإضافة لموقعها الجغرافى فى الدائرة الخلفية للأمن القومى الأمريكى على الكاريبى، مع وجود نظام سياسى غير موال للإدارة الأمريكية سبق له تأميم شركات النفط والغاز الأمريكية العاملة فى فنزويلا. وبالرغم من فرض الولاياتالمتحدةالأمريكية العديد من العقوبات والضغوط السياسى على النظام السياسى لفنزويلا إلا أن سياسية الرئيس ترامب فى تعامله مع النظام السياسى فى فنزويلا، تم تغييرها فى ولايته الثانية لتكون بدلا من "تغيير سلوك النظام السياسي" بالعقوبات والحصار إلى منطق "إنهاء رأس النظام السياسي" عبر عملية عسكرية خاطفة. والأيام القادمة سوف تكشف العديد من السيناريوهات التى اتبعتها الولاياتالمتحدةالأمريكية فى تنفيذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى ونقله إلى أراضيها لمحاكمته وقد عقدت أول جلسات المحاكمة فى نيويورك فى توقيت ينتظر فيه العالم موقف مجلس الأمن الدولى. فالولاياتالمتحدة أعادت توصيف فنزويلا كدولة رئيسها يتاجر فى المخدرات وينظم الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة وتلك اللائحة من الاتهامات لم تكن توصيفًا بريئًا، بل كمبرر وتمهيد قانونى وأخلاقى لضرب السيادة وتحويل التدخل إلى "ضرورة أمنية". وهكذا تم إرساء مبدأ "بالقوة تُمحى الحدود بين الدبلوماسية والقانون الدولي"، ويصبح إسقاط الرؤساء المنتخبين من قبل قوى خارجية إجراءً مقبولًا وفق منظور القوة العسكرية للدول الكبرى. وهنا مكمن الخطر الحقيقى فى الرسالة التى بُعثتها الإدارة الأمريكية الحالية إلى مختلف شعوب العالم ومفادها "من يخرج عن المحددات الأمريكية ومصالحها يمثل تهديداً لأمنها القومى وفق رؤيتها ومصالحها يُسحب منه القرار بالقوة". والتاريخ يقول إن أمريكا نجحت مرارًا فى إسقاط أنظمة.. ويقول أيضًا إنها حولتها إلى دول فاشلة. فنزويلا ليست النهاية، بل حلقة فى عودة العالم إلى سياسة القبضة المفتوحة.. وقد علمتنى الأيام أن ميزان العدل إذا تختل هو دليل على زوال القوى الكبرى ومخاض عالم جديد وقوى كبرى جديدة. والسؤال الأخطر من قبل المتخصصين : ما هو التوصيف القانونى لما حدث؟