• جلسات عديدة عن أزمة القراءة فى مواجهة التكنولوجيا فى كل عام يتحول ربيع العاصمة البريطانية إلى موعد ثابت لصناعة النشر العالمية، حيث يجتمع آلاف الناشرين والوكلاء الأدبيين والكتّاب وخبراء التكنولوجيا تحت سقف واحد فى معرض لندن للكتاب، أحد أهم الفعاليات المهنية فى سوق النشر الدولية. ومع انطلاق دورة عام 2026، التى أُقيمت فى الفترة من 10 إلى 12 مارس فى قاعة أولمبيا التاريخية غرب لندن، يعود المعرض ليؤكد مكانته كملتقى أساسى لتحديد ملامح العام الجديد فى عالم الكتاب، سواء من حيث الاتجاهات الفكرية أو تحولات السوق أو الشراكات الدولية. فبعد أكثر من نصف قرن على انطلاقه، بات المعرض محطة رئيسية فى أجندة صناعة النشر العالمية، إذ يجمع سنويًا كبار الفاعلين فى هذا القطاع، من دور النشر والوكالات الأدبية إلى شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية. ويأتى المشاركون إلى لندن ليس فقط لعقد صفقات بيع الحقوق أو توقيع العقود، بل أيضًا لمناقشة مستقبل القراءة فى عالم سريع التغير، حيث تتداخل التكنولوجيا مع الإبداع، وتتبدل أنماط الاستهلاك الثقافى، وتزداد المنافسة بين الكتاب ووسائط الترفيه الأخرى. منصة عالمية لصناعة الكتاب على مدى ثلاثة أيام متواصلة، تحول معرض لندن للكتاب إلى فضاء مكثف للنقاش والتبادل المهنى، إذ يضم عشرات الأجنحة ومئات الفعاليات المهنية والندوات المتخصصة التى تتناول مختلف جوانب صناعة النشر. ويشارك فى البرنامج هذا العام مئات المتحدثين من ناشرين وخبراء وكتّاب ومتخصصين من أجل مناقشة القضايا التى تشغل صناعة النشر فى 2026، بدءًا من الذكاء الاصطناعى وحقوق الملكية الفكرية، وصولًا إلى صعود الكتب الصوتية وتحديات حرية التعبير والترجمة الأدبية. ويُعد المعرض حدثًا مهنيًا بالدرجة الأولى، إذ يشكل مركزًا حيويًا لعقد الاجتماعات بين الناشرين والوكلاء الأدبيين ومسئولى بيع الحقوق الأدبية، خصوصًا فى «المركز الدولى للحقوق» الذى يتيح لقاءات مباشرة بين العاملين فى هذا المجال خلال فترة تُعد حاسمة فى دورة شراء الحقوق العالمية. ففى هذا المكان تحديدًا تُبرم صفقات ترجمة الكتب وبيع حقوقها إلى لغات وأسواق جديدة، وهو ما يجعل المعرض أحد المحركات الرئيسية لتدويل الأدب. ولا يقتصر دور المعرض على الجانب التجارى، بل يمتد إلى الجانب المعرفى والمهنى من خلال برنامج واسع من الندوات والحوارات التى تتناول قضايا النشر الراهنة. وتشمل هذه الندوات موضوعات متعددة مثل الاستدامة فى صناعة الكتاب، ودور الترجمة الأدبية فى نقل الثقافات، ومستقبل النشر الرقمى، والتنوع الثقافى فى صناعة النشر العالمية. برنامج مهنى مكثف يضم برنامج المعرض هذا العام أكثر من مائة ندوة وجلسة نقاشية تقام على عدة منصات داخل القاعة، مثل المنصة الرئيسية ومسرح التكنولوجيا ومركز الترجمة الأدبية وغيرها. ويتناول البرنامج مجموعة واسعة من القضايا التى تشغل صناعة النشر فى المرحلة الراهنة، من بينها الذكاء الاصطناعى، وتطور سوق الكتب الصوتية، ومستقبل اكتشاف الكتب فى عصر الخوارزميات، إضافة إلى التحديات التى تواجه حرية النشر وحرية القراءة فى العديد من مناطق العالم. كما يتطرق البرنامج إلى تحولات السوق العالمية للكتاب، بما فى ذلك اتجاهات المبيعات الدولية والتغيرات فى سلوك القراء، فضلًا عن التغيرات المهنية داخل قطاع النشر نفسه، مثل ظهور أدوار وظيفية جديدة مرتبطة بالابتكار الرقمى وتحليل البيانات. ويتضمن المعرض، بالإضافة إلى البرنامج العام، مؤتمرين متخصصين؛ الأول هو قمة الكتّاب التى سبقت المعرض بيوم واحد وتهدف إلى مساعدة المؤلفين على فهم آليات النشر والوصول إلى الوكلاء والناشرين، والثانى مؤتمر النشر الأكاديمى والمهنى الذى يناقش التحولات الرقمية فى هذا القطاع وقضايا الثقة فى المعرفة العلمية فى عصر الذكاء الاصطناعى. الذكاء الاصطناعى فى قلب النقاش من أبرز الموضوعات التى تحظى باهتمام واسع هذا العام مسألة الذكاء الاصطناعى وتأثيره فى صناعة النشر؛ فقد أصبح هذا الموضوع محورًا رئيسيًا للعديد من الجلسات، حيث يناقش المتخصصون كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تغيّر طرق إنتاج الكتب وتسويقها واكتشافها. وتتناول بعض الجلسات التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعى فى تدريب النماذج اللغوية على نصوص الكتب، وهو ما يثير أسئلة معقدة حول حقوق المؤلفين والناشرين. كما يناقش خبراء الصناعة القضايا المتعلقة بالبيانات الوصفية للكتب وتحسين ظهورها فى محركات البحث والمنصات الرقمية، وهى عناصر أصبحت أساسية فى تسويق الكتب عالميًا. ولم يقتصر النقاش على المخاوف القانونية أو التقنية، بل امتد إلى فرص الابتكار التى يتيحها الذكاء الاصطناعى، سواء فى تحليل السوق أو فى تطوير طرق جديدة للوصول إلى القراء. أزمة القراءة فى مواجهة التكنولوجيا رغم الاهتمام الكبير بالذكاء الاصطناعى، فإن بعض الأصوات داخل المعرض ترى أن الخطر الأكبر على صناعة النشر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل تراجع معدلات القراءة فى العديد من المجتمعات. ففى إحدى الكلمات الرئيسية للمعرض، شددت الرئيسة التنفيذية لدار نشر «بان ماكميلان»، جوانا برايور، على أن أزمة القراءة قد تكون التحدى الأكثر إلحاحًا بالنسبة للصناعة، مشيرة إلى أن تراجع الاهتمام بالكتب بين الشباب يمثل تهديدًا طويل الأمد لمستقبل النشر. ويطرح هذا النقاش أسئلة واسعة حول كيفية إعادة جذب القراء فى عصر المنصات الرقمية والبث الترفيهى، حيث يتنافس الكتاب مع أشكال متعددة من المحتوى. ولذلك تشهد جلسات المعرض نقاشات مكثفة حول دور المكتبات والمتاجر ودور النشر فى تشجيع القراءة، خصوصًا بين الأطفال والمراهقين. ازدهار الكتب الصوتية إلى جانب الذكاء الاصطناعى، يبرز قطاع الكتب الصوتية كأحد أسرع القطاعات نموًا فى صناعة النشر العالمية، حيث تشير المناقشات فى المعرض إلى أن هذا الشكل من القراءة أصبح عنصرًا أساسيًا فى استراتيجيات الناشرين، لأنه يجذب جمهورًا جديدًا من القراء الذين يفضلون الاستماع إلى الكتب أثناء التنقل أو العمل. وتتناول بعض الجلسات تطور تقنيات إنتاج الكتب الصوتية، بما فى ذلك استخدام المؤثرات الصوتية والتسجيلات متعددة الأصوات، وهو ما يحول الكتاب الصوتى أحيانًا إلى تجربة سردية أقرب إلى العمل الدرامى. كما يناقش المشاركون الدور المتزايد لمنصات البث الرقمى فى توزيع الكتب الصوتية، وهو ما يفتح أسواقًا جديدة أمام الناشرين ويغير طبيعة المنافسة فى قطاع القراءة. الأدب العالمى والترجمة يحظى موضوع الترجمة الأدبية بحضور بارز فى برنامج المعرض، حيث تُعقد عدة جلسات تناقش دور المترجمين فى نقل الأدب عبر اللغات والثقافات. ويؤكد المشاركون أن الترجمة لم تعد مجرد عملية لغوية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا فى الاقتصاد الثقافى العالمى. وتسلط بعض الجلسات الضوء على الأدب القادم من لغات أقل انتشارًا عالميًا، مثل الأدب الجورجى أو بعض الآداب الآسيوية، حيث ناقش الكتّاب والناشرون التحديات التى تواجه نشر هذه الأعمال خارج حدودها اللغوية. كما يتطرق النقاش إلى تزايد الاهتمام بالأصوات الأدبية القادمة من مناطق مختلفة من العالم، فى إطار سعى دور النشر إلى تنويع قوائمها وإيصال قصص جديدة إلى القراء. العلاقة بين الكتاب والشاشة تحظى إحدى القضايا اللافتة بنقاش واسع خلال المعرض هذا العام، وهى العلاقة المتغيرة بين صناعة النشر وصناعات الشاشة، مثل التلفزيون والسينما ومنصات البث الرقمى. فمع تزايد الطلب على تحويل الروايات إلى أعمال درامية، أصبحت معارض الكتب فضاءات مهمة لاكتشاف القصص القابلة للتحويل التلفزيونى أو السينمائى. غير أن بعض العاملين فى هذا المجال يشيرون إلى وجود فجوة بين الاتجاهات السائدة فى سوق الكتب وتلك التى تبحث عنها شركات الإنتاج؛ ففى حين تحظى بعض الأنواع الأدبية مثل الأدب الرومانسى الخيالى بشعبية كبيرة بين القراء، فإن شركات الإنتاج تميل حاليًا إلى أنواع أخرى مثل الإثارة البوليسية أو الدراما الواقعية. ورغم هذا التباين، يظل المعرض منصة أساسية لالتقاء الصناعتين، حيث يجتمع المنتجون والوكلاء الأدبيون للبحث عن القصص التى قد تتحول إلى أعمال تلفزيونية أو سينمائية كبرى فى السنوات المقبلة. صفقات واهتمامات جديدة يشهد المعرض هذا العام نشاطًا ملحوظًا فى سوق الحقوق الأدبية، حيث يتنافس الناشرون وشركات الإنتاج على اقتناص الأعمال الواعدة. وأشار بعض الوكلاء الأدبيين إلى أن القصص القصيرة بدأت تكتسب اهتمامًا متزايدًا كمصدر للأفكار الدرامية، إذ تسمح بتحويلها إلى أعمال بصرية دون الحاجة إلى التزامات طويلة المدى. كما لاحظ المراقبون ازدياد اهتمام المنتجين بالأدب القادم من خارج العالم الأنجلوسكسونى، حيث يبحثون عن قصص جديدة من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يعكس رغبة متزايدة فى تنويع المحتوى الثقافى المعروض على الشاشات. تحولات السوق العالمية تعكس المناقشات داخل المعرض أيضًا تحولات أوسع فى سوق النشر العالمية. فبعد سنوات من الاضطرابات التى شهدتها صناعات الإعلام والترفيه، يبدو أن القطاع يدخل مرحلة جديدة من إعادة التوازن، مع عودة الاستثمارات تدريجيًا فى مجال تحويل الكتب إلى أعمال بصرية. كما تشير بعض التقديرات إلى أن التعاون الدولى فى مجال الإنتاج الثقافى آخذ فى التوسع، حيث تلعب الشراكات بين شركات الإنتاج فى أوروبا وأمريكا دورًا متزايدًا فى تمويل المشاريع الجديدة. مجتمع دولى للنشر إلى جانب القضايا المهنية، يحرص المعرض على إبراز القيم الثقافية والاجتماعية المرتبطة بصناعة الكتاب؛ فقد أصبح موضوع التنوع والشمول جزءًا أساسيًا من برنامج المعرض، حيث تسعى الفعاليات إلى تسليط الضوء على الأصوات الأدبية المهمشة ودعم المبادرات التى تهدف إلى توسيع دائرة القراءة. كما يحتفى المعرض سنويًا بعدد من الجوائز التى تكرم العاملين فى قطاع النشر، مثل جائزة الإنجاز مدى الحياة التى تُمنح لشخصيات أسهمت فى تطوير هذه الصناعة. مستقبل المعرض اكتسبت دورة 2026 من معرض لندن للكتاب أهمية إضافية، لأنها من بين الدورات الأخيرة التى تقام فى قاعة أولمبيا التاريخية، إذ من المقرر أن ينتقل المعرض ابتداءً من عام 2027 إلى مركز «إكسل لندن» الأكبر مساحة، بهدف استيعاب النمو المتزايد للمعرض وتوفير مساحات أوسع للناشرين والفعاليات. ورغم هذا التحول المرتقب، يبقى الهدف الأساسى للمعرض ثابتًا، وهو جمع العاملين فى صناعة النشر العالمية فى مكان واحد لمناقشة مستقبل الكتاب.