الحكومة: التعامل مع 4550 شكوى كهرباء خلال ديسمبر 2025    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    رشا عبد العال: استمرار الجولات الميدانية لضمان التطبيق الفعلي للتسهيلات الضريبية    أسعار الأسماك اليوم الخميس 8 يناير في سوق العبور للجملة    اسعار الاسمنت اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    البورصة المصرية تستهل جلسة الخميس بارتفاع جماعي    مياه الفيوم تتخذ إجراءات لمواجهة السدة الشتوية وتوفر سيارات مياه نقية مجانية    خبراء كهرباء يوضحون الطريقة الآمنة لعمل رييستارت لعداد الكهرباء مسبق الدفع دون فقدان الرصيد    الجيش اللبناني: أنجزنا المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله    اليوم.. منتخب اليد يواجه البرتغال في بطولة إسبانيا الودية    تفوق مذهل للميرنجي، أرقام مباريات ريال مدريد وأتلتيكو في جميع المسابقات    الهلال يلتقي الحزم للحفاظ على صدارة الدوري السعودي    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    هيئة الأرصاد تحذر: أمطار غزيرة ورعدية متوقعة ليلًا على بعض المناطق    بدء التشغيل التجريبي لمحور صلاح سالم البديل | صور    لطلاب نظام البكالوريا.. شكل ورقة امتحانات الثانوية العامة    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    مصرع سائق فى حادث مروع بين سيارتين نقل بطريق أسيوط الغربى    اليوم.. ندوة لمناقشة فيلم "كولونيا" بحضور أحمد مالك ومايان السيد بسينما زاوية    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    الصحة: تقديم خدمات طبية وتوعوية لأكثر من 31 ألف مواطن    اسعار اللحوم اليوم الخميس 8يناير 2026 فى اسواق ومجازر المنيا    حكام مباريات يوم الجمعة في الجولة 16 لدوري الكرة النسائية    بدء التشغيل التجريبى لمحور صلاح سالم تمهيدا لفك وإزالة كوبرى السيدة عائشة    ارتفاع أسعار النفط وسط تراجع المخزونات الأمريكية وترقب التطورات بفنزويلا    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    تضامن قنا تعلن شروط وفئات مسابقة الأم المثالية لعام 2026    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    قبرص تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي وسط تحديات الحرب والهجرة والتوسيع    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    85 فرصة عمل جديدة لأبناء السويس بالعين السخنة| تفاصيل    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد مباريات الأربعاء    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    ليندسي جراهام: ترامب يوافق على مشروع قانون العقوبات على روسيا    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معضلة «الحدائق الخلفية»!
خارج النص
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 04 - 01 - 2026

عملية فنزويلا ليست نهاية علاقة متوترة منذ سنوات طويلة بين واشنطن وكاراكاس قرر الرئيس ترامب أن يحسمها على طريقته الخاصة، لكنها بداية لنهج يبدو أنه سيتكرر كثيرًا فى المرحلة المقبلة
هناك مقولة شهيرة تُنسب إلى الرئيس المكسيكى الأسبق برفيريو دياز يقول فيها: «مسكينة هى المكسيك، بعيدة جدًا عن الله، قريبة جدًا من الولايات المتحدة».
هذه الكلمات لم تكن مجرد زفرة ألم تاريخية، بل هى توصيف دقيق للمعضلة الأزلية فى العلاقات الدولية: الجغرافيا حين تتحول إلى سجن، والقرب من الإمبراطوريات عندما يتحول من نعمة إلى نقمة.
فى أبجديات الجيوسياسة، يُستخدم مصطلح «الحديقة الخلفية» لوصف منطقة جغرافية محيطة بقوة عظمى، تعتبرها هذه القوة حيوية لأمنها القومى ومجالاً حصريًا لنفوذها السياسى والاقتصادي، وكلما زاد مقدار القوة اتسع نطاق تلك الحديقة الخلفية، ليتحول من دول أو إقليم، إلى قارات كاملة فى حالة الإمبراطوريات الكبرى.
هذه المعضلة تخلق صراعًا أبديًا بين حق الدول الصغيرة فى السيادة الكاملة، وبين رغبة القوى الكبرى فى فرض «وصاية» جغرافية لمنع أى تهديدات خارجية.
ومع الساعات الأولى لعام 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية «اعتقال» للرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو بطريقة هوليودية، لا أقول إنها غير مسبوقة فقد فعلتها واشنطن من قبل، ولكنها كانت مباغتة لكل من تصور أن نهج التخلص من الخصوم على طريقة زمن الحرب الباردة قد توارى إلى المنطقة المظلمة من الذاكرة أو إلى أرشيف أجهزة الاستخبارات ومكتبات التاريخ.
أفصح العام الجديد عن وجه غير مألوف لصياغة العلاقات الدولية، حيث تتحول الدول المجاورة للقوى الكبرى من كيانات ذات سيادة إلى مجرد «حدائق خلفية» يُسمح فيها بكل شيء، من أجل تأمين راحة القاطنين فى القصور العظمى.
مع حلول عام 2026، يشهد العالم مزيدًا من التحولات الجذرية فى العقيدة الجيوسياسية، حيث تنتقل القوى الكبرى من مرحلة «التنافس الناعم» إلى مرحلة «الفرض الخشن» للنفوذ فى مجالاتها الحيوية.
■■■
يُحكى فى التراث السياسى أن «الفيل عندما يرقص، فإن العشب هو من يتألم»، ومن الواضح أن الولايات المتحدة وفق الاستراتيجية الجديدة لأمنها القومى التى أعلنتها قبل أسابيع قليلة قد قررت أن ترقص كثيرًا وطويلًا على عشب أمريكا اللاتينية، وربما تمتد رقصتها المفعمة بالقوة والاستعراض إلى مناطق أخرى من العالم، فالحدث الكبير فى فنزويلا يحمل من الدلالات والرسائل ما يحتاج إلى عشرات الصفحات لتحليل أبعاده.
عملية فنزويلا ليست نهاية علاقة متوترة منذ سنوات طويلة بين واشنطن وكاراكاس قرر الرئيس ترامب أن يحسمها على طريقته الخاصة، لكنها بداية لنهج يبدو من خلال لهجة الرئيس الأمريكى خلال المؤتمر الصحفى الذى عقده مساء السبت، أنه معجب به وسيكرره كثيرًا فى المرحلة المقبلة، وهو ما يكشف أن تحولاً دراماتيكيًا فى استراتيجية «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة قد بدأ بالفعل، وأنه قابل للتكرار فى مسارح و«حدائق خلفية» أخرى طالما رأى «سيد البيت الأبيض» أن حماية الأمن القومى لبلاده تتطلب ذلك.
الانتقادات الحادة والتحذيرات التى أطلقتها دول مثل البرازيل والمكسيك من انتهاك سيادة الدول فى القارة، تكشف بوضوح حجم المخاوف التى تكنها دول أمريكا اللاتينية من العودة لسياسات التدخل المباشر فى شئون الجيران، حيث تُعد الجارة الجنوبية للولايات المتحدة المثال الكلاسيكى ل «الحديقة الخلفية» منذ إعلان مبدأ مونرو فى القرن التاسع عشر، الذى تبنت واشنطن بموجبه سياسة تمنع أى تدخل خارجى فى القارة الجنوبية، لكنها منحت نفسها فى المقابل حق التدخل.
وعملية اعتقال الرئيس الفنزويلى ليست بجديدة فى سياق فهم التدخلات الأمريكية السابقة، فقد شهدت العلاقة بين الأمريكتين العديد من التدخلات التاريخية والمعاصرة، كانت الولايات المتحدة دائما «الفاعل»، والجيران اللاتينيون «مفعولاً بهم»، بينما تراوح «الفعل» من الإطاحة بالأنظمة مرورًا بالضغوط الاقتصادية والسياسية المستمرة، وصولاً إلى الاعتقال المباشر لقادة بعض تلك الدول.
ومنذ مطلع القرن العشرين وتحديدًا فى عام 1904 أضاف الرئيس الأمريكى ثيودور روزفلت ل«عقيدة مونرو» بصمته الخاصة، مانحًا أمريكا حق القيام بدور «الشرطى الدولي» فى نصف الكرة الغربي، وهو ما أدى لتدخلات عسكرية فى الدومينيكان (1904)، ونيكاراجوا (1911)، وهايتى (1915).
وخلال الحرب الباردة شهدت المنطقة تدخلات أمريكية مكثفة لمنع المد الشيوعي، مثل عملية جواتيمالا (1954) للإطاحة بحكومة جاكوبو أربينز، وعملية غزو خليج الخنازير فى كوبا (1961) لإطاحة فيدل كاسترو، والتى كادت تتحول إلى أول حرب نووية فى التاريخ الإنسانى قبل أن ينطلق سيناريو «الاعتقال» مع نورييجا رئيس بنما عام 1989.
■■■
الكثير من الحروب والتدخلات التى نراها اليوم ليست وليدة الصدفة، بل هى نتيجة حتمية لخرائط رُسمت قبل قرون، فضلاً عن أن نهج الحسم على الطريقة الترامبية قد يمثل استدعاء لكثير من ذكريات التاريخ الصعب المختنق برائحة الدم والبارود، ورسالة للمنافسين بألَّا يقتربوا من «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة بأى حال من الأحوال.
لا تزال واشنطن تنظر إلى تمدد النفوذ الصينى الاقتصادى فى أمريكا الجنوبية كتهديد مباشر ل «حديقتها»، مما يدفعها لتعزيز التحالفات الأمنية تحت ذريعة حماية الاستقرار الإقليمي، كما أنها لن تتوانى عن «بتر» أية محاولة لتمدد أيادى منافسين آخرين -مثل روسيا مثلاً- إلى الفناء الخلفى للنفوذ الأمريكي.
كما أن حديث الرئيس ترامب عن «السيطرة على فنزويلا لحين تأمين انتقال سياسى آمن فى البلاد» يكشف أن القصة لم تنته بعد، وأن ما يجرى يبدو أشبه بقصة «مزرعة الحيوانات» للكاتب البريطانى جورج أورويل، فتخيل أنك تملك حديقة جميلة، لكن جارك القوى قرر أن يضع كلبه الحارس فى حديقتك، ليس حبًا فيك، بل ليمنع اللصوص من الوصول إلى منزله هو.. هذا هو جوهر «الحديقة الخلفية»، فالدولة المستهدفة ليست سوى «مساحة عازلة» أو «ساحة دفاع متقدمة» للقوىّ، وليست كيانًا مستقلاً فى نظره.
■■■
والحقيقة أنه لا ينبغى عند الحديث عن معضلة «الحديقة الخلفية» أن تتجه الأصابع إلى الولايات المتحدة وحدها، صحيح أن واشنطن هى من تقود النظام الدولي، وهى صاحبة النفوذ العالمى الأكبر الذى يجعلها تمد بصرها إلى مناطق شاسعة من العالم باعتبارها مجالاً حيويًا لمصالحها من أمريكا اللاتينية، إلى جرين لاند، ومن الشرق الأوسط إلى عمق القارة الأوروبية، لكنها ليست وحدها فى هذا الصدد.
معضلة «الحديقة الخلفية» موجودة - بصورة أو بأخرى- فى حسابات عدة دول وقوى كبرى فى العالم، بل لا أبالغ إذا قلت إن تلك المعضلة هى السبب الأبرز لمعظم الصراعات التى نشهدها فى العالم حاليًا، وستظل تلك المعضلة هى مصدر الخطر والقلق الدائم فى العلاقات الدولية فى عالمنا المعاصر ربما لعقود قادمة، فلا تزال «الجغرافيا هى القدر Geography is destiny»، كما قال - عن حق - نابليون بونابرت.
فالحرب فى أوكرانيا يُنظر إليها على أنها الذروة الدموية لمعضلة «الحديقة الخلفية»، بالنسبة لروسيا، كانت محاولة أوكرانيا الخروج من «بيت طاعة» الكرملين وخلع عباءة النفوذ الروسى والتوجه نحو الغرب، تجاوزًا لخط أحمر أمنى وجيواستراتيجي.
موسكو من جانبها، تستخدم مصطلح «الخارج القريب» لوصف جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابقة، معتبرة أن انضمام هذه الدول إلى أحلاف عسكرية معادية وفق تصورها (مثل الناتو) يمثل تهديدًا وجوديًا.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد اعتمدت فى صياغة تعاملها مع «حديقتها الخلفية» فى أمريكا الجنوبية على «مبدأ مونرو»، فلم تكن روسيا فى زمن الاتحاد السوفيتى أقل حرصًا على تأمين مجالها الحيوي، فطورت هى الأخرى «مبدأ بريجنيف» خلال الحرب الباردة، والذى كرّس فكرة «السيادة المحدودة»، حيث تُعتبر سيادة الدولة الجار ثانوية أمام استقرار الكتلة الإقليمية أو الأمن القومى للقوة المهيمنة.
بموجب هذا المبدأ تدخل الاتحاد السوفيتي عسكريًا لضمان بقاء الدول الاشتراكية ضمن فلكه، كما حدث فى المجر (1956) وتشيكوسلوفاكيا (1968).
كما لجأت روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتى إلى العديد من المواجهات العسكرية المباشرة لتأمين مناطق نفوذها، مثل حرب جورجيا (2008) التى كانت بمثابة أول حرب على الأراضى الأوروبية فى القرن الحالي، كما ضمت شبه جزيرة القرم (2014)، وصولاً إلى حرب أوكرانيا (2022) المستمرة حتى الآن.
وأظهرت الحرب فى أوكرانيا -التى تُصنف على أنها الأعنف عالميًا فى الربع الأول من القرن الحادى والعشرين- كيف يمكن أن تتحول «الحديقة الخلفية» إلى ساحة صراع دولى شامل عندما ترفض الدولة «التابعة» جغرافيًا الانصياع لإرادة القوة الإقليمية المهيمنة.
■■■
الحرص على تأمين «الحديقة الخلفية» لا يقتصر على طرفى الحرب الباردة أمريكا وروسيا، بل يمتد كذلك إلى القوى الصاعدة فى سباق إعادة بناء النظام الدولي، فالصين تسعى لفرض سيادة كاملة على المياه المحيطة بها وبخاصة فى بحر الصين الجنوبي، معتبرة وجود الأساطيل الأمريكية فى هذه المنطقة انتهاكًا لخصوصيتها الجغرافية، وتدخلًا مزعجًا فى «حديقتها الخلفية».
وتستمر بكين فى 2026 فى استراتيجيتها الرامية لفرض واقع سيادى جديد فى محيطها المباشر، تسعى من خلاله إلى تحويل «بحر الصين الجنوبي» إلى «حديقة مغلقة» مكتوب عليها «ممنوع الاقتراب» وتحظر فيه استقبال الضيوف والمتطفلين.
ومؤخرًا نفذت الصين مناورات عسكرية تحاكى «عزلاً» كاملاً لجزيرة تايوان، مستخدمة أسلحة ذكاء اصطناعى وطائرات مسيرة متقدمة، مما يزيد من مخاطر الاصطدام مع القوات الأمريكية المتواجدة فى المنطقة، والتى تعتبر هى الأخرى «تايوان» بمثابة شُرفة مهمة تراقب من خلالها الجار الصينى المتطلع لزيادة نفوذه الاستراتيجى عالميًا، بعدما نجح فى بناء عضلاته الاقتصادية.
كما تعتبر الهند منطقة جنوب آسيا (مثل نيبال، وبوتان، وسريلانكا) مجالاً حيويًا لها، وتراقب بحذر أى تقارب لهذه الدول مع الصين، وتعتبر الأمر «عبثًا مرفوضًا بحديقتها الخلفية».
والواقع أن فكرة المجال الحيوى هى إرث قديم من زمن الإمبراطوريات والاستعمار الأوروبى لأغلب مناطق العالم، وهذا الإرث لم يتغير حتى بعد اتساع نطاق حركات الاستقلال الوطني، ففرنسا فى إفريقيا (الفرنكوفونية) ظلت لسنوات طويلة تُعامل دول غرب إفريقيا ك «حديقة خلفية» لباريس عبر اتفاقيات أمنية وعملة موحدة، وهو ما واجه انتفاضات سياسية كبرى فى السنوات الأخيرة (مثل مالى والنيجر) للمطالبة بإنهاء هذه الوصاية.
وبريطانيا سيطرت على مصر والسودان منذ عام 1882 لتأمين طريق الملاحة إلى «درة التاج» فى الهند، معتبرة قناة السويس شريان الحياة ل«حديقتها الإمبراطورية».
بل إن الأمر لا يقتصر فقط على القوى الكبرى (القديمة والصاعدة) بل يمتد ليشمل قوى إقليمية لديها أدوار نشطة وسياسات خارجية ترنو إلى خارج حدودها، وربما كانت منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، واحدة من أكثر المناطق التى عانت جراء الإرث الثقيل لمعضلة «الحديقة الخلفية».
■■■
فى الشرق الأوسط والقرن الإفريقى تتخذ معضلة «الحديقة الخلفية» شكلاً أكثر تعقيدًا، فهى لا تقتصر على نفوذ قوة عظمى واحدة، بل تتحول إلى صراع «حدائق متداخلة» حيث تتصادم طموحات القوى الإقليمية مع مصالح القوى الدولية.
فى الشرق الأوسط، تلاشت الحدود التقليدية ل «الحديقة الخلفية» لصالح مفهوم «المجالات الحيوية» العابرة للحدود، وبات الكثير من الراقصين يتحركون على «عُشب» المنطقة، فإيران مثلًا وفق (استراتيجية العمق) التى تتمسك بها تعتبر دولاً مثل العراق، وسوريا، ولبنان بمثابة خط دفاعها الأول أو «حديقتها الأمامية»، والتدخل الإيرانى فى تلك الدول لا يهدف فقط لحماية المصالح، بل لخلق «حزام أمني» يمنع وصول التهديدات (الأمريكية أو الإسرائيلية) إلى حدودها المباشرة.
فى المقابل، تنظر تركيا إلى شمال سوريا والعراق كمنطقة أمن قومى مباشر (حديقة خلفية أمنية)، وشهدت السنوات الماضية تدخلات عسكرية من جانبها بهدف ما تقول إنه «منع قيام كيانات تعتبرها مهدِّدة لوحدة أراضيها»، مع محاولة فرض منطقة عازلة تضمن لها اليد العليا فى ترتيبات المنطقة.
وإذا أضفنا إسرائيل إلى الصورة فإن الأمر سيزداد قتامةً وسوءًا، فى ظل وجود حكومة متطرفة فى تل أبيب، لا تتقن من قاموس العلاقات الدولية سوى مصطلحات القتل والتهجير والتدمير، ولا ترى فى خرائط المنطقة سوى فريسة محتملة لأهدافها التوسعية التى تسعى بنهم لا يشبع إلى التهامها، ومن ثم تحويل المنطقة برمتها إلى «حديقة خلفية» تزرع فيها أشواكًا من المستحيل أن تنمو معها زهور الاستقرار والعلاقات الطبيعية مع كيان غاصب واحتلال لم يقدم للمنطقة سوى الخراب.
■■■
القرن الإفريقى الذى يضم (إثيوبيا، الصومال، جيبوتي، إريتريا) يمكن أن نعده المثال الأبرز حاليًا لصراع «الحدائق الخلفية» الدولية؛ نظرًا لإشرافه على مضيق باب المندب وأهم طرق التجارة العالمية، وهو ما تحولت معه المنطقة إلى «حديقة عالمية» مزدحمة بالوافدين والضيوف، فبدت المنطقة الهشة أمنيًا وسياسيًا أقرب إلى «غرفة جلوس» مشتركة للقوى العظمى، تتجاور فيها قواعد عسكرية لكل من الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، واليابان وغيرها من الدول.
لم تعد المنطقة - وفق مجريات الواقع الراهن- «حديقة خلفية» لدولة واحدة، بل ساحة مراقبة دولية مفتوحة، كما أن محاولات بعض القوى الإقليمية غير المسئولة لفرض وجودها بالقوة، ومساعى الوصول إلى سواحل البحر الأحمر عبر التسلل والتلصص والاتفاقات غير المشروعة مع كيانات انفصالية، تُنذر بأن تتحول «حديقة» القرن الإفريقى إلى «حلبة ملاكمة» تنزف فيها دماء، وتتطاير فيها أسنان من يصرون على مواصلة لعبة «عض الأصابع» فى منطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد.
فى الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، لم تعد «الحديقة الخلفية» مجرد مساحة جغرافية تابعة، بل تحولت إلى «أصول جيوسياسية» يتصارع عليها الجميع، وهذا التداخل يجعل من الصعب على دول المنطقة تحقيق استقلال ناجز دون الاصطدام بمصالح القوى التى ترى فى هذه الجغرافيا صمام أمان لبقائها.
■■■
تكمن معضلة «الحديقة الخلفية» فى أنها تضرب عرض الحائط بمبدأ «المساواة فى السيادة» الذى تنص عليه الأمم المتحدة، فبينما تسعى القوى الكبرى لتأمين حدودها ب «مناطق عازلة»، تدفع الدول الصغيرة ثمن موقعها الجغرافى من استقلالها السياسي، وتتزايد القناعة بأن «القوة تصنع الحق» (Might makes right)، حيث تُحول القوى الكبرى القوانين الدولية إلى «حبر على ورق» عندما يتعلق الأمر بمصالحها الحيوية فى محيطها الجغرافى.
فى عام 2026 سيتواصل وجود قانونين دوليين: «قانون مكتوب» فى أروقة الأمم المتحدة يقدس السيادة، و«قانون واقعي» تفرضه الجغرافيا والقوة، حيث تُعتبر مصلحة القوة الكبرى فوق نصوص المعاهدات عندما يتعلق الأمر بحدودها المباشرة.
ولن تتمكن المنظومة القضائية الدولية من إدانة قادة القوى الكبرى بتهمة «جريمة العدوان» عند تدخلهم فى حدائقهم الخلفية، وبسبب حق «الفيتو» فى مجلس الأمن، غالبًا ما سيتم تعطيل أى ملاحقة قانونية دولية للتدخلات التى تقوم بها الدول دائمة العضوية، مما يرسخ حالة «الإفلات القانونى من العقاب».
عام 2026 سيكون عامًا تتواصل فيه محاولات الدول الصغيرة من أجل المناورة بين «حدائق» القوى المتصارعة، بينما تزداد احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مباشرة نتيجة أى سوء تقدير فى مناطق التماس.
بل يبدو أن معضلة «الحديقة الخلفية» ستزداد تعقيدًا، حيث لم يعد النفوذ يقتصر على الوجود العسكري، بل امتد ليشمل «الحدائق الرقمية» والتبعية التكنولوجية والاقتصادية، مما يجعل مفهوم السيادة أمام اختبار هو الأصعب فى التاريخ الحديث.
لن يكون عام 2026 نهاية سلسلة من الأزمات العالمية، بل ربما يكون شاهدًا على حسم غير تقليدى لبعض الصراعات الدولية، فعام بدأ بذلك المشهد الافتتاحى الدراماتيكى فى ليل كاراكاس، جدير بأن نتوقع معه أحداثًا صاخبة سيكون مسرحها «الحدائق الخلفية» المنتشرة فى قارات العالم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.