استقرار أسعار الحديد ومواد البناء بأسواق أسوان اليوم السبت 10 يناير 2026    فنزويلا تعلن عودة ناقلة النفط "مينيرفا" إلى مياهها الإقليمية    مصر للطيران تعلن تعليق رحلاتها من وإلى أسوان وأبو سمبل| إيه الحكاية!    أخطر مما تتصور وغير قابلة للعلاج، تحذير هام من الاستخدام اليومي لسماعات الأذن    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحيل عاشق لفلسطين
نشر في الشروق الجديد يوم 13 - 08 - 2009

عندما قرأت نبأ رحيل المناضل الفلسطينى الشامخ شفيق الحوت فى إحدى الصحف العربية فى الأسبوع الماضى، اجتاحتنى مشاعر حزن غامرة لغياب مقاتل من أجل فلسطين بهامة الرجل، وتداعى إلى ذهنى شريط ممتد من الذكريات مر أمام ناظرى كأننى أعيش لحظاته مجددا. مرت الدقائق ثقيلة على النفس فها هى هامة أخرى من الهامات العالية للنضال الفلسطينى تغيب عن ساحة هذا النضال فى وقت هى أحوج ما تكون فيه إلى شفيق الحوت ومن حذا حذوه.
غير أننى ترددت طويلا قبل أن أحزم أمرى وأقرر الكتابة عن الرجل، فكيف أكتب عن شفيق الحوت فى وقت لم تعد الأجيال الجديدة فى مصر تعرف من هو جمال عبدالناصر، ولا تدرى من أمر مصطفى النحاس شيئا إلا الشارع الذى يحمل اسمه فى مدينة نصر وهلم جرا، وكيف أكتب عنه والصحف المصرية التى قرأتها على الأقل لم تشر إلى رحيله بحرف، ولم أدر حقا أيجوز لى أن أبدأ الكتابة عن الرجل باعتذار لقراء الشروق عن إملال محتمل مما سوف أكتبه أم أن المسألة لا تحتمل هذا كله، ولعله مما حسم أمرى أن إحدى المقولات السخيفة التى تشيع عن القضية الفلسطينية فى أوساط مصرية وعربية أن أبناءها هم المتسببون فيها والمستفيدون من بقائها دون حل، وهى اتهامات تصح دون شك فى حق بعض المنتفعين من ضعاف النفوس أو مدعى النضال الذين لا تخلو منهم مسيرة أى شعب من أجل تحرره، لكن إطلاقها على عواهنها يظلم على نحو بين الأكثرية من أهل فلسطين من المناضلين الذين يأتى رجل كشفيق الحوت فى المقدمة منهم.
هو ابن يافا. تلك المدينة التى حدثنا أبناؤها من الذين أسعفتهم ذاكرتهم عن الحياة فى فلسطين قبل نكبة 1948 عن جمالها الخلاب، وهو جمال لا يبدو معه تعلقهم النبيل بها كرمز لفلسطين المغتصبة أمرا مستغربا. وعندما وقعت النكبة كان شفيق الحوت فى السادسة عشرة من عمره تقريبا، وقد اختزنت ذاكرته وقائع حياته فى حبيبته يافا. وتجسد مذكراته التى كتب فيها تفاصيل التفاصيل عن كل شارع وحارة وزقاق ومقهى ومدرسة فى يافا معنى ضياع الوطن الذى يذوب المرء فيه عشقا، ولا أحسب أننى قرأت عن مأساة لجوء الشعب الفلسطينى أبلغ مما كتبه شفيق الحوت فى المذكرات نفسها عن رحلة اللجوء إلى لبنان حيث استقر به المقام، خاصة أن أسرته اليافاوية تنحدر من أصول لبنانية.
فى لبنان قضى عمره كله من أجل قضية وطنه وأمته، باستثناء سنوات قليلة سافر فيها إلى الكويت فى بداية حياته العملية ليعود مديرا لتحرير مجلة «الحوادث» الشهيرة فى لبنان، وكان بإخلاصه لقضيته مساهما أساسيا فى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وكان أول ممثل لها ومدير لمكتبها فى بيروت، كما كان عضوا فى اللجنة التنفيذية للمنظمة عندما وقعت هزيمة يونيو 1967 فلعب دورا بارزا فى ترسيخ الشرعية العربية لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل انعقاد قمة الخرطوم وفى أثنائها، وهى القمة التى انعقدت فى أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر 1967 أى بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على الهزيمة، وسبق انعقادها خلاف على موقع المنظمة من اجتماعات القمة، وهل يتساوى حضورها مع حضور غيرها من الدول العربية أم يكون لها وضع أدنى؟، وفرض أحمد الشقيرى رئيس المنظمة آنذاك ورجاله من أمثال شفيق الحوت أن يكون حضور المنظمة على قدم المساواة مع باقى الحاضرين، وبالإضافة إلى ذلك لعبت المنظمة دورا فاعلا فى صياغة قراراتها خاصة لاءاتها الشهيرة: لا صلح لا تفاوض لا اعتراف.
تولى عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة للمرة الثانية بين سنتى 1991 و1993 حين استقال احتجاجا على اتفاقيات أوسلو ليكون واحدا من أولئك الفلسطينيين الذين تمتعوا بنفاذ البصيرة فأدركوا منذ الوهلة الأولى أن أوسلو لا تعدو أن تكون بغض النظر عن أى مكاسب ربما تكون قد حققتها للفلسطينيين سرابا كبيرا ووهما خادعا إذا قيست بمقاييس استعادة الشعب الفلسطينى حقوقه المغتصبة.
هكذا لم يتخل شفيق الحوت يوما عن إيمانه بقضيته والمبادئ الحاكمة لحلها، ولذلك ظل دوما صوت الحق الذى لا يتأثر سوى بمصلحة الشعب الفلسطينى وقضيته، وزهد فى كل شىء إلا الدفاع عن هذا الشعب وتلك القضية، لم يجلس يوما وهو يرتدى ملابس بالغة الأناقة خلف مكتب شديد الفخامة متوخيا الشرعية كما فعل كثيرون غيره بعلم فلسطين يبدو منتصبا من خلفه، ولم يغير مسكنه المتواضع فى بيروت أو نمط ملابسه التى تدل على أن صاحبنا لم يكن لديه من هم الدنيا سوى شعبه وقضيته، ولعله كان يذهل من مشهد السيارات المرسيدس التى أخذت تتابع فى «جلال» منذ تسعينيات القرن الماضى وهى تسقط هذا المسئول الفلسطينى أو ذاك أمام مدخل قاعة اجتماع أو ساحة احتفال يهتف فيها لفلسطين، وتصاغ بيانات النضال من أجل تحريرها فيما يجرى ذبحها من تحت الطاولة، ولعل الحسرة على مآل قضية كانت تغمر كيانه وهو يرى بعضا من قادتها وقد انشغلوا ببناء أشباه القصور مقارا لسكناهم، وأخذوا يسرون عن أنفسهم من ملل «النضال فى سبيل القضية» بالانغماس فى الأعمال الخاصة وتكديس الثروات.
أذكر يوما منع فيه من دخول مصر بعد أن وصل مطار القاهرة تلبية لدعوة وجهتها له المؤسسة التى أشرف بإدارتها، للمشاركة فى إحدى الندوات العلمية التى كان له دور أساسى فيها، وبقى الرجل وزوجته المخلصة والأكاديمية البارزة الدكتورة بيان الحوت ساعات طويلة ثقيلة فى المطار انتظارا لطائرة تعيدهما لبيروت بعد أن أخفقت جميع الاتصالات وعلى أعلى المستويات لتسهيل دخولهما إلى القاهرة، ولأننى لم أتمكن من رؤيته يومها شعرت أن الواجب يحتم على أن أقدم له شخصيا اعتذارا عما وقع فى أول لقاء بيننا، وسرعان ما حانت الفرصة بزيارة بيروت، واتصلت به قبل سفرى استأذن فى زيارته بمنزله فأجابنى بألفته المحببة بما يفيد أننى لست بحاجة إلى موعد أصلا، ومع ذلك كنت قلقا من مقابلته متخوفا من أن يكون ما حدث قد أغضبه إلى الحد الذى يؤثر على حميمة اللقاء فإذا بى لا أجد سوى تلك الابتسامة الهادئة التى تكسو وجهه بملامح طيبة لا تنجح قسماته الصارمة فى إخفائها، ولا أسمع إلا كلمات الامتنان على مبادرة كان يرى ألا لزوم لها فما وقع لا ذنب لنا جميعا فيه، وانساب الحديث بيننا كأن شيئا لم يكن، وامتد الحديث فيما امتد إلى «المناضلين» الذين يغيرون مواقفهم سعيا وراء أشياء لا يستطيع بنقائه الوطنى أن يفهمها.
ولن أنسى ما حييت كلماته الجادة وكنت أظنه فى البداية مازحا وهو يقول إنه يجد نفسه من حين لآخر منساقا إلى الوقوف أمام المرآة والتفرس فى وجهه مليا ومخاطبة صورته فى المرآة: «يا أنت أما زلت شفيق الحوت ابن فلسطين والمناضل من أجل قضية شعبها والمتمسك بثوابت هذه القضية؟ إياك أن تتراجع أو تتلون أو تخون».
وقد كان، ونجح شفيق الحوت باقتدار على امتداد مسيرة نضاله أن ينهى هذه المسيرة كما بدأ أول مرة مقاتلا صلبا عنيدا من أجل استعادة حقوق شعبه، وأن يكون نعم الابن المخلص لفلسطين، وأن يكتب خاتمة لنضاله من أجلها وقد وهن العظم منه، ودخل فى صراع شرس مع المرض الفتاك لكنه انتصر فى النهاية كما انتصر دائما، فقد غادر دنيانا كريما عزيزا تاركا لشعبه مثلا أعلى يضىء له طريق استعادة الحقوق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.